
سيسيل الكثير من الحبر للحديث عن الزيارة الثانية لمساعدة المبعوث الأميركي الى الشرق الأوسط مورغان أورتاغوس الى بيروت. البعض يروج عن إيجابية خالفت التوقعات، والبعض الآخر أصر على عدة رسائل سلبية حملتها الموفدة الأميركية المثيرة للجدل. إلا أن المهمة الحقيقية لجولتها الجديدة حضرت في خلواتها التي عقدتها مع الرؤساء الثلاثة، في وقت بدا فيه أن اللقاءات الموسعة ساد فيها كلام بروتوكولي عام أكثر منه عملي وفعلي.
وفي معرض تقييمها لمهمة أورتاغوس الجديدة إكتفت أوساط ديبلوماسية بالقول بأنها لتذكير المسؤولين اللبنانيي بأن واشنطن تتابع عن قرب إلتزام لبنان الرسمي بتطبيق التفاهمات التي كانت واكبت قرار وقف إطلاق النار والإلتزام بكافة مندرجات القرار 1701، والأهم حث المسؤولين اللبنانيي على عدم التباطؤ، وأن واشنطن جاهزة للمساعدة في حال ظهور عقبات. في الواقع قد يكون التوصيف الأكثر واقعية لجولة أورتاغوس بأنها جاءت مرنة في الأسلوب فقط، أما المضمون فهو تكرار لما سبق مع إضافة ملف إحتل الإهتمام الأول وهو المتعلق بالإصلاحات. ومن هنا يصح الإعتبار بأن المهمة الأبرز للجولة الثانية للموفدة الأميركية تتعلق بالإصلاحات الى جانب الملفات الأمنية المعروفة مثل استكمال نزع سلاح حزب الله والحدود البرية بشقيها الإسرائيلي والسوري إضافة الى الحدود الجوية. أورتاغوس التي اشتكت من المعالجة البطيئة للسلطة اللبنانية أشارت بأن على لبنان أن يكون قد جهز كامل ملفاته الإصلاحية عند بدء اجتماعاته مع صندوق النقد الدولي. وثمة بندين أساسيين في هذا الإطار: الأول وهو المتعلق برفع السرية المصرفية مع مفعول رجعي لعشر سنوات وليس كما اقترح لبنان لثلاث سنوات فقط. فالعمليات المثيرة والغامضة والتي تتضمن قطب أمنية وسياسية والتي يجب كشفها إنما تعود خصوصا للحقبة الممتدة بين عامي 2015 و2019. والثاني، وهو المتعلق بإعادة هيكلة قطاع المصارف وتنظيمه وفق أسس علمية واضحة ومتناغمة مع النظام المصرفي العالمي لأن لبنان بات يتعامل منذ سنوات عدة وفق “الكاش”، مع ما يحمل ذلك من مخاطر كبيرة لناحية جعله ملاذا ممتازا لتبييض الأموال والتحايل والإلتفاف على المصفاة الرقابية المالية الدولية.
وإضافة الى ما تقدم فهنالك بنود إضافية ملحة تدخل في “دفتر شروط” المطالب الإصلاحية وهي المتعلقة بإصلاح القضاء، وضبط المعابر الحدودية والجمارك، وتطهير وزارة المال.
لكن الأسلوب الهادئ والمرن الذي ظهرت فيه أورتاغوس هذه المرة فله أسبابه الأخرى. ذلك أن المسؤولة الأميركية مثلها مثل العديد من مسؤولي إدارة ترامب دخلت مجال الديبلوماسية والمفاوضات من دون خبرة مسبقة، وهو ما جعلها ترتكب أخطاء عدة خلال جولتها الأولى، كمثل تصريحها الفاضح من قصر بعبدا، وهو ما دفع برئيس الجمهورية الى إصدار بيان توضيحي لاحقا. وبعد عودتها من زيارتها الأولى جرى إفهام أورتاغوس فداحة الأخطاء التي ارتكبتها. كما جرى لفت انتباهها الى وجوب مراعاة جوانب عدة لدى زيارتها مختلف المسؤولين في لبنان. ومن هذه الزاوية يمكن تفسير عدم إدلاء أورتاغوس بأي تصريح بعد انتهاء لقاءاتها. وقيل بأنه جرى تعديل البرنامج المرسوم وبالتالي تجاوز أي كلام لها كان من المفترض أن تدلي به بعد كل لقاء من لقاءاتها الثلاث مع الرؤساء، تجنبا لحصول أي خطأ في التعبير (رغم أنه كان من المفروض أن تدلي بتصريح مكتوب كل مرة) وتحاشيا لأي حوار قد يحصل مع المراسلين والصحفيين. وفي أبرز تأكيد على ذلك كانت الحركة التي قامت بها في خلال لقائها بالرئيس نبيه بري حيث عملت على إخفاء قلادة نجمة داوود. وهذا ما يعطي الإستنتاج الواضح حول الإحاطة التي أعطيت لها بعد قدومها الأول العاصف.
ولكن لا يجب إغفال وجود دافع آخر صب في مصلحة اعتماد أسلوب مرن ومتحفظ. فشد الحبال بين واشنطن وطهران كان بلغ درجات عالية ووصل الى مرحلة خطرة. وهذا التخاطب أو التفاوض بالنار كان قائما عبر ساحات النفوذ بدءا من اليمن حيث حشدت إدارة ترامب قوة نارية جوية هي الأضخم منذ غزو العراق. والبرنامج الناري الأميركي في اليمن تضمن ضربات جدية ووفف حركة تصاعدية. وكذلك عاد التخاطب الناري في غزة، وقبل ذلك سجلت أحداث غامضة عند الساحل السوري. أما في لبنان فظهرت الصواريخ “المجهولة” رغم أنه جرى وضعها بعناية في أماكن محددة بدقة. وجاء الرد دمويا في الساحل السوري، وكبيرا في لبنان حيث جرى استهداف الضاحية الجنوبية تماما كما كان يحصل في عز الحرب.
إلا أن شيئا ما طرأ وجعل طهران تلين وتعدل في حساباتها وتذهب الى مفاوضات غير مباشرة مع واشنطن ستتحول بعدها الى مفاوضات مباشرة كما تؤكد أوساط ديبلوماسية أميركية مطلعة. وقيل أن النقاش العاصف الذي دار داخل أروقة السلطة الإيرانية وحتى داخل الفريق المحافظ نفسه تمحور حول رأيين. الأول ويتألف من غلاة المحافظين والذين يتمسكون بالإستمرار في سلوك المواجهة وعدم الإستكانة لأن الذهاب الى مفاوضات وفق المعطيات الحالية سيعني الإقرار بالهزيمة وبانكفاء طهران عن الساحة الإقليمية وعودتها الى الداخل الإيراني، وهو ما سيرفع مخاطر حصول تفسخات داخلية وتهديد الإستقرار الداخلي. لكن الفريق الثاني إعتبر أن سقوط سوريا وخسارة حركة حماس والضربة القوية التي تلقاها حزب الله يستوجب النظر بواقعية الى الأمور. فإعادة بناء التركيبة التي كانت قائمة والتي كان حزب الله يتولى إدارة قسما كبيرا منها يبدو صعبا جدا بعد قطع خطوط الإمداد البري عبر سوريا. ويتابع هؤلاء أنه على فرض جرى تأمين خطوط إمداد بديلة فإن إعادة بناء الجسم والقوة العسكرية لحزب الله سيحتاج الى سنوات عدة وأموال كثيرة، أي أنه يستحيل توظيف ذلك في المرحلة الضاغطة الحالية. كما أن الإستمرار في ترك الساحة اليمنية مفتوحة أمام الضربات الجوية الأميركية سيدفع لخسارة الكثير من عوامل القوة العسكرية الحوثية. وبالتالي يعتقد أصحاب هذا الرأي أن الحكمة تقضي بالذهاب الى المفاوضات لوقف الهجمة الأميركية والإسرائيلية الحاصلة، وبالتالي إنقاذ ما تبقى من القوة الموجودة خصوصا عند الحوثيين وحزب الله، واعتماد الحلول المرنة والتي لطالما اشتهرت بها السياسة الإيرانية، وبالتالي الرهان على الوقت وانتظار ظروف أخرى مستقبلا قد تسمح بإعادة بناء ما تهدم، بدل المخاطرة بجعل الساحة الإيرانية أيضا عرضة للهجمات الجوية الأميركية والإسرائيلية العنيفة.
ويبدو أن رؤية الفريق الثاني هي التي ربحت وهو ما جرى ترجمته بالرد الإيراني على رسالة ترامب والتي جاءت عبر سلطنة عمان البلد الذي تثق إيران بوساطته. وبوشر التحضير لجلسة مفاوضات أولى غير مباشرة، على أن تليها لاحقا المفاوضات المباشرة. وعلق ترامب على ذلك بأن طهران تشعر بالضعف لذلك أذعنت لخيار التفاوض.
لكن النظام الديني القائم في إيران يهتم كثيرا بالمحافظة على الشكل ومظاهر الإحترام شأنه شأن العديد من أنظمة الحكم المشابهة. لذلك فتح باب التفاوض موحيا باستعداده للإنخراط بمناقشة مرنة لملفي النووي والإستقرار الإقليمي أو ما يعرف بأذرعة إيران في المنطقة بشرط اعتماد السرية الكاملة. كما أنها طالبت بتخفيف لغة التهديد كي لا تبدو في صورة الطرف الضعيف. وفي الوقت نفسه رفضت مسبقا البحث في ملف الصواريخ والمسيرات: “ألا يكفي أنه لم يعد خطر تركيب رؤوس نووية للصواريخ موجودا بعد أن يتم معالجة الملف النووي؟”. ذلك أن طهران تتمسك بأن قدراتها الدفاعية محصورة بقدرتها الصاروخية التقليدية في ظل تآكل قوتها الحربية الجوية وتلك البرية التقليدية. وقد تكون هذه النقطة تشكل خلافا جديا بين الطرفين. ويومها جاء الكلام الذي نقلته صحيفة التلغراف البريطانية عن مسؤول إيراني رفيع بوقف كل أشكال الدعم العسكري للحوثيين، بمثابة رسالة إيجابية لإدارة ترامب. والمبدأ الذي يطبق على الحوثيين من المنطقي أن يسري على حزب الله.
من هنا قد تكون هذه الأجواء المستجدة قد ساهمت في إضفاء ليونة شكلية لأورتاغوس، رغم أنها جاءت بعد تخاطب ناري شهدته الساحة اللبنانية. لكن التمسك بالمضمون الحازم يؤشر أيضا على أن المعادلة الجديدة التي قامت عليها السلطة اللبنانية غير قابل للتفاوض أو المساومة. وهنالك ما هو ملفتا في جولتها الجديدة. ففي حديثها عن نزع سلاح حزب الله وأن المهلة الزمنية غير مفتوحة أشارت الى أن نزع السلاح يجب أن يشمل كل مجموعة خارج إطار السلطة الشرعية بما في ذلك المخيمات الفلسطينية ومجموعات أخرى كانت استعرضت سلاحها خلال المرحلة الماضية مثل الجماعات الإسلامية.
صحيح أن ترامب يتمسك بمفاوضات سريعة مع إيران، لكنه في الوقت نفسه يتحضر لمرحلة طويلة من استهداف قدرات الحوثيين قيل أنها قد تمتد الى ستة أشهر. وهنا بالضبط يمكن إدراج ما تحدثت عنه أورتاغوس حول أن المهلة الزمنية غير مفتوحة، أي أن انتظار التطورات المتسارعة في المنطقة قد لا يكون في مصلحة لبنان، بمعنى أن واشنطن تدعم الإنطلاق في ترتيب البرنامج المتفق عليه ولو وفق خطوات مدروسة بعناية. إلا أنها لا توافق الرأي حول وجود مخاطر اندلاع حرب أهلية، وهذا ما استنتجته من خلال الأجوبة التي سمعتها ردا على أسئلتها التي طرحتها في هذا المضمار.


