
عند انطلاق حكومة نواف سلام واستلام السلطة الجديدة في لبنان بقيادة رأس السلطة جوزيف عون، أحسّ البعض منذ أيامها الأولى أن مسار التطبيع مع العدو قائم وإن لم يُعلن بشكل مباشر. وعندما قررت السلطة الانخراط في مفاوضات مباشرة، أدرك كثيرون أن التنازلات الجوهرية قد بدأت وأن ما كان يُحكى عنه في الكواليس أصبح سياسةً معتمدة على أرض الواقع.
ومع التصريحات الأخيرة الصادرة عن رأس الدولة، باتت الصورة أوضح بالنسبة إلى شريحة واسعة من اللبنانيين الذين يرون أن الأولوية لم تعد حماية عناصر القوة الوطنية، بل إعادة صياغة دور لبنان الأمني والسياسي بما يتوافق مع شروط وضغوط خارجية.
ومن وجهة نظر هؤلاء، فإن المطلوب لم يعد فقط ضبط الحدود أو تثبيت الاستقرار، بل تحويل لبنان إلى دولة منزوعة الإرادة الاستراتيجية، لا تشكل أي عنصر إزعاج للمشروع الإسرائيلي في المنطقة.
ويعتبر المنتقدون أن ما يجري يُقدَّم تحت عناوين الدولة والإصلاح والسيادة، فيما جوهره إعادة تموضع سياسي وأمني يهدف إلى إنهاء معادلة الردع التي فرضتها المقاومة خلال العقود الماضية. لذلك يتخوّفون من أن يكون لبنان متجهاً نحو نموذج مشابه لدول وقّعت تفاهمات أمنية طويلة الأمد، فأصبحت وظيفتها الأساسية حماية استقرار العدو ولو كان ذلك على حساب أولوياتها الوطنية وقضاياها السيادية.
وفي ظل هذه التحولات، يزداد الانقسام الداخلي بين من يرى في هذا المسار فرصة لإنهاء الصراعات وفتح صفحة جديدة مع المجتمع الدولي الضاغط لحماية العدو ، ومن لم يعتبر من حالات الاستسلام والتطبيع العربية التي لم تأتي لشعوبها الا بالفقر و تدني المستوى المعيشي وانظمة بوليسية قامعة.


