مقالات صحفية

“شكوك قائمة لمفاوضات صعبة” بقلم الكاتب السياسي جوني منيّر

من الطبيعي أن تتركز أنظار عواصم المنطقة على مسقط حيث عقد الإجتماع التفاوضي الأول بين الوفدين الأميركي والإيراني، والذي انتهى بلقاء مباشر ولو لبضع دقائق بين رئيسي الوفدين. وقد عززت هذه الخاتمة لجلسة المفاوضات الأجواء الإيجابية التي وزعها الطرفين على وسائل الإعلام. فاللقاء المباشر ولو لدقائق معدودة، ما كان ليحصل لولا وجود أجواء ملائمة، خصوصا مع وصف اللقاء بأنه لاختبار النوايا، أو ربما لجس النبض.
ورغم ذلك، فإنه لا يمكن المبالغة في التفاؤل، لاسيما وأن هامش الشكوك لدى الطرفين ما يزال واسعا، وهي مسألة طبيعية. وبالتالي فإن إشاعة أجواء إيجابية لا يلغي بأن كلا الطرفين لم يخرج مطمئنا بالكامل، وهو ما عكسه الإعلان بأن “اللقاء كان بناء” ولكن من دون الغوص في التفاصيل. كما أنه من البديهي الإقرار بأن هذه المفاوضات ما كانت لتنعقد أصلا لولا التبدلات الميدانية التي حصلت خلال المرحلة الماضية، وأدت الى “استدعاء” الحشد العسكري الأميركي الذي بلغ ذروته خلال الأسابيع الماضية، تماشيا مع القصف الجوي الأميركي الذي يستهدف القدرات العسكرية للحوثيين في اليمن. وبالتالي فإنه من البديهي الإستنتاج بأن هذه المفاوضات لا تحتمل المناورة أو شراء الوقت. فالضغوط الإقتصادية على إيران بلغت مراحل متقدمة وصعبة، وهو ما دفع بالوفد الإيراني الطلب بتخفيف الضغوط أمام تصدير النفط الإيراني. كذلك هنالك المعطيات الميدانية الجديدة، بدءا من حركة حماس في غزة، ومرورا بواقع حزب الله في لبنان، وخصوصا الخسارة الفادحة لسوريا مع فقدان أي قدرة على النفاذ إليها من جديد، وانتهاء بالضربات القوية التي تتلقاها البنية العسكرية للحوثيين. وهو ما يعني أن الصورة الإقليمية أصبحت رهينة لحسابات مختلفة.
وفي المقابل فإن الرئيس الأميركي دونالد ترامب والذي كان أعلن إلتزامه بإنجاز الملف الإيراني منذ حملاته الإنتخابية وكرره مع دخوله البيت الأبيض من جديد، يبدو محشورا بعد سلسلة إخفاقات تعرض لها منذ حلوله في المكتب البيضاوي. بدءا من موضوع الترحيل ومرورا بالأزمة مع جاريه كندا والمكسيك، وأخيرا وليس آخرا الفوضى التي أحدثها في النظام المالي العالمي إثر قراراته الجمركية. وهو ما أدى الى حصول تظاهرات شعبية حاشدة رغم أنه لم يمض بعد على بدء ولايته شهرين ونصف الشهر. وبالتالي فهو قد لا يتردد بالإندفاع والذهاب بعيدا لتعويض الإهتزاز الذي أصاب صورته. ما يعني بأنه كالذئب الجريح أصبح أكثر خطورة وتهورا.
لأجل ذلك فإن هذه المفاوضات لا تحتمل المناورة ولا شراء الوقت. ولا شك أن طهران تدرك ذلك وتتحسب له.
وكان لافتا “تغييب” ترامب لشركائه الأوروبيين الثلاثة: فرنسا، ألمانيا وبريطانيا. فهو حتى لم ينسق معهم ولم يطلعهم مسبقا عن خطواته. وقيل أن بنيامين نتنياهو لم يكن الوحيد الذي فوجىء بإعلان ترامب يوم الثلاثاء الماضي خلال استقباله في البيت الأبيض عن موعد المفاوضات. فالمفاجأة شملت أيضا زعماء الدول الأوروبية الثلاث. وفسر البعض تفرد ترامب بأنه يهدف للإحتفاظ بقدرته الكاملة للإنعطاف باتجاه الحلول العسكرية في حال فشلت المفاوضات السلمية، إضافة الى سعيه للإستحواذ على المكاسب الإقتصادية كاملة في حال حصول التفاهم عبر التفاوض. وفي هذا الإطار يتحدث البعض عن “شهية” ترامب على منطقة همدان الإيرانية والتي شهدت إكتشاف كمية هائلة من المعادن النادرة وفي طليعتها مادة الليتيوم والتي تعتبر بمثابة “بترول” العقود القادمة.
كما أن هذه المفاوضات تحصل في ظل تحشيد عسكري أميركي كبير، وسط استعراض لبعض القدرات الجوية الأميركية في اليمن. وعلى الرغم من بدء المفاوضات فإن الإستعراض الناري الجوي الأميركي استمر، كما جرى إدخال حاملة طائرات جديدة الى المنطقة، في وقت جرى فيه تركيز قاذفات البي 2 في جزيرة دييغو غارسيا في المحيط الهندي البعيدة عن مدى الصواريخ الإيرانية، في وقت تستطيع فيه القاذفات الأميركية الوصول الى العمق الإيراني بسهولة. وهي إشارة بأن إيران مستعدة للخيار العسكري فور إعلان فشل المفاوضات.
وبعيدا عن المناخ الإيجابي الذي جرى توزيعه على وسائل الإعلام، فإن الكواليس الديبلوماسية المعنية تكشف بأنه ما يزال هنالك تشكيكا داخل إدارة ترامب بجدية النوايا الإيرانية، وأن طهران تناور وتستهلك الوقت. ومن البديهي أن يكون التيار المتحمس لإسرائيل هو من يعزز الشكوك. ويدعو هذا الفريق الى الحفاظ على الجهوزية العسكرية وانتظار نتائج الإجتماع الثاني يوم السبت المقبل لتتضح النوايا أكثر.
لكن هنالك مجموعة أخرى تميل للإعتقاد بأن إيران جدية في الذهاب لإنجاز تسوية سلمية بسبب ظروفها الإقتصادية الصعبة والخسارة التي تكبدها مشروعها الإقليمي. وبالتالي فهي أيقنت أن المرحلة المقبلة لن تعني بأي شكل من الأشكال الإستمرار بأدوات الصراع القديمة، لأنها لم تعد مجدية. وبالتالي لا بد من الذهاب الى استراتيجية جديدة، مع الحفاظ على ماء الوجه المطلوب. ويتسلح أنصار هذا التوجه المحسوب على القطاع التجاري والإقتصادي، بالتفاعل الإيجابي للإيرانيين مع تحسن سعر صرف العملة الوطنية بنسبة 10% خلال 24 ساعة فقط بسبب ظهور أجواء إيجابية حول جولة المفاوضات في مسقط. كذلك يورد هؤلاء الرسائل المتعددة التي أرسلتها طهران، واحدة عبر اليمن مع الكلام حول وقف الدعم العسكري الإيراني، والثانية عبر العراق مع إعلان قادة في الحشد الشعبي عن الاستعداد لتسليم السلاح والإنخراط في الدولة، وثالثا عبر لبنان وما نقل عن مصدر في حزب الله حول الاستعداد للبحث مع رئيس الجمهورية في موضوع تسليم سلاحه ولكن بعد انسحاب اسرائيل الكامل من لبنان. أضف الى ذلك أن التوازنات الدولية لم تعد تعطي طهران هامشا يسمح لها باستهلاك الوقت واللعب عليه. وتكفي الإشارة الى أن المبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف باشر مفاوضات بلاده مع الوفد الإيراني مباشرة بعد عودته من موسكو. والمقصود أنه لا بد أن يكون تطرق مع بوتين للملف الإيراني. ولا حاجة للتذكير بالعلاقة الجديدة القائمة بين الكرملين والبيت الأبيض.
ويعتقد أصحاب هذا التوجه أن قلق إيران الأول يبقى حول استمرارية النظام الديني القائم، خصوصا في ظل وجود توجس من خطط أميركية سرية تهدف للإطاحة به عند أول مفترق طريق. لذلك قد تكون طهران مستعدة لإزالة مخاطر الذهاب باتجاه السلاح النووي بعد أن تضمن حماية استمرارية نظامها، وأن يجري تحصين الاستقرار الداخلي عبر استعادة العافية الإقتصادية من خلال إزالة العقوبات المفروضة.
أما حول التخلي عن الصيغة العسكرية لما يعرف بساحات المساندة أو محور المقاومة فثمة همس وصل الى مسامع الأوساط الديبلوماسية الأميركية بأن طهران تدرك جيدا التبدلات العميقة التي أصابت ساحاتها الإقليمية وهو ما يجعلها أكثر مرونة لناحية المساعدة في وقف العمل العسكري للقوى المتحالفة معها، لكن في مقابل عدم تحويل هذه الساحات لمواقع معادية لإيران كما حصل في سوريا. أي أن يرافق موضوع تفكيك التركيبة العسكرية لهذه القوى حلول مناخ سياسي مرن وغير عدائي.
وجاءت كلمة الرئيس جوزف عون في الذكرى الخمسين لاندلاع الحرب اللبنانية لتقدم ركائز وأسس الصرح السياسي للمستقبل، لناحية الخروج من ذهنية الولاءات الخارجية وصولا الى الإيمان بأن الدولة اللبنانية وحدها هي ملاذ جميع اللبنانيين، وأن حماية لبنان لا تكون إلا عبر دولته وجيشه وقواه الشرعية.
لا شك بأن الأنظار ستبقى مركزة على مستجدات المفاوضات الأميركية_الإيرانية. فهي التي ستكرس المسار الذي ستسلكه المنطقة، والمنحى الذي ستذهب اليه الأوضاع. ولكن مع التيقن بأن الوقت ليس مفتوحا، خصوصا وأن الظروف الداخلية لكلا الطرفين تدفع لعدم استهلاك الكثير من الوقت.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى