
كتبت “الأخبار”: لا يبدو المشهد محسوماً بالمعنى الميداني، فإعلان العدو «السيطرة العملياتية» على تلة علي الطاهر «فوق الأرض وتحتها»، ترافق مع غارات على الموقع ومحيطه، فيما تفيد معلومات بأن القوات الإسرائيلية لم تدخل إليها بالكامل. لكن الأمر له أهمية خاصة في ضوء التطورات المتسارعة، حيث تبدو إسرائيل معنية بتحويل ما تعتبره إنجازاً عسكرياً إلى مادة في الحملة الانتخابية لحكومة بنيامين نتنياهو من جهة، وورقة تفاوضية قبل استئناف المفاوضات، بعدما أبلغ رئيس الجمهورية جوزف عون السفير الأميركي ميشال عيسى أن وفد السلطة سيكون موجوداً في روما بعد عشرة أيام.
وتريد إسرائيل أن تدخل هذه الجولة من موقع مختلف عما كانت عليه قبل التطورات الأخيرة. ويأتي حدث علي الطاهر ليضيف مرتفعاً ذا قيمة عسكرية وجغرافية إلى شبكة المواقع التي تحاول تل أبيب تكريسها. والمشكلة بالنسبة إلى لبنان لا تكمن فقط في السيطرة على نقطة مرتفعة، بل في احتمال أن تتحول هذه النقاط مع الوقت إلى منظومة أمنية متصلة، تتيح لإسرائيل مراقبة الحركة في العمق اللبناني والتحكم بممرات ومناطق واسعة من دون الحاجة إلى إعلان احتلال شامل. وهذا تحديداً ما يظهر في كلام وزير حرب العدو يسرائيل كاتس، الذي أكد بقاء قواته في ما تسميه إسرائيل «المنطقة الأمنية»، وربط الانسحاب منها بالتحقق من نزع سلاح حزب الله بالكامل. وهذا المنطق لا يبدو محصوراً بالحكومة الإسرائيلية الحالية، إذ طرحَ المرشح لرئاسة حكومة العدو غادي أيزنكوت الإبقاء على حزام أمني بعمق يتراوح بين 8 و10 كيلومترات داخل لبنان، في إشارة إلى وجود نقاش إسرائيلي أوسع حول تثبيت منطقة عازلة.
وكشفت التسريبات الإسرائيلية أن عملية علي الطاهر بدأت ليل 14 حزيران، ضمن خطة هدفت إلى فصل شبكة الأنفاق الموجودة في المرتفعات عن النبطية ومحيطها. ولم يتجه جيش الاحتلال إلى اقتحام سريع، بل فرض طوقاً طويلاً حول المنطقة، قبل أن يعلن استكمال السيطرة عليها بعد أكثر من 14 أسبوعاً.
وبحسب تقرير لصحيفة «معاريف»، جاء هذا الحذر خصوصاً بعد إصابة دبابة قائد الكتيبة المدرعة 52، المقدّم دور غداليا بن شمعون، قبالة بلدة الطيبة، ليل 18 و19 حزيران. وأدّى الاستهداف، وفق الرواية الإسرائيلية، إلى مقتل قائد الكتيبة وثلاثة جنود آخرين. بعد هذه الضربة، أصبحت حماية القوات جزءاً أساسياً من إدارة المعركة. ولذلك، اعتمد العدو على القصف عن بعد، وأوكل المهمة إلى وحدات الهندسة، والأنظمة الروبوتية المخصّصة لمسح الأنفاق، بدل إدخال جنوده في مواجهات مباشرة داخل شبكة معقّدة تحت الأرض. وبحسب ما نقلته الصحيفة، ضمت الأنفاق غرف عمليات واتصالات وعيادات ومرافق لوجستية، واستخدمت مركزاً للقيادة والسيطرة.
ومن هنا تصبح عودة المفاوضات إلى روما أكثر تعقيداً. فلبنان لن يكون أمام بحث تقني في انسحاب من مواقع محددة، بل أمام محاولة إسرائيلية لتكريس تعريف جديد للأمن في الجنوب. وفي السياق، يأتي الموقف الأميركي من مصير قوات «اليونيفيل» ليضيف بعداً آخر إلى الصورة. إذ قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية إن واشنطن تعتبر أن «اليونيفيل» فشلت في أداء مهمتها، وأن سبع جولات من الصراع وقعت خلال مدة وجودها، وقد أقام حزب الله بنية تحتية عسكرية ضخمة في محيط مواقعها.
مكرراً رفض بلاده التمديد للقوة بعد انتهاء ولايتها نهاية السنة الجارية. وهو موقف جاء بعد ساعات على انتشار معلومات تحدثت عن نشاط فرنسي يستهدف الوصول إلى صيغة لخلق قوة دولية جديدة مكان اليونيفل، وهو أمر لا يمكن فصله عن النقاش حول مستقبل الترتيبات الأمنية في الجنوب، لأنه يشير إلى أن واشنطن تريد كما العدو، إنهاء أي أثر للقرار 1701 ومندرجاته. كما تريد واشنطن بحسب موقف المتحدث باسم الخارجية، تغيير الواقع الذي سمح ببناء بنية عسكرية قرب مواقع اليونيفيل، فيما تريد إسرائيل ترجمة هذا الخلل إلى حق دائم في التحرك والبقاء داخل الأراضي اللبنانية إلى حين تحقيق شروطها.



