
هي الزيارة الرسمية الخارجية الأولى للرئيس الأميركي المثير للجدل دونالد ترامب. وعلى طريقة “المفاجآت” التي يتميز بها سلوكه السياسي، جاءت زيارته عاصفة لناحية المواقف السياسية التي أطلقها وخصوصا ما يتعلق بإعلانه رفع العقوبات عن سوريا ومن ثم لقائه بالرئيس السوري أحمد الشرع. في وقت بقي على تجاهله الى حدود الإزدراء تجاه رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو.
كان معروفا بأن ترامب يهدف للعودة من رحلته الخليجية بصفقات تجارية وتعهدات إستثمارية تفوق التريليون دولار. فهو سعى لمخاطبة الشارع الأميركي والقطاع الإقتصادي بعد قراراته الجمركية التي ارتدت سلبا على شعبيته، في وقت يتحضر فيه الحزب الجمهوري لإحكام قبضته على الكونغرس في الإنتخابات النصفية المقبلة والتي عادة ما تعطي أغلبيتها للحزب المعارض. من هنا كان مفهوما أن يعمد ترامب لتخصيص الجزء الأول من خطابه لمخاطبة الأميركيين. فكرر هجومه على سلفه جو بايدن وكرر كلامه الواعد حيال مستقبل الإقتصاد الأميركي. وقد أفرد ترامب متسعا من الوقت لهذا الجزء “الأميركي” الذي أراده. ويدرك ترامب جيدا معنى “الهدية” التي تلقاها من حركة حماس عبر تدشين قدومه الى المنطقة بإطلاق سراح آخر رهينة لديها تحمل الجنسية الأميركية. ذلك أنه معروف مدى التأثير الإيجابي الذي تحدثه مسائل من هذا النوع لدى الأميركيين تجاه نجاح مساعي رئيسهم.
وصحيح أن ترامب نجح في جولته من تحقيق أهدافه المالية والإقتصادية إلا أن مفاجأته السياسية الكبرى كانت بإعلانه رفع العقوبات المفروضة على سوريا، وأتبع ذلك بلقاء مثير مع الشرع، وتلاه إطراء عبر الإعلام على مزاياه القيادية. صحيح أن ترامب يهوى المفاجآت واعتماد الأساليب الصادمة، لكن ما أعلنه جاء نتيجة مفاوضات وتفاهمات حيكت عبر القنوات الخلفية وبعد نقاش مستفيض داخل الدوائر المعنية.
وبات معلوما أن ملفات عدة كان جرى التفهم حولها بين الشرع وإدارة ترامب سمحت بفتح الطريق أمام قرار إعادة إنعاش الإقتصاد السوري. والتقارير الديبلوماسية كانت توصلت الى قناعة بأن الشارع السوري وعلى مختلف انتماءاته بات مرهقا ومتعبا وجائعا في كثير من الأحيان، وبالتالي فهو بات جاهزا للموافقة على قرارات كانت تعتبر من المحرمات مقابل تحقيق إنفراجات إقتصادية. لكن وفي حال ترك الأوضاع تتفاقم فالأمور ستصبح مؤهلة للإنحراف باتجاهات خطيرة. فالسلطة في دمشق ستصبح أكثر ضعفا، وستتحول سوريا الى أفغانستان ثانية. وخلال التواصل الأميركي مع الشرع والذي حصل عبر قنوات أمنية جرى البحث بكل النقاط المطلوبة بدءا من مستقبل مرتفعات الجولان والتطبيع مع إسرائيل، ومرورا بموضوع العناصر الأجنبية والمجموعات المتطرفة وضرورة السيطرة عليها وإلزامية حماية التنوع الطائفي، وانتهاء بملف منع إيران من العودة الى سوريا. وما بين هذه العناوين الثلاث ملاحق إضافية أكثر تفصيلا.
في هذا الوقت كان نقاش من نوع آخر يدور في الغرف المغلفة وتشارك فيه إسرائيل. وكان النقاش يتمحور حول “أي سوريا تلائم مصالحنا”. وكان هنالك اتجاهين عريضين: الأول ويدعو لالتقاط سوريا الآن كونها اللحظة المناسبة، ومساعدتها على إعادة بناء مؤسسات الدولة ولكن تحت الرقابة الغربية، وبما يؤمن إبعاد روسيا وإيران عنها، وهي مصلحة غربية لا بد من تحقيقها. وستتولى دول الخليج الغنية إحتضان الإقتصاد السوري وإعادة إنعاشه من خلال تشجيع الإستثمارات فيه، وفي الوقت نفسه دفع الإصلاحات السياسية قدما وصولا الى دستور جديد يؤمن ويحمي التعددية عبر صيغة ملائمة. وستبقى سوريا تحت الرقابة الأمنية والعسكرية لتركيا وفي الوقت نفسه سيكون اقتصادها مربوطا بالأوكسيجين الخليجي.
لكن الرأي الثاني والذي كانت تشجعه الحكومة اليمينية الإسرائيلية فيرتكز على مفهوم آخر يعتبر أن الظروف أصبحت ناضجة للدفع باتجاه تفتيت وبالتالي تقسيم سوريا لاحقا وفق كيانات مذهبية وطائفية، وهو ما سيفتح الباب واسعا على نقل “العدوى” سريعا باتجاه البلدان المجاورة مثل لبنان والعراق والأردن. وكان وزير المال الإسرائيلي سموتريتش قد تحدث بوضوح في وقت سابق عن أن الحرب الحالية لا يمكن أن تنتهي إلا بتقسيم سوريا. ولا حاجة للشرح بأن مشروع اليمين الإسرائيلي هو بضرورة إبقاء سوريا ضعيفة وصولا الى تقسيمها لاحقا. ألا يردد نتنياهو دائما بأنه يهدف لتغيير وجه الشرق الأوسط؟
لكن الرئيس الأميركي إختار اتباع نهج السياسة الواقعية متجاوزا حال الجمود نتيجة العقوبات المفروضة. ورغم ارتفاع أصوات الذين يؤيدون التوجه الثاني بأنه من السذاجة الرهان على أن قيادة الشرع ستؤدي في نهاية المطاف الى ديمقراطية ليبرالية إلا أن فريق ترامب رأى الأمور من منظار آخر. فسوريا ضعيفة ومقسمة لن تخدم المصالح الأميركية، أما سوريا موحدة ومستقرة فستحقق أهدافا كثيرة تصب في إطار المصالح الأميركية. فصحيح أن العلويين والدروز والأكراد والمسيحيين فقدوا الثقة بالسلطة القائمة في دمشق إلا أنه يمكن إصلاح ذلك من خلال نظام سياسي جديد يمنحهم بعضا من الإستقلالية. كذلك فإن دمشق لن تتمكن من إعادة بناء جيش كبير وقوي قادر على تشكيل تهديد على إسرائيل وعلى المنطقة. ووفق هؤلاء فإن سوريا المتعافية ستحترم السيادة اللبنانية وستعمل على تثبيت الحدود والمساعدة على إقفالها، فيما سيؤدي انتشار الفوضى الى تسلل إيران من جديد مرة عبر الحدود العراقية وصولا للتغلغل عبر التنظيمات المتناحرة والتي ستؤمن لها إيران المال والسلاح، ومرة أخرى عبر الحدود اللبنانية ومن خلال حزب الله الذي رسخت المجموعات الحاضنة له مواقع قوية ومتداخلة عبر الحدود في الهرمل وفي البقاع الغربي أيضا وعبر مجموعات متعاونة عند الحدود الشمالية.
لذلك تعتقد إدارة ترامب أن “سوريا المتعافية” ستؤدي الى نتائج أفضل على المستوى اللبناني وأيضا لحماية الأقليات، وهي لن تشكل تهديدا لإسرائيل.
وفي خطاب ترامب في السعودية مد اليد الى إيران ولكن مع تحذير شديد اللهجة. صحيح أنه أبدى لاحقا إعتقاده بأن إيران ستوقع على التسوية الجاري التفاوض حولها، لكنه يحمل قلقا ضمنيا من أن تكون إيران تعمد لاستهلاك الوقت بالتفاوض. وهذا ما يفسر استمرار إدارته على وضع عقوبات جديدة بهدف إقفال طريق التراجع أمام طهران.
ووفف ذلك تصبح صورة المنطقة أكثر وضوحا من المنظار الأميركي: إخراج إيران من كامل الساحات التي كانت تشكل مناطق نفوذ لها في مقابل استعادة حضورها الإقتصادي على المستوى الدولي، وإحلال المرجعية الخليجية (بقيادة السعودية) على مستوى المنطقة. وهذا ما يطال لبنان وسوريا، مع فارق النفوذ العسكري التركي في سوريا والذي سيكون منظما مع إسرائيل. ولذلك تعمد ترامب “إهداء” قرار رفع العقوبات بناء لطلب الأمير محمد بن سلمان. لكنه ولدى لقائه بالرئيس الشرع بحضور بن سلمان حضر الرئيس التركي ولو عبر الهاتف. المشهد كان معبرا. ولكن ترامب منح مساحة أكبر لولي العهد السعودي في الصراع الصانت على النفوذ في سوريا. ولا شك أن الشرع فهم الإشارات جيدا.
أما بالنسبة الى لبنان والذي حضر مرات عدة في كلام ترامب فهو بدا كمن يقول بأنه ليس فقط لا عودة الى الوراء بل أيضا يجب أن نتفدم الى الأمام وإلا …. ألم يقل بأن فرصة لبنان ليكون مزدهرا وفي سلام مع جيرانه تأتي مرة في العمر.
يرحل ترامب عن المنطقة بعد أن حقق أهداف زيارته “وحبة مسك” وهو يستعد لإقفال آخر ملفاته أي التسوية مع إيران. لكن التجارب التاريخية الصعبة علمتنا دائما بأن التصادم في الرؤيا بين واشنطن وتل أبيب حول القضايا المحورية في المنطقة كانت تكسب فيها بداية واشنطن ولكنها سرعان ما تعود وتنقلب لمصلحة إسرائيل بعد أن تعود وتفرض رؤيتها. هكذا في حرب العام 1967 يوم احتلت إسرائيل الضفة الغربية رغما عن الأميركيين. وهكذا أيضا في حرب لبنان عام 1982 حين عانى فيليب حبيب من الأهداف الشرهة لإسرائيل والتي عادت وأشعلت لبنان عبر حرب الجبل وجعلت الشرعية اللبناني في أسوأ مراحل ضعفها. وخلال المفاوضات لإحلال السلام كانت وجهة النظر الإسرائيلية هي الغالبة، والحرب الدائرة في غزة واتفاق وقف النار في لبنان شواهد يومية في هذا المضمار. وبالتالي يصبح السؤال المطروح ما إذا كان الدفع الذي يتولاه ترامب باتجاه “سوريا المتعافية” سيشكل الوجهة النهائية لمسارها أم أن وجهة نظر اليمين الإسرائيلي ستعاود ظهورها من جديد وفي الوقت الذي يلائم الحسابات الإسرائيلية؟
عسى ألا تتكرر التجارب التاريخية.

