مقالات صحفية

“إيران وحزب الله ومهلة الصيف” بقلم الكاتب السياسي جوني منيّر

يربط العديد من المراقبين التركيز الحاصل على ملف سلاح حزب الله بالزيارة الأخيرة التي قامت بها نائبة المبعوث الرئاسي الأميركي الخاص الى الشرق الأوسط مورغان أورتاغوس. فالرسائل التي حملتها في زيارتها الثانية الى لبنان أوردتها في المقابلتين التلفزيونيتين اللتين أجرتهما. وبطلب من إدارتها تعمدت تضمين مقابلتها الثانية عبر شاشة العربية_إنكليزي تعابير قوية لا بل فجة تجاه حزب الله، وحيث وصفته بالسرطان الذي يجب إستئصاله.
وبعيدا عن الجدل الصاخب الذي ساد الساحة السياسية اللبنانية حول ملف سلاح حزب الله، إلا أنه لا يمكن فصل هذا الملف عن المستجدات الإقليمية الكبيرة الحاصلة، والمقصود هنا المفاوضات الأميركية_الإيرانية. فعلى المستوى الداخلي اللبناني توجت مواقف رئيس الجمهورية العماد جوزف عون الجدل السائد حيال هذا الملف. لا بل هنالك من يرى بأن مواقف الرئيس والتي استبقت زيارته الى قطر أدت الى سحب هذا الملف الحساس من النقاشات الحادة بين مختلف الفرقاء والتي أدت الى رفع منسوب التوتر الداخلي ووضعته في إطار المعالجة الرسمية من خلال قصر بعبدا.
رئيس الجمهورية أكد في كلامه على نقطتين أساسيتين: الأولى بأن قرار احتكار الدولة اللبنانية للسلاح قد بدأ العمل لتنفيذه، أي أنه وضع على سكة التطبيق. أما النقطة الثانية فتتعلق بالأسلوب المتبع والذي يرتكز على حوار قائم بين قصر بعبدا وحزب الله “الذي يبدي الكثير من المرونة ويعي مسؤولياته”. وذهب الرئيس عون أبعد من ذلك عندما تحدث عن استيعاب الجيش لعناصر حزب الله ولكن ليس عبر استنساخ تجربة الحشد الشعبي العراقي. وبذلك تمسك عون بأن السبيل للوصول الى حل لملف حزب الله هو عبر الحوار وليس القوة كما دعت بعض الأصوات. ذلك أن ولوج عملية جراحية بهذه الدقة تفترض الكثير من الحسابات المتأنية، خصوصا لناحية حماية الإستقرار الداخلي لبلد ما يزال في طور النقاهة بعد الحرب الإسرائيلية المدمرة التي عاشها، وفي وقت يجري فيه إعادة بناء مؤسسات الدولة التي تفكك العديد منها وتمزق بعضها الآخر تحت وطأة الفساد وسياسة المحاصصات التي مارستها الطبقة السياسية طوال السنوات الماضية.
لكن الحوار الذي باشره رئيس الجمهورية له متفرعات كثيرة، بدءا من إلزام إسرائيل بالإنسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية ووقف خروقاتها والتزامها الكامل باتفاق وقف إطلاق النار، ومرورا بملف إعادة الإعمار، وأخيرا وليس آخرا ما يتعلق بالسلاح الموجود لدى مجموعات مختلفة وداخل المخيمات الفلسطينية (وهو مطلب كانت ذكرته أيضا أورتاغوس خلال زيارتها)، والوضع الأمني لمسؤولي وكوادر حزب الله.
وهو ما يعني أن هذا الحوار متشعب وبحاجة لنقاش هادىء ومعمق ما سيتطلب بعض الوقت. وهذه الفترة المطلوبة ستسمح بتبيان ما سينتج عن المفاوضات بين واشنطن وطهران، والتي ستكون حاسمة وستطال النفوذ الإقليمي لإيران ومن ضمنه التركيبة العسكرية لحزب الله.
وعلى غرار ما كان حكي سابقا غداة انتخاب العماد جوزف عون رئيسا للبلاد حول وجود مهلة زمنية جرى تحديدها بستة أشهر كي ينجز لبنان ملف التركيبة العسكرية لحزب الله، يتردد في الأروقة الديبلوماسية بأن المفاوض الأميركي ستيف ويتكوف نقل عن ترامب للوفد الإيراني وجود مهلة زمنية لإنجاز كامل المفاوضات مع إيران لا تتعدى الثلاثة أشهر. ووفف ذلك يظهر بأن انتهاء المهلة المعطاة للبنان تتزامن مع المهلة المعطاة لإيران، أي بحدود شهر تموز المقبل.
وفي طهران، وخلافا للأسلوب الذي أتبع خلال مفاوضات إنجاز اتفاق 2015، فإن مرشد الثورة أعطى إشارة واضحة بأنه يتابع لا بل يشرف مباشرة على تعرجات المفاوضات، فيما وفي المرة السابقة بقي المرشد بعيدا عن الصورة ليقتصر المشهد على الرئيس الإيراني ووزير الخارجية. فتصريح خامنئي بأن المراحل الأولى من المحادثات سارت بنحو جيد وداعيا الى المضي من الآن فصاعدا بدقة يمكن تفسيره بأنه إشارة علنية بإشرافه الشخصي على هذه المفاوضات. وهي نقطة يضيفها الجناح المتفائل داخل إدارة ترامب على رؤيته لمسار المفاوضات والتي تدفعه للإستنتاج بأن ظروف إيران وواقعيتها السياسية تجعلها ملزمة بالتجاوب مع واشنطن واعتماد الجدية للتوصل الى تفاهمات هي بأمس الحاجة اليها. لكن الجناح المعروف بانحيازه لإسرائيل باشر بحملة تشكيك داخلية حيال جدية نوايا إيران، وعلى اعتبار أنها تعمد الى أسلوب إهدار الوقت وتسويفه عبر إغراق المفاوضات بتفاصيل لا تنتهي بهدف تمرير المرحلة وانتظار ظهور مشاكل داخلية أو دولية أمام ترامب المشاغب، وبالتالي اضطراره الى وضع ملف إيران جانبا للتفرغ للمفاجأة التي قد تعترضه. وفيما يشجع أنصار الفريق الأول “السلام عبر التفاوض”، يبدي أنصار التوجه الثاني، والذي يغلب عليه التوتر في هذه المرحلة، قناعته بأن التجارب السابقة أظهرت أن الحل الوحيد مع إيران باعتماد “السلام بالقوة” وبالتالي عدم إضاعة الوقت.
وإذا كان لأنصار التوجه الأول تأثيرهم الإقتصادي في وقت تعرض فيه الإقتصاد الأميركي لهزة عنيفة بسبب سياسة ترامب الحمركية فإن التأثير الأكبر يبقى للفريق الثاني. لذلك استمر تدفق القطع البحرية الحربية الأميركية الى المنطقة وكذلك حركة نقل القنابل الثقيلة. وهي مؤشرات واضحة بأن الإنتقال من التفاوض الى الضربة العسكرية تصبح عملية سريعة في حال الجنوح باتجاهها. ووفف أوساط ديبلوماسية في واشنطن فإنه وعلى الرغم من الأجواء الإيجابية التي سادت عقب جولة السبت الماضي إلا أن منسوب الشكوك ما يزال مرتفعا، وهو ما يعني أن كل الإحتمالات تبقى واردة مستقبلا.
ووفف التسريبات فإن الملف الوحيد الذي جرى طرحه في جولة المفاوضات الأولى يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني. وتتحدث التسريبات بأن الجولة التفاوضية الثانية ستبقى محصورة بالملف النووي بغية إنجازه قبل الإنتقال الى الملف المتعلق بالصواريخ وساحات النفوذ الإقليمية وهو الشق الذي يعني لبنان. وخلال الأيام الماضية عمدت إيران الى إرسال تسريبات عبر قنوات مختلفة بأن طهران لا تستطيع أن تفاوض نيابة عن حلفائها، ولذلك فالأجدر بواشنطن الذهاب مباشرة اليهم مع الإشارة الى أن أعداء وأخصام إيران الإقليميين (إسرائيل وبعض البلدان العربية) تسعى لإحلال قوى معادية لإيران وحلفائها في الساحات المعنية، وأن هذا الأمر لن يؤدي الى استقرار المنطقة لا بل على العكس. وأعطى هؤلاء سوريا كمثل على ذلك. لكن يبدو أن إدارة ترامب ستطلب من إيران أن توقف كافة أشكال دعمها لهذه المجموعات أكانت عسكرية أم مالية أم لوجستية، وأن الباقي يبقى شأنا داخليا لهذه الدول.
وفي حال ذهبت الأمور في هذا الإتجاه يصبح الحوار القائم في لبنان مع حزب الله قابل للوصول الى نتيجة واقعية. ذلك أن المال لأي تركيبة عسكرية هو بمثابة الأوكسيجين للإنسان. ومن هنا جاء قرار ضبط الحدود البرية والجوية والبحرية للبنان، وهو ما يترافق أيضا مع إعادة إخضاع النظام المالي والمصرفي للبنان للرقابة الدولية عبر الإصلاحات المطلوبة، ووقف العمل باقتصاد الكاش الذي يشكل مدخلا واسعا لتهريب الأموال، خصوصا وأن الفساد الذي ينهش مؤسسات الدولة يشكل حاضنة ممتازة لتنقل المال غير الشرعي.
ووفف تلك الرؤيا يصبح الذهاب الآن الى حلول صدامية حول ملف التركيبة العسكرية لحزب الله تهور غير محسوب. فإنضاج الظروف الإقليمية يعتبر شرطا أساسيا لإنجاح عملية صعبة ودقيقة كهذه. لكن في المقابل فإن الحكمة تقضي بالشروع بفتح الملف عبر تفاوض هادىء وصعب في الوقت نفسه، طالما أن الوقت يسمح بذلك، ولو أن هذه المهلة الزمنية ليست مفتوحة وحدودها الصيف المقبل.
وخلال لقائه بالرئيس نبيه بري سأله أحد سفراء الخماسية عن رأيه بالعلاقة مع الرئيس عون، فأجاب بري على الفور بأنها ممتازة “والرجل يتعاطى بمسؤولية وحكمة مع شؤون الدولة”. عندها قال له السفير بأن رأيه (أي بري) كان مختلفا في السابق وعا هذا الأساس كان يبني معارضته لوصوله الى قصر بعبدا. فأجاب بري بأنه بنى موقفه يومها على روايات كثيرة كانت تصله ومعظمها لم يكن صحيحا على ما ظهر. وختم السفير كلامه قائلا بأن سلوك العماد جوزف عون أظهر أنه صاحب قرار الى جانب قدر كبير من الحكمة وهو بعيد كل البعد عن الشعبوية والمواقف الغرائزية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى