
من المفترض أن تزور نائبة المبعوث الأميركي الى الشرق الأوسط مورغان أورتاغوس بيروت لاستكمال البحث في الملفات المطروحة والمتعلقة بتطبيق البنود المتعلقة بإتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل. وبعد أن أثارت زيارتها الأولى “عاصفة” سياسية، فإن التوقعات تشير الى أن زيارتها الثانية قد لا تكون أهدأ، وهو ما أظهرته مواقفها والتي هدفت للتمهيد لجولتها الجديدة. أضف الى ذلك تصاعد حدة المواجهة بين واشنطن وطهران وحيث يشكل لبنان أحد ساحات المبارزة بينهما.
فخلال الأيام الماضية عززت البحرية الأميركية قواتها في منطقة عملياتها في بحر الخليج. وجرى استقدام حاملة طائرات هجومية جديدة مع مجموعتها البحرية لتنضم الى القوة الكبيرة المتمركزة في المنطقة. أما طائرات الB2 والمزودة بالقنابل القادرة على اختراق الأرض بعمق كبير فهي باتت في مواقع تسمح لها بالتدخل الفوري في اليمن. لكن كبار المسؤولين الأميركيين كانوا أعلنوا مع البدء بالعمليات العسكرية على الحوثيين بأن الهدف الفعلي إيران. وترافق الحشد العسكري الأميركي مع رفع مستوى الضغوط على إيران من قبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب. فإضافة الى العقوبات جاءت الرسالة “الحادة” عبر الإمارات قبل الإجابة الإيرانية ولكن عبر سلطنة عمان هذه المرة. وبغض النظر عن محتوى الرسالة الجوابية، إلا أن اختيار سلطنة عمان بدل الإمارات له معناه الواضح. فلطالما شكلت سلطنة عمان القناة الأمينة لمفاوضات طهران الحساسة والدقيقة مع واشنطن. ولا ضرورة للتذكير بأن المفاوضات التي أدت الى ولادة الإتفاق النووي عام 2015 إحتضنتها السلطنة بأمانة كاملة. ولذلك هنالك من يرجح أن تجنح الأمور الى تغليب السلوك التفاوضي على الخيار العسكري، ولكن مع عدم التقليل من مخاطر حصول المواجهة، خصوصا وأن إدارة ترامب بدأت تغرق في مشاكل داخلية صعبة. فعدا فضيحة “سيغنال غيت” ظهرت فضيحة جديدة تتعلق باستخدام البريد الشخصي. أضف الى ذلك ارتدادات تسريح ما اعتبر فائضا في أعداد موظفي المؤسسات الفدرالية. كذلك الإنعكاسات السلبية للحرب التجارية التي يشنها ترامب من خلال رفع الرسوم الجمركية. لكن ما أقلق إدارة ترامب هو سقوط مرشحه لعضوية المحكمة العليا في ولاية ويسكونسن في الإنتخابات التي حصلت، رغم الدعم الكبير الذي جرى منحه إياه، وحيث ساهم إيلون ماسك بدفع ما يقارب العشرين مليون دولار. وخلال الحملة وصف ماسك نتيجة الإنتخابات بأنها ستحدد مستقبل البلاد والحضارة الغربية. واعتبر أنه في حال فوز الديمقراطيين (وهو ما حصل) فسيعيدون رسم الدوائر الإنتخابية ويضيفون مقاعد لهم. ولكن معنى الخسارة هنا هو أن ترامب كان فاز بأغلبية مريحة فيها. حتى في ولاية فلوريدا والتي جرى فيها انتخاب عضوين عن المقعدين الشاغرين في مجلس النواب، فصحيح أن المرشحين الجمهوريين هما من فازا إلا أن نسبة الفوز جاءت أقل من المتوقع. وبالتالي فإن نتائج فلوريدا وويسكنسون تشكلان اختبارا مبكرا لخطر تراجع شعبية ترامب الذي يريد فوزا كاسحا في الإنتخابات النصفية كي يصبح الطريق مفتوحا أمامه لتعديل الدستور والذهاب الى ولاية ثالثة.
والوضع الداخلي المحشور لترامب سيدفع به للبحث عن ورقة رابحة خارجيا. وهنا يصبح مسار الصراع مع إيران محفوفا بالمخاطر. فترامب يريد هذا الإتفاق مع طهران إما بالتفاوض أو بالقوة. وهذا الحشد العسكري والذي يهدف بانتزاع الإتفاق من خلال التلويح بالقوة قد ينزلق باتجاه استخدام هذه القوة في حال أضحت المسالك التفاوضية مغلقة. ويعتقد أنصار هذا التوجه الى أن المواجهة في حال حصلت ستكون محدودة وليست شاملة، وأنها ستنتهي بالإتفاق المطلوب.
ولأن المناخ الإقليمي متأزم فإن الحماوة لا بد أن ترتفع في ساحات الصراع في اليمن وفلسطين ولبنان. من هنا جاءت الصواريخ “المجهولة” في التوقيت الحساس، وتلتها الغارات الإسرائيلية والتي طالت الضاحية الجنوبية للمرة الأولى منذ وقف إطلاق النار وبمباركة أميركية. لكن الأسوأ أن إسرائيل التي تذرعت بالصواريخ ونفذت ردا غير متناسب في الضاحية الجنوبية، عادت واستغلت الظرف لتدخل الضاحية في إطار اعتداءاتها واغتيالاتها اليومية.
صحيح أن التحقيقات أدت الى توقيف فلسطينيين وسوريين للإشتباه بهم بإطلاق الصواريخ، كما أنه جرى أخذ البصمات تمهيدا لمطابقتها، إلا أن الدوائر الغربية مقتنعة بأن إيران هي من تقف وراء الصواريخ وبهدف القول أنها ما تزال موجودة في لبنان في وقت يشكل فيه نفوذ إيران الإقليمي أحد البنود التفاوضية الثلاث بين واشنطن وطهران.
لكن الغارة الإسرائيلية الأخيرة على الضاحية شكلت مسارا مختلفا عن سياق تبادل الرسائل الذي سبق. فهنالك من قرأ في توسيع دائرة الخروقات الإسرائيلية رسالة الى السلطة اللبنانية.
فلقد بات معروفا أن إسرائيل وبالتفاهم مع واشنطن طلبت من لبنان تشكيل ثلاث لجان مؤلفة من عسكريين ومدنيين للتفاوض مع ثلاث وفود إسرائيلية في ملفات ثلاث وهي: الأسرى اللبنانيين والإنسحاب الإسرائيلي وترسيم الحدود، وأن تجري هذه المفاوضات خارج لبنان. لكن الجواب اللبناني جاء بالتمسك بوفد واحد وحيد ومهمته ترسيم الحدود وبشرط أن يحصل ذلك بعد إتمام الإنسحاب الإسرائيلي. طبعا لم تستسغ إسرائيل هذا الجواب وسط همسات ديبلوماسية تحدثت عن وجود أهداف إسرائيلية تصل الى حدود التطبيع. وبالتالي فإن فتح أجواء الضاحية الجنوبية أمام الإعتداءات الإسرائيلية يعتبر تطوراةخطيرا ومقلقا ويضع البلد في أجواء استمرار الحرب. كما أن وضع إسرائيل شرطي نزع سلاح حزب الله فورا والتطبيع لإنجاز انسحابها من الجنوب والسماح بإعادة الإعمار إنما ذلك يعني فعليا أن إسرائيل لا تربد الإنسحاب ولا أيضا عودة الجنوبيين الى قراهم المدمرة. وهو ما عززته الغارات الإسرائيلية على البيوت الجاهزة والتي كان بدأ استقدامها لتشكل بديلا مؤقتا لأبناء القرى المهدمة.
وهو ما يعني بأن لبنان بات عالقا في قلب المواجهة الأميركية_الإيرانية في المنطقة، ما ينذر بأسابيع حساسة. وجاءت صواريخ الجنوب لتفتح الأبواب أكثر أمام المخاطر الإسرائيلية.
وكي لا تزداد المخاطر أكثر كان لا بد من إيجاد حلول للحدود اللبنانية مع سوريا. وجاءت الرعاية السعودية لاجتماع وزيري الدفاع اللبناني والسوري لتمنح لبنان ضمانات قوية حول مسألة ضبط الحدود والذهاب لترسيمها. ولدى وصوله الى باريس سأل الرئيس الفرنسي نظيره اللبناني إذا كان يمانع من المشاركة في التحدث الى الرئيس السوري عبر الإنترنت والمشاركة في الإجتماع الخماسي. وأبدى الرئيس عون ترحيبه بذلك. وخلال مكالمته مع الشرع وبحضور ماكرون طلب عون المباشرة بتأليف اللجنة التي ستتولى درس وترسيم الحدود اللبنانية_السورية إنطلاقا من البحر. ووافق الشرع على أن تبدأ اللجنة إجتماعاتها قريبا جدا. وهو ما يعني ترتيب الحدود نهائيا وإغلاق مساربها وإمساك الجيش بها بشكل كامل ومحكم. واستنتج المراقبون وجود تنسيق سعودي_فرنسي غير معلن لمتابعة الوضع في لبنان والى حد بعيد في سوريا. واستغل الرئيس اللبناني حصول الإجتماع الخماسي (لبنان، سوريا، قبرص، اليونان وفرنسا) لسؤال ماكرون عن موعد عودة توتال لاستكشاف الغاز في البحر اللبناني. وجاء جواب ماكرون بأن ذلك سيحصل قريبا ولو أنه لم يحدد موعدا ثابتا. وقد تكون فرنسا تحسب ليس فقط من الزاوية الإسرائيلية بل أيضا من زاوية تركيا التي تريد حصة من غاز المنطقة لصالح قبرص التركية كما ألمحت مرارا.
ولا شك أن الظروف تبدو ضاغطة وخطرة تماشيا مع المواجهة المتصاعدة بين واشنطن وطهران. لكن ثمة مؤشرات واعدة بالنسبة للبنان. فعلى سبيل المثال هنالك بحث بين قصر بعبدا وبغداد ويتمحور حول إعادة تشغيل خط استجرار النفط من العراق الى مصفاة طرابلس في لبنان. وهو ما سيعيد إنعاش ليس فقط الدورة الإقتصادية إنما المساهمة في إنماء الشمال. أضف الى ذلك إرسال العديد من الشركات العالمية لوفود استكشافية لها بهدف درس فرص الإستثمار في لبنان.
لكن المهم ألا تنزلق الحكومة في متاهات الزواريب الضيقة التي كادت أن تدخل إليها مع تعيين حاكم البنك المركزي. وكان واضحا مسارعة البعض في الاستثمار في الفجوة التي ظهرت، والتي كان يمكن تجنبها بكل سهولة. ولذلك وجهت السعودية دعوتها لرئيس الحكومة لزيارتها، معوكل ما رافقها من إشارات تكريم. مرة للتأكيد على حرصها على موقع رئاسة الحكومة، ومرة ثانية لأجل حماية المعادلة التي قامت عليها السلطة الجديدة والتي ترتكز على العلاقة المتينة بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، وهو ما جرى الإشارة إليه بعدم إهدار الفرصة الموجودة. واستتباعا، فإن خلق فجوة في العلاقة داخل الحكومة سيفتح الباب أمام الإستثمار في النزاع وبالتالي تقويض المعادلة القائمة. وهو ما يستوجب تمنين العلاقة بين أركان الدولة وعدم الإستماع الى أصحاب المصالح الضيقة والشخصية.
قد يكون من المبكر حسم المسار الذي ستتخذه المواجهة الأميركية_الإيرانية في المنطقة، لكن الأكيد أن لبنان سيعيش على وقع هذه التطورات طوال المرحلة المقبلة، وسيكون أول من سيتأثر بنتائجها أكانت سلمية أو حربية.


