مقالات صحفية

“ترامب يدشن حقبة التحولات الكبرى” بقلم الكاتب السياسي جوني منيّر

لا ينفك الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن مفاجأة العالم بمواقفه الصادمة. وبخلاف السلوك الكلاسيكي الذي اعتاد عليه البيت الأبيض فإن ترامب الآتي من خارج القواعد السياسية الأميركية يصر على نهجه الخاص ويندفع أكثر فأكثر في الأسلوب الذي يستهويه عبر توليه إطلاق مفاجآته الصادمة بنفسه، ومن دون اللجوء الى البيانات الرسمية التي يصوغها في العادة خبراء السياسة والديبلوماسية.
وعلى الرغم من أن اجتماعه كان مع رئيس الوزراء الكندي حيث المشاكل كبيرة جدا بين البلدين إلا أنه فجر أول مفاجأة من خلال إعلانه عن وقف العمليات الحربية في اليمن “بعد استسلام الحوثيين” كما قال، وألحق مفاجأته هذه بمفاجأة ثانية عندما قال بأنه سيعلن عن أمر كبير جدا خلال الأيام القادمة وقبل بدء زيارته الى الخليج. وبدا ترامب وكأنه يربط بين وقف النار في اليمن وبين الإعلان عن مفاجأته الجديدة والتي وصفها بالإيجابية. لقد ظهر ترامب وكأنه لا يطيق الإنتظار. لكن من الواضح بأن إعلانه “الإيجابي” يتعلق بمفاوضات التسوية مع إيران، وثمة معطيات كثيرة تعزز هذا الإستنتاج.
فمع إطلاق العمليات الحرببة الجوية ضد الحوثيين أعلنت واشنطن بطرق مختلفة عن هدفين: الأول ويتعلق بتدمير القدرات الصاروخية والهجومية للحوثيين لإرغامهم على ووقف استهدافهم للسفن، والهدف الثاني هو إيران التي كانت تتمنع عن الدخول في مفاوضات مع إدارة ترامب. ويومها أعلن وزير الدفاع الأميركي بيت ه‍يغسيت بوضوح بأن إيران هي المقصودة من العمليات على الحوثيين. واستطرادا فإنه من المنطقي الربط بين قرار واشنطن بوقف الهجمات الجوية وبين وصول المفاوضات مع إيران الى مراحل متقدمة جدا. تكفي الإشارة الى أن سلطنة عمان هي من تولت الإعلان عن قرار وقف الهجمات، وهي الدولة التي تحتضن المفاوضات الأميركية_الإيرانية حتى حين انتقلت الى العاصمة الإيطالية. وفي هذا السياق كان لافتا ما تناقلته وسائل إعلام أميركية مثل السي أن أن حول لقاءات عقدت في مسقط بين المبعوث الخاص للرئيس الأميركي ستيف ويتكوف ووفد حوثي على هامش الجولات التفاوضية الأميركية_الإيرانية، وهو ما يناقض الأجواء التي أصر الطرف الإيراني على إعلانها دائما بأن المفاوضات مع الأميركيين محصورة فقط بالبرنامج النووي.
وجاءت إشارة أميركية أخرى معبرة جدا مع كلام نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس بوجود صفقة لإعادة دمج إيران بالإقتصاد العالمي. وبهذا الإعلان يصبح المشهد أكثر وضوحا.
لكن ثمة جوانب أخرى تتعلق باختيار التوقيت والإخراج. صحيح أن ترامب نفسه ربط هذه التطورات بزيارته المرتقبة (والتي يريدها تاريخية) الى السعودية وقطر والإمارات، إلا أن هنالك جانب آخر على درجة كبيرة من الأهمية. فالإعلان حصل بعد القصف الإسرائيلي العنيف والمدمر الذي طال اليمن. صحيح أن صاروخا إيرانيا متطورا استطاع اختراق الدفاعات الجوية الإسرائيلية وأصاب مطار بن غوريون إلا أن الرد الإسرائيلي جاء ضخما وغير متكافىء مع ما حصل. لا بل أكثر فإن نتنياهو أمر بتدمير بنى تحتية للحوثيين طالت المرفأ البحري والمطار ومعامل الكهرباء وليس أبدا مواقع عسكرية. وإذا كانت الرسائل التي حملها الصاروخ الحوثي تطال من جهة تحذيرا لنتنياهو “الجريح” داخليا ومن جهة أخرى تحث ترامب على الإستعجال في التفاوض وعدم إهدار الوقت بعد تأجيل الجولة التفاوضية، فإن رد نتنياهو كان يهدف الى دفع الأمور الى أقصى درجات التوتير، أو بتعبير أوضح الى قصف أو على الأقل عرقلة المفاوضات بين واشنطن وطهران. فالقصف العنيف جاء في السياق نفسه للقرار الإسرائيلي بتوسيع العملية البرية في غزة والسعي لاحتلالها. وهنا يبرز الهدف بوضوح: عرقلة المفاوضات من خلال رفع مستوى النار.
ووفق هذا المنطق يصبح إعلان طهران من خلال الحوثيين بأن وقف استهداف السفن لا يشمل إسرائيل أكثر وضوحا. حتى إدارة ترامب نفسها لم تنف هذا الخبر، ما يعني أنها منزعجة جدا من التشويش الإسرائيلي على المفاوضات وهي لا تمانع من خطوات تؤدي الى لجم “حنق” نتنياهو. ومن هنا أيضا استعجال ترامب في التمهيد عن إعلانه الإيجابي الكبير. فهو كمن يود إفهام المعرقلين وضمنا نتنياهو بأن التشويش على ما يجري التفاهم عليه أصبح بمثابة التصويب على ترامب نفسه وليس على إيران.
في الواقع فإن الرئيس الأميركي الذي تعرض لنكسات داخلية عدة بسبب قراراته الجمركية يضع آمال كبيرة على التعويض عن خسائره من خلال صفقة تحمل طابعا تاريخيا وتكون شاملة وكاملة في الشرق الأوسط. ذلك أن حدود الصفقة ليست أبدا محصورة بالبرنامج النووي الإيراني ولا حتى بملف الصراع مع إيران، لا بل فهو يشمل السعودية من خلال منحها برنامجا نوويا للأغراض السلمية أيضا، وترتيب تفاهمات أمنية وعسكرية تشكل ضمانة أميركية فعلية للخليج العربي. كما أن هذه التفاهمات من المفترض أن تشمل أيضا الملف الفلسطيني. تكفي الإشارة الى ما أشار إليه ويتكوف نفسه حول الإعلان عن توسيع إتفاقيات إبراهيم قريبا جدا. ومن المعروف بأن السعودية وضعت شرطا أساسيا لموافقتها على التطبيع مع إسرائيل بالإعلان عن حل على أساس الدولتين. وهنا تصبح دوافع نتنياهو حول إعلانه توسيع العمليات الحرببة في غزة أكثر وضوحا. هو يريد نسف كل ما هو مطروح من خلال إعادة إشعال النار وسفك الدماء. وفي المقابل يصبح تفسير عدم شمول إسرائيل بوقف استهداف الحوثيين أكثر سهولة. والأهم “تطنيش” إدارة ترامب على هذا الإستثناء.
ولأن الصفقة الجاري إنضاجها واسعة وشاملة وتطال المنطقة ولو تحت عنوان “النووي الإيراني” تلاحقت الأحداث في سوريا، إذ لا يمكن عزل الأحداث التي طالت الجنوب الدرزي بالكامل عما يدور في كواليس المفاوضات. فالصراع يحمل تأثيرات جغرافية مستقبلية رغم وجود “فتائل” تفجير طائفية سريعة الإشتعال. وفي الوقت نفسه يركض الرئيس السوري أحمد الشرع ويسابق الوقت لإزالة العقوبات عن الإقتصاد السوري قبل أن ينتقل التركيز الدولي الى الشرق الأقصى حيث بدأت نذر الحرب بين الهند وباكستان.
وانطلاقا مما سبق يمكن إدراج التصعيد الإسرائيلي المستمر على لبنان من خلال الإمعان في الخروقات اليومية. لكن بيروت التي تراقب بكثير من الدقة تطورات المفاوضات بين واشنطن وطهران تدرك بأن ملف احتكار الدولة للسلاح سيشهد طريقه للتطبيق حال إنجاز التفاهمات الكبرى. لذلك مثلا أراد الرئيس الفلسطيني محمود عباس إجراء زيارته الى لبنان بعد مغادرة ترامب للمنطقة. ذلك أن إنجاز التسوية الفلسطينية سيسمح بالبدء بتطبيق خطة إمساك الدولة اللبنانية بكامل المفاصل الأمنية في المخيمات.
وفي المحصلة فإن المشروع الذي يمسك به ترامب ويسعى لتحقيقه كبير جدا، وهو ما سينعكس على لبنان ويدفع به اكثر فأكثر الى مسار جديد. وهذا “الجديد” لا بد أن يطال الطبقة السياسية اللبنانية أيضا، والتي يتشكل الإنتخابات النيابية بعد سنة من الآن محطة أساسية في هذا السياق. وبالمناسبة، فإن القراءات السياسية التي حصلت لنتائج المرحلة الأولى من الإنتخابات البلدية لا تتطابق مع القراءات الديبلوماسية. ففيما تسابقت الأحزاب على تسجيل انتصار هنا أو هناك كانت الدوائر الديبلوماسية تقرأ في استنكاف شريحة كبيرة عن المشاركة في الإقتراع بمثابة استمرار معارضتها للطبقة السياسية الموجودة. وهذه الشريحة كانت سجلت اعتراضها سابقا من خلال انتفاضة 17 تشرين، لكن الفشل الذي طال رموز هذه الإنتفاضة لن يدفع بهذه الشريحة للعودة الى ملاذات الأحزاب بل للإنكفاء من جديد. ما يعني بأن هذه الشريحة الكبيرة ما تزال تطالب بالتغيير على أن يشمل “التغيريين” أيضا هذه المرة. وأما التفسير بأن انخفاض نسبة الإقتراع مرده لحالات السفر فهو مدعاة للسخرية، إذ هل يمكن أن تقتصر الهجرة على مدينة دون أخرى؟ بمعنى أن نسبة الإقتراع كانت مرتفعة في عدد محدود من المناطق التي شهدت مواجهات شاملة وحامية، وهو ما ينقض هذا التفسير. وهذا الإستنتاج يطال كافة الساحات.
وثمة ملاحظة ثانية لها علاقة بالحجم الجديد للجماعات الإسلامية على الساحة السنية التي تعاني من فراغ قيادي. وربما من هذه الزاوية أراد الرئيس سعد الحريري إعادة التذكير بحضوره ولو من باب أحداث السابع من أيار. لكن المحظور الكبير ما يزال قائما عليه.
هي حقبة التحولات الكبرى في الشرق الأوسط، مع العلم أن الحقبة لا يجري قياسها بالأشهر بل بالسنوات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى