مقالات صحفية

“مفاوضات الفاشلين” بقلم الدكتور انطون حداد

يوم كاريكاتوري مر في وزارة الخارجية الاميركية، رعى خلاله رأسها ماركو روبيو إجتماعا” كاريكاتوريا” ضم الى جانبه سفيرة لبنان قي أميركا ونظيرها اليهودي في ما سمي “مفاوضات” .
نقول كاريكاتوريا” وما سميٌَ مفاوضات لعدة أسباب، إن لم تنفِ شرعية هذا الحدث، فإنها قادرة على نسف جدواه أو الجدوى منه، على الرغم من التقليل الرسمي في البلدان المعنية من أهميته باستثناء كونه إجتماعا” تمهيديا” تحضيريا” لاجتماعات لاحقة على مستوى “أرفع”. ليست أو لا يمكن اعتبارها مفاوضات دون وصفها ب الكاريكاتورية لعدة أسباب أهمها:
1_ رفض اليهودي الدعوة سابقا” تلاها استهتارا” أميركيا” بمضمون الدعوة وشكلها باعتبار أنها لا تقدم ولا تؤخر بعد النصر الساحق الموهوم على ايران . وقد يكون ذلك طبيعيا” لو كان الفريق الداعي بعيدا” عن المتوجه اليهم ، فالسلطة اللبنانية الحالية برئاستيه، لا يعدوان كونهما يمثلان مكاسب العدوان الأطلسي الغربي واليهودي على لبنان خلال حرب 66 يوما”، وبات بعد نهوض الفينيق المقاوم وعودته لتهشيم العدو على ذات الارض وصموده الذي فاق حرب تموز( توغل العدو لمسافة أكبر حينها)، الإنجاز الوحيد مع انجراف جوزف عون خلف رئيس وزرائه الى خانة التفاوض خال الوفاض مع العدو مباشرة.
2_ أغلب الظن أن عودة العدو وراعيه الأميركي جاءت في ذات السياق(1) ، إذ أن استمرارهما في الرفض والتجاهل ، بل بالسخرية من دعوة السلطة اللبنانية( بضغط اميركي) هو سقوط نتائج الحرب السابقة، يعني انتهاء آخر مفاعيل الانتصار العبري الذي طالما قلنا أنه كبوة أو خسارة جولة بعد أربعين عاما” من انتصارات متتالية. من هنا وجبت تلبية الفريقين الدعوة الى المفاوضات مرغمين.
3_ فشل توريط الجيش اللبناني بقيادته الواعية ، أفشل مساعي الساعين لتوريطه في صراع دامٍ يضعف الدولة والجيش والمقاومة ويسهل دخول المحتل بجيشه المهزوم حيث يشاء ومتى شاء، في رهان فاشل أشبه برهان هزيمة إيران .
4_ تسميته باجتماع الساعة( مدته ساعة)، يدل على مدى أهميته باعتباره انتصارا” وهميا” يسجله نتنياهو ويسوقه أمام شعب الله المحتار ( لا المختار)، واستجلب غضب المملكة العربية السعودية من السلطة اللبنانية ونواف سلام وفق البيان :” لأنه خرق وحدة الموقف العربي وذهب منفردا” الى مفاوضة اسرائيل” ، ونقد مقولة :” لبنان الرسمي لن يطبع إلاّ آخر بلد عربي”.
5_ الطرفان لا يملكان ما يفاوضان عليه طالما أن الجبهة مشتعلة وفق مقولة ماوتسي تونج:” السلطة في فوهة البندقية”.
6_إجراء المفاوضات مع عدو يهاجم حدود الوطن، بحجة تخفيف ما أمكن على الوطن من دمار كانت بمنأ” عن الحاجة اليه لو التزمت السلطة الحياد في المفاوضات الاميركية الايرانية، خصوصا” وأن الأخيرة وضعت بالعموم وقف جميع الجبهات والحروب في الشرق الأوسط، وهي مطالب عالمية وأوروبية يستثنى منها ركنا المفاوضات الأميركي والعبري.
يجري الحديث عن تفاوض في ظل المقاومة الاسطورية ضد عدو يتمسك قادته بعنجهيتهم بمطالب تسير السخرية والسخط كمنطقة خالية من السكان وحرية العمل العسكري المسير حتى الوزاني، وهذه المواقف أفقدت ترامب ذاته صوابه ( إن وُجِد) بعد رفص الكابينت وقف النار، مهددا” بإعلانها منفردا” عله ينال من سلطة لبنانية لا تملك لمن لا يستحق ما لا يثمًن حتى وإن كان ذلك بالمشافهة عبر الهاتف.
لكن رغم ذلك يبقى لهذا الحدث آثارا” لا يمكن تجاهلها ، إذ تبرز هذا الانقسام العميق في البنية اللبنانية سواء الشعبية أو الرسمية المستثمرة في إنجاز عبري ( سبقت الإشارة اليه), من خلال حضور القوات الللبنانية بقوة في تشكيلتها الحكومية ومواقفها المعروفة من الكيان اللبناني وعلاقته بالعدو ، أو في قراءتها للمكون المكمل في الوطن بمقولة ما بيشبهونا، أو مقولة التقسيم، أو مخففة بالفدرلة، وباتت تخرج خطابا” وسلوكا” ما أمكنها الظهور: طرد أو رفض طلب تعيين السفير الايراني والطلب بملاحقته لإخراجه بالقوة. وسواء في محاولة الولايات المتحدة الظهور كمهيمنة على القرار والساحة اللبنانية، وفصلها عن العدوان على إيران كي لا يشرعن ” النفوذ” الايراني أو إعلانها لاعب أساسي شرق أوسطي (بات استعمال النووي ضد إيران غير قادر على تجاهله)، ووضع لبنان وجها” لوجه أمام عدو خير ما يعرًف به مقولة أو آية توراتية ذميمة تقول:” … ولا تقطعوا لهم عهدا”…” أي لا تصدقوا بعهودكم ،وهم المشهورون والاميركي بنكص و نقد العهود.
وتجاهل الممثل الشيعي في السلطة ، وإن لم يعترض فإن رفض الرئيس بري تسمية ممثل شيعي الى المفاوضات ومعارضة قسم من اللبنانيين لها يعيدنا الى أجواء ما بعد اجتياح 1982 بمفاعيله وصراعاته وانقساماته.
تلافيا” لنتائج مقولة أشورية قديمة منحوتة فوق أرضنا تقول:” من يجهل( أو يتجاهل) التاريخ مكتوب عليه أن يقع في أخطائه”. بات واجبا” على السلطة بعد أن وضعت المقاومة بصمتها في الميدان وبات العدو راضيا” بأقل الممكن تحاشيا” لهزيمة شبيهة بحرب تموز 2006 مشفوعة ضعف الموقف الاميركي وصلابة ايران في المفاوضات بعد فشل الميدان ، أن ترفع سقف مواقفها وتعود عن خطيئتها قبل فوات الاوان .
والتاريخ لا يرحم كما الميدان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى