مقالات صحفية

“لبنان المحشور بين محشورين” بقلم الكاتب السياسي جوني منيّر

قد تكون نائبة المبعوث الأميركي الخاص الى الشرق الأوسط مورغان أورتاغوس قد شعرت بأن المقابلة التلفزيونية التي أجرتها عند نهاية زيارتها للبنان لم تختزن بشكل كاف الرسائل القوية التي أرادتها من جولتها الثانية، وهو ما دفعها على الأرجح لإلحاقها بمقابلة ثانية عبر محطة العربية_إنكليزي استخدمت فيها تعابير قوية ضد حزب الله الذي شبهته بداء السرطان وداعية لنزع سلاحه بسرعة.
في الواقع ارتكب البعض خطأ جسيما من خلال “تمرير” أجواء إيجابية عن مهمة أورتاغوس الثانية ما دفع بواشنطن الطلب منها تكرار الرسائل المطلوبة علنا وبعبارات نافرة. وهذا ما فتح شهية البعض لركب الموجة، وإطلاق مواقف إنتقادية تجاوزت بند سلاح حزب الله بحد ذاته، وصولا الى استهداف مواقع رسمية لأهداف تتعلق بلعبة تعزيز المواقع والأحجام في مرحلة التحضير للإنتخابات البلدية وحصد نقاط سياسية منها.
في الواقع ثمة التزام كامل ونهائي بموضوع بسط الدولة وحدها وبقواها الذاتية على كامل الأراضي اللبنانية. وهو ما ورد بوضوح في خطاب القسم لرئيس الجمهورية، وفي البيان الوزاري للحكومة. لكن الإلتباس أو حتى الخلاف القائم هو على كيفية التطبيق وليس على المبدأ بحد ذاته. ففيما تزين السلطة اللبنانية الموضوع من زواياه المتعددة من أجل الذهاب الى تطبيقه بأقل الأضرار والأكلاف الممكنة، تنظر الإدارة الأميركية الى الملف من زوايا أخرى، وتتعاطى معه وكأنه ملف لبناني داخلي بحت، تماما كملف الإصلاحات المطلوبة.
فملف سلاح حزب الله أو ما تبقى منه، يحمل بعدين أساسيين: الأول بعده لبناني ويحمل عنوان مواجهة إسرائيل، في وقت تستمر فيه باحتلال مواقع وأجزاء من جنوب لبنان وترفض الإنسحاب خلافا لاتفاق وقف إطلاق النار، وتقرن ذلك بخروقات يومية. وهو ما يغذي الذريعة التي يرفعها حزب الله بأن إسرائيل تنقض الإتفاق.
أما البعد الثاني لهذا الملف فهو الأهم، والمقصود به البعد الإقليمي وهو الذي له علاقة بإيران وصراع نفوذها المفتوح في المنطقة.
واستطرادا فإن أي سعي لإنجاز حل لهذا الملف من خلال اختصاره ببعد واحد دون الآخر سيؤدي الى عكس المطلوب، وهو ما تؤكده محطات تاريخية عدة، مثل العام 2005 والقرار 1559 وسقوط البلد في صراع دموي وانقسامه بين فريقي 8 و14 آذار. وكذلك مع حرب العام 2006 وما تلاها من تعزيز نفوذ حزب الله العسكري.
لا شك بأن القوة العسكرية لحزب الله قد تلقت ضربة قاسية عززها قطع طرق إمدادات إيران للحزب خصوصا على المستوى البري مع سقوط نظام الأسد في سوريا. وحتى على المستوى الجوي بات واقع مطار بيروت مختلفا بشكل كامل عمل كان عليه في عز سطوة الحزب. أضف الى ذلك فشل حزب الله في تعديل قرار وقف الرحلات الجوية المباشرة مع طهران بعد تحركات شعبية سعت لقطع الطريق إليه. كما أن مرحلة قيادة محور المقاومة من الضاحية الجنوبية أصبح من الماضي. لكن السؤال يبقى ما إذا كانت كل هذه الإجراءات كافية لفصل حزب الله عن إيران. بالتأكيد لا. ذلك أن إيران ستبحث دائما عن طرق معقدة لإبقاء التواصل قائما مع حزب الله. طبعا ليس وفق السهولة السابقة، لكنها ستبقي لها هذا التواصل خصوصا وأن الواقع السوري ما يزال وسيبقى على الأرجح لفترة غير معروفة في وضع غير مستقر بشكل كامل. وإزاء ذلك لا بد من إحكام القبضة الرقابية للحدود وهو ما يستلزم الترسيم النهائي للحدود اللبنانية_السورية بعد تسوية النقاط المتنازع عليها مع دمشق، وهو ما يجري التحضير له.
باختصار فإن العلاج الحقيقي والكامل للبعد الخارجي يبقى في طهران، وهو ما سيظهر في المفاوضات التي تعتزم إدارة ترامب إجراؤها مع إيران. وقد يكون الإلحاح الأميركي باختصار المراحل في لبنان له علاقة بأوراق التفاوض مع إيران. لكن السؤال الكبير: هل أن حرق المراحل مضمون؟ بمعنى، ألا يؤدي هز الإستقرار الداخلي اللبناني لتعزيز أوراق إيران التفاوضية، لا العكس؟
ففي نظرة سريعة، تبدو معظم الأطراف الخارجية وكأنها محشورة بشكل كبير، بدءا من واشنطن نفسها، مرورا بطهران ووصولا الى تل أبيب. فرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو والذي انتقل من هنغاريا الى واشنطن بدا وكأنه جرى استدعاؤه على عجل. وخلال الدردشة التي أجراها ترامب مع المراسلين والإعلاميين بدت علامات الصدمة على وجهه عندما أعلن الرئيس الأميركي عن المفاوضات المباشرة التي سيجريها نهار السبت مع إيران. وبدا أن هذا الملف يقف وراء دعوته الى واشنطن. وعندما تحدث نتنياهو لاحقا عن تفضيله إعتماد النموذج الليبي لتسوية الملف النووي مع إيران، أوحى وجود تباين مع ترامب. ونتنياهو المحشور داخليا بعد إجهاض قراره بإقالة رئيس جهاز الشاباك تلقى “صدمة” ثانية من ترامب عندما وصف الرئيس التركي أردوغان بالذكي وبأنه أنجز شيئا لم يستطع أحد تحقيقه من قبل، وبوجوب التسليم بانتصاره. وقال لنتنياهو الذي استهدف مواقع ويط سوريا تسعى تركيا للتمركز العسكري فيها، بأن “أي مشكلة لديك مع تركيا أعتقد أنه بإمكاني حلها ما دمت منطقيا في طلباتك، فعليك أن تكون منطقيا”.
أما بالنسبة لمفاوضاته مع إيران فالتواصل غير المباشر كان قد بدأ على ما يبدو منذ ثلاثة أسابيع عبر سلطنة عمان. وتمسك ترامب بالمفاوضات المباشرة يوم السبت وعلى مستوى رفيع رغم النفي الإيراني. وبدا أن ترامب في كشفه عن الخبر وتكراره تأكيده إحراج طهران وإظهار “حشرتها” وكأنه لم يعد لديها خيار آخر. فلطالما أنكرت طهران وجود تواصل مع إدارة ترامب، وبأنها تريد المحافظة على صورتها من خلال إبقاء خبر التفاوض على هذا المستوى بعيدا عن الإعلام. لكن مشاركتها على مستوى وزير الخارجية يوحي بحد ذاته بأن شوطا لا بأس به قد قطع، وأن تفاهمات عريضة لا بد أنها حصلت. ومن هنا يمكن إيجاد التفسير المنطقي للخبر الذي أوردته صحيفة تلغراف البريطانية حول قرار إيران بوقف دعمها العسكري للحوثيين، إضافة الى خبر وكالة رويترز عن مسؤولين إيرانيين بدعوتها الفصائل العراقية الموالية لها بتسليم سلاحها للسلطات العراقية. ذلك أن وقف إيران لأنشطتها الإقليمية يشكل أحد البنود التفاوضية الثلاث.
وترامب نفسه محشور أيضا ما يجعل هوامش اللعبة ضيقة والمناورات محفوفة بالمخاطر.
فالرئيس الأميركي مستعجل لتحقيق إنجاز ثمين وسط مغامرة لا بل مقامرة الحرب التجارية التي أعلنها. وليس تفصيلا أن تشهد الولايات الأميركية تظاهرات حاشدة ضد رئيس أميركي لم يمض على دخوله البيت الأبيض إلا حوالي شهرين ونصف الشهر. وترامب يحمل مشروعا كبيرا يرمي الى سيطرة كبيرة على مجلسي النواب والشيوخ في الإنتخابات النصفية في 2026 والسعي لتعديل الدستور لحيازة ولاية رئاسية ثالثة. لكن التعديل الدستوري يحتاج الى موافقة ثلثي مجلسي النواب والشيوخ وأيضا ثلاثة أرباع الولايات الأميركية الخمسين. وهو ما يبدو صعبا جدا جدا.
وخلال حفل عشاء أقيم لجمع تبرعات لصالح الحزب الجمهوري للإنتخابات النصفية، قال ترامب في كلمته بأن الرسوم الجمركية ستساعد الجمهوريين في حملاتهم قبل موعد انتخابات التجديد النصفي. وأضاف: سنفوز في الإنتخابات وسنحقق فوزا كاسحا وساحقا ومدويا. أنا أؤمن بذلك حقا. ولا شك أن كلام ترامب يخفي قلقا من المغامرة الكبرى التي دخلها. وبالتالي فهو يفتش عن إنجاز يعطيه دفعا داخليا قويا. وإنجاز اتفاق مع طهران، قادر على تلبية مطلبه.
وهذا التوجه جعل من زيارة ترامب الى واشنطن زيارة سيئة. وبدا وكأن ترامب كبل يدي نتنياهو بعض الشيء في سوريا، في مقابل إطلاق يديه في غزة ولبنان. وهنا مكمن الخطورة مع نتنياهو المحشور.
باختصار فإن الموقف اللبناني الصعب يستوجب الكثير من الحكمة من جميع الأطراف لا الإندفاع باتجاه رفع السقوف والمزايدات، في وقت يختلط فيه الحابل بالنابل. والحكمة تقتضي ألا نقدم هدايا لإسرائيل، وأيضا ألا نغالي بالإندفاع في مواقف غير مدروسة وتحمل مزايدات إعتقادا بأنها تحقق نقاطا في اللعبة الداخلية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى