مقالات صحفية

“دراسة أميركية: لبنان إلى حرب استنزاف” بقلم الكاتب السياسي جوني منيّر

في 28 شباط الماضي دشنت الولايات المتحدة الأمريكية بالتحالف مع إسرائيل الفصل الثاني من حربها على إيران، بعد الفصل الأول والذي بدأ في 13 حزيران 2025 ودام 12 يوما. وفيما أحدث الفصل الأول صدمة وارتباكا لدى إيران، فإن الفصل الثاني تميز بقوته التدميرية وأهدافه الكبيرة. وفهم من الأهداف المعلنة أن المطلوب من الحملة العسكرية، تغيير إيران. كما أن المدة المقدرة لتحقيق الأهداف تراوحت، وفق ما ردده الرئيس الأميركي دونالد ترامب يومها، ما بين ثلاثة الى أربعة أسابيع. لكن الحرب طالت وامتدت لحوالي الشهرين، واتسع نطاقها الجغرافي لتشمل دول الخليج العربي.
لم يكن قد مر ساعات معدودة على انطلاق الحرب على إيران بنسختها الثانية، حتى عدد ترامب أهدافه الخمس التي يتوخاها، وذلك عبر خطاب مسجل نشره على منصة “تروث سوشيال” التي يملكها، وهي: إسقاط النظام، تدمير قوتها البحرية، منعها من إمتلاك سلاح نووي، تدمير قدراتها الصاروخية، وإنهاء نفوذها الإقليمي والمقصود هنا بشكل خاص القدرة العسكرية لحزب الله.
ولم يكن قد مضى وقت قصير على بدء الحرب على إيران حيث نجحت الطائرات الإسرائيلية في اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي إضافة الى 48 قائدا إيرانيا، حتى انفجرت الجبهة اللبنانية في 2 آذار إثر إطلاق حزب الله 6 صواريخ باتجاه إسرائيل، وأرفق ذلك ببيان يتبنى فيه العملية ثأرا لاغتيال خامنئي. وإثر ذلك إنضمت الجبهة اللبنانية بشكل رسمي وكامل الى الجبهة الإيرانية. وفي وقت دعت فيه واشنطن الحرس الثوري والقوات المسلحة والشرطة للإستسلام وإلقاء السلاح والشعب الإيراني لإغتنام الفرصة والإستيلاء على السلطة، كان الجيش الإسرائيلي يعمد الى دفع سكان الجنوب والضاحية لأوسع عملية نزوح كادت أن تنسف التوازن الديمغرافي الداخلي الشديد الحساسية. وفي الوقت نفسه باشرت إسرائيل في توسيع مساحة توغلها وصولا لتحقيق ما بات يعرف بالمنطقة العازلة، أسوة واستنساخا لواقع غزة. لكن الضربات الصاعقة والمفجآت الصادمة التي نفذتها إسرائيل في الحرب السابقة غابت هذه المرة خصوصا بعدما ظهرت القدرة القتالية لحزب الله في حلة جديدة نسجها طوال مرحلة الهدنة. فهو أعاد بناء قدرته القتالية بما يتلاءم مع أسلوب “حرب العصابات” والذي كان يتميز به عند انطلاقته وصولا الى حرب العام 2006 حين قرر توسيع جسمه العسكري ليحاكي التركيبة العسكرية الكلاسيكية للجيوش النظامية، إضافة الى تولي دور “غرفة عمليات” كامل المحور في المنطقة. ولكن عودة حزب الله الى طبيعته العسكرية الأولى لم تمنع إسرائيل من توسيع مساحة إحتلالها للجنوب، والتي وصلت في بعض الأحيان الى 8 كلم. ولاحقا عمدت إسرائيل الى تجاوز نهر الليطاني سعيا للوصول الى قلعة الشقيف.
أما على المستوى الإيراني فإن النظام نجح في تحصين نفسه والحد من خسائره عبر ورقتين مهمتين: الأولى وتتعلق بتوحد كافة شرائح المجتمع الإيراني خلف قوميتهم على ووضع خلافاتهم الداخلية جانبا، والثانية بالسيطرة على مضيق هرمز وإغلاقه ما جعلها ورقة ثمينة توازي بأهميتها ورقة النووي التي تلقت ضربات قوية. وعبر ورقة مضيق هرمز خنقت إيران الأسواق النفطية، وحيث يمر ما نسبته 22% من شحنات النفط العالمي، إضافة الى سلع أخرى تهم الأسواق العالمية. ولكن وفي وقت راهنت فيه طهران على الضغط على الإقتصاد العالمي، عمدت واشنطن لخنق مداخيلها النفطية عبر تنفيذ حصار بحري لشواطئها. وهنا بات الإنتاج النفطي الإيراني مهدد، وهو ما قد يهدد مداخيل الدولة في مرحلة ما بعد الحرب. أما في لبنان فإن فقدان حزب الله لخطوط الإمداد إضافة الى الحصار السياسي الداخلي، جعلا الأفق مهددا وهامش الحركة ضيق جدا.
بتاريخ 14 من شهر أيار الحالي، أدلى قائد القيادة المركزية الأميركية “سنتكوم” الأميرال براد كوبر بشهادته أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ الأميركي. وأهمية هذه الشهادة أنها تأتي من القائد العسكري الأميركي الذي تولى مهام الجبهات في المنطقة بدءا من إيران، وأنها أتت في سياق التقييم والمحاسبة الذين يعتمدهما الكونغرس الأميركي في الظروف المشابهة. ولكن، إلى جانب شهادة كوبر، قدم مركز دراسات له ارتباطاته العميقة مع المؤسسة العسكرية الأميركية، قراءته للحرب التي حصلت والتي شملت لبنان، مع التقييم والتوصيات المطلوبة، إنطلاقا من قراءة كوبر. واعتبرت أن الولايات المتحدة وإسرائيل حققتا انتصارا عسكريا تكتيكيا كبيرا ضد إيران، لكنهما لم تنجحا في التوصل لحل المشكلة الإستراتيجية الأساسية، والمتمثلة بقدرة إيران على إدارة حرب استنزاف غير متماثلة عبر الوكلاء والوسائل المرنة.
وفي الدراسة أنه جرى ضرب إيران بقوة لكن ذلك لم يؤد الى كسرها بشكل نهائي. وتعتبر هذه الدراسة وفق التقييم العسكري الأميركي أنه جرى تدمير أو تعطيل 85% من بنية الصناعات العسكرية والصاروخية وتلك المتعلقة بالطائرات المسيرة. كما أنه جرى تدمير 82% من منظومات الدفاع الجوي، إضافة الى تدمير هائل للأسطول البحري والمنشآت العسكرية. لكن التقرير يلفت الى نقطة أخطر وتتعلق بنجاح إيران باستعادة جزءا مهما من قدرتها على تنفيذ هجمات وفق الموجات الصاروخية والطائرات المسيرة، خلال أشهر معدودة فقط. ما يدفع للإستنتاج بأن جزءا من البنية الإنتاجية لم يكتشف أصلا، أو أن إيران تمتلك قدرات سريعة لإعادة الإنتاج والتصنيع مخفية وغير معروفة.
لكن الإستنتاج الأهم الذي خرجت به الدراسة بأن الحرب نجحت بتدمير “القدرة الظاهرية” لكنها عجزت عن تدمير أسلوب النظام العسكري الإيراني.
وتعترف الدراسة بأن المشكلة الحقيقية ليست الصواريخ بل الحرب غير المتماثلة، والمقصود هنا بالتنظيمات والمجموعات الإقليمية التي تعمل تحت القيادة الإيرانية وفي طليعتها حزب الله.وتعتبر الدراسة أنه ليس هنالك من أجوبة حول كيف يمكن القضاء على حزب الله والتنظيمات المسلحة الأخرى، ما يعطي إيران الأفضلية في حروب الإستنزاف والقدرة على إعادة الإنتشار. وتضيف الدراسة بأن حزب الله هو نموذج واضح على ذلك. فعلى رغم الضربات القاسية التي تعرض لها، فهو ما زال يحتفظ بجزء من ترسانته. لذلك عاد ليطلق النار في آذار 2026، كما استطاع إعادة نشر قوات النخبة بسرعة جنوب خط الليطاني. واستخدم مسيرات FPV منخفضة الكلفة والتي يصعب إكتشافها. ووفق الدراسة فإن الرسالة الأخطر هنا مفادها أنه حتى حزب الله “الجريح” قادر على خوض استنزاف طويل الأمد ضد إسرائيل وبكلفة منخفضة جدا. وهو ما يعني أن إسرائيل قد تربح المعركة العسكرية الكبرى، لكنها قد لا تستطيع القضاء بالكامل على التهديد القائم.
وتشير الوثيقة بأن واشنطن لم تعد تريد حربا شاملة جديدة، ولا إحتلال أراض ولا مشروع تغيير النظام القائم في إيران، بل تريد إحتواء إيران، ورسم سياسة ترتكز على إدارة المخاطر ومنع الإنفجار النووي، وحماية الملاحة البحرية، وترك الحلفاء يتحملون العبء الميداني. أي وبتعبير آخر، إنتقلت واشنطن من حل المشكلة الإيرانية الى منعها من الخروج عن السيطرة. وهو ما يعتبر بالتحول البالغ الأهمية. أما إسرائيل فستتحمل العبء العسكري المباشر. ومن هنا يمكن فهم التوجه الأميركي الجديد تجاه لبنان: من جهة إلزام السلطة بالقيام بما هو مطلوب منها ولو تحت الضغط الأميركي، ومن جهة أخرى ترك حرية الحركة العسكرية الإسرائيلية على الساحة اللبنانية تجاه الأهداف التي تعتبرها خطرة وتصنفها دفاعية. أي إعطاء إسرائيل هامشا عسكريا ليس فقط في لبنان بل أيضا في غزة وجنوب سوريا.
واستطرادا فإن النموذج الإسرائيلي المطروح، ليس الإحتلال المباشر، بل حروب استنزاف دائمة ولو وفق سقف منخفض المستوى، وهو ما يتقاطع مع العديد من المؤشرات الحالية إن في لبنان أو في المنطقة.
وتشكك الدراسة في فكرة التحالف الدفاعي الأميركي_العربي، وفي إمكانية تشكيل “ناتو” شرق أوسطي حقيقي. ذلك أنه رغم نجاح شبكة الدفاع الجوي المشتركة خلال الحرب فإن ثقة دول الخليج بالمظلة الأمنية الأميركية الكاملة تراجعت بعض الشيء. وربما لذلك بات بعض هذه الدول يفكر بصياغة معادلة حماية جديدة تؤمن توازنا دوليا جديدا من خلال علاقات موازية مع الصين، خصوصا وأن هنالك تباينات عميقة تجاه إيران.
وفي الخلاصة النهائية لهذه الدراسة ما هو أخطر، حيث تقول أن الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل تستطيعان تدمير الجيوش والمنشآت والقدرات، لكن من الصعب جدا تدمير العقيدة والشبكات ولامركزية الحروب والقدرة على نشر الفوضى المستدامة والمنخفضة الكلفة. وهو ما يؤشر الى أن المنطقة قد تدخل مرحلة تتأرجح فيها بين حدين: ما دون الحرب الشاملة، ومن دون التوصل الى تسوية نهائية. ما يعني نزاع وتوترات متقطعة وطويلة الأمد.
ووفق هذه الدراسة، فإن التقييم يتركز حول أن إيران ضعفت عسكريا بشكل كبير لكنها لم تهزم إستراتيجيا. وفي المقابل فإن واشنطن لا تريد الإنزلاق في حرب طويلة، كما أن إسرائيل تتحضر لحرب استنزاف طويلة، وحزب الله سيتطور ليتكيف أكثر فأكثر باتجاه الحرب “اللامتماثلة الذكية”، وحيث سيشكل لبنان إحدى الساحات الأساسية لهذا الواقع الجديد.
وضمن هذه الخانة يمكن إدراج العقوبات الأميركية النوعية الأخيرة على أسماء لبنانية، وأيضا عودة البرودة من جديد في العلاقات بين بيروت وواشنطن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى