
في الذكرى الثامنة والأربعين لتغييب الإمام السيد موسى الصدر، وفضيلة الشيخ محمد يعقوب، والصحافي السيد عباس بدر الدين، ارتفع مجددًا صوت المطالبة بكشف الحقيقة، وسط تأكيد أن مرور 48 عامًا لم يعد مبررًا لاستمرار الغموض، وأن مسؤولية الدولة اللبنانية لم تعد تقتصر على متابعة الملف، بل باتت تفرض عليها الانتقال من إدارة القضية إلى حلّها.
وفي كلمة أُلقيت في المناسبة، اعتبر النائب السابق حسن يعقوب أن القضية لم تعد تتعلق فقط بالجريمة التي وقعت عام 1978، بل أيضًا بكيفية إدارة الدولة لهذا الملف طوال العقود الماضية، متسائلًا عن مصير التحقيقات والمعلومات والأسماء والروايات التي وصلت إليها الجهات المعنية، وعن الأسباب التي حالت دون تحويلها إلى أدلة ونتائج ملموسة.
وأكد يعقوب أن هناك فرقًا بين قضية يصعب حلها وقضية لا يُعمل بما يكفي لحلها، كما أن هناك فرقًا بين العجز والتعطيل، معتبرًا أن استمرار القضية بلا نتيجة بعد كل هذه السنوات يفرض تحديد المسؤوليات، بعيدًا عن الاكتفاء بعبارات من نوع «القضية قيد المتابعة والاهتمام».
«لا نريد المزيد من البيانات… نريد الحقيقة»
وشدد يعقوب على أن قضية الإمام الصدر ورفيقيه لا تحتاج إلى مزيد من البيانات التي تؤكد أنها قضية وطنية، ولا إلى إعادة تعداد مآثر الإمام الصدر، بل إلى جواب واضح عن السؤال الأساسي: أين الإمام الصدر ورفيقاه؟ وما الذي جرى لهم؟
وانتقد ما وصفه بمنطق «إدارة الملف» بدل العمل على حله، مشيرًا إلى أن العقود الماضية شهدت لجانًا واجتماعات ووفودًا ومراسلات ومذكرات تفاهم، من دون أن تؤدي هذه المسارات إلى نتيجة حاسمة أو كشف المصير النهائي للمغيبين.
هنيبعل القذافي: «القضية ليست شخصه بل ما يعرفه»
وتوقف يعقوب عند ملف هنيبعل القذافي، موضحًا أن القضية لا تتعلق بشخصه أو بالانتقام من عائلة القذافي، وإنما بما يمكن أن يمتلكه من معلومات حول مصير المغيبين.
وقال إن المطلوب كان ولا يزال الوصول إلى المعلومات بالوسائل القانونية، بحيث تُستثمر أي معلومات أو أسماء أو أماكن أو روايات يمكن أن تساعد في كشف الحقيقة والتحقق منها قضائيًا.
وفي هذا السياق، أثار يعقوب سلسلة من الأسئلة حول إخلاء سبيل هنيبعل القذافي بعد سنوات من التوقيف، متسائلًا: ما المعلومات التي أدلى بها؟ ماذا بقي لديه؟ ماذا فعل القضاء بهذه المعلومات؟ وكيف سيُستكمل التحقيق بعد خروجه؟
وأكد في المقابل أنه لا يضع نفسه مكان القضاء ولا يحكم عليه، لكنه شدد على أن احترام القضاء لا يعني إسقاط حق الرأي العام والعائلات في طرح الأسئلة، وأن إخلاء سبيل أي موقوف لا يعني إعفاء الدولة من مسؤوليتها عن القضية.
«القضية لم تعد قضية ليبيا فقط»
واعتبر يعقوب أن قضية الإمام الصدر ورفيقيه هي اليوم، قبل أي شيء، قضية لبنان، باعتبار أن الدولة اللبنانية هي المسؤولة عن حماية حقوق مواطنيها ومتابعة مصيرهم.
وفيما شدد على أن المطلوب ليس العداء مع ليبيا ولا قطع العلاقات لمجرد القطع، أكد أن العلاقات بين الدول لا يمكن أن تكون على حساب قضية وطنية، داعيًا إلى فتح الأرشيف الليبي وتسليم الوثائق وكشف السجلات والسماح بالتحقيق والتعاون مع القضاء اللبناني.
كما دعا إلى استخدام الوسائل الدبلوماسية والقضائية المتاحة للضغط من أجل تحقيق تعاون ليبي فعلي، معتبرًا أن استمرار الملف من دون نتيجة لا يمكن أن يبقى مقبولًا بعد كل هذه السنوات.
«المسؤولية ليست في البيانات بل في الأفعال»
وفي الجانب الداخلي، حمّل يعقوب الدولة مسؤولية أساسية في دفع الملف نحو نهايته، منتقدًا الاكتفاء بإعلان أولوية القضية في المناسبات، بينما لا ينعكس ذلك في القرارات والإجراءات العملية.
وقال إن القضية لا تُدار بالخطابات، بل بالتحقيق والقضاء والوثيقة والمعلومة والضغط والمتابعة والنتيجة.
وفي رسالة مباشرة إلى الجهات المعنية، دعا إلى تحديد المسؤوليات عن التأخير والتعطيل وعدم تنفيذ الإجراءات أو متابعة المعلومات المتوافرة، مؤكدًا أن المطلوب ليس إطلاق اتهامات جزافية أو الحديث عن «مؤامرات»، بل معرفة من أخّر، ومن عطّل، ومن منع، ومن لم ينفذ، ومن لم يتابع.
«نحن لا نطلب الانتقام… نطلب العدالة»
وشدد يعقوب على أن المطالبة بالحقيقة لا تعني طلب الانتقام من أحد أو محاكمة أي شخص خارج القضاء، بل تعني الوصول إلى مرحلة يكون فيها:
من يملك معلومة يقدمها،
ومن تثبت مسؤوليته يحاسب،
ومن لا تثبت مسؤوليته يخرج،
والقضاء هو الذي يقرر.
وأكد أن المطلوب من الدولة هو التحقيق والاستجواب وجمع الأدلة والتحرك للوصول إلى الحقيقة.
كما شدد على حق عائلات المغيبين في المطالبة بمعرفة مصير ذويهم، رافضًا أن تتحول هذه المطالبة إلى مشكلة بحد ذاتها، أو أن يصبح أبناء المغيبين موضع مساءلة فيما يبقى مصير المغيبين أنفسهم مجهولًا.
«48 عامًا تكفي»
وفي أبرز رسائل المناسبة، اعتبر يعقوب أن مرور 48 عامًا ليس رقمًا للاحتفال بالذكرى، بل دليلًا على حجم المسؤولية المتراكمة، مؤكدًا أن كل سنة إضافية من دون نتيجة تزيد مسؤولية الدولة وكل من تولى متابعة القضية.
ودعا إلى تحويل الذكرى من مناسبة لاستعادة الماضي إلى نقطة انطلاق نحو العمل، مطالبًا الدولة بالتحرك على مستوى القضية لا على مستوى المناسبة، والقضاء بالتحرك بعيدًا عن أي تدخل سياسي، والحكومة باستخدام أدواتها وعلاقاتها من أجل الوصول إلى تعاون ليبي فعلي.
وأكد أن المطلوب هو فتح كل باب يمكن أن يؤدي إلى معلومة، وتحويل المعلومات إلى أدلة، والأدلة إلى قرارات، والقرارات إلى حقيقة.
من «إدارة الانتظار» إلى إنهاء الانتظار
وفي الخلاصة، شدد يعقوب على أن المرحلة المقبلة يجب أن تكون مختلفة، قائلًا إن القضية لا تحتاج إلى لجنة تكتفي بإبلاغ اللبنانيين بأنها «تعمل وتتابع»، بل إلى لجنة تصل إلى نتيجة، ولا تحتاج إلى إبقاء الملف مفتوحًا فقط، بل إلى الوصول به إلى خاتمته، ولا تحتاج إلى إعلان أولوية الحكومة لها، بل إلى ترجمة هذه الأولوية في الفعل والعمل.
وختم يعقوب بالتأكيد أن القضية لن تُحل بالشعارات أو التسويات أو بمجرد تطبيع العلاقات، ولن تُحل بإخلاء سبيل شخص ثم إغلاق الملف، ولا ببيان سنوي في ذكرى التغييب.
وقال إن الحل يبدأ عندما تنتقل الدولة من «متلقٍ للمعلومات إلى باحث عنها، ومن متابع إلى فاعل، ومن منتظر إلى مبادر، ومن إدارة القضية إلى حل القضية».
وفي الذكرى الثامنة والأربعين، جدّد يعقوب التأكيد على أن الإمام موسى الصدر، والشيخ محمد يعقوب، والسيد عباس بدر الدين، هم «قضية أمة ووطن»، مشددًا على أن المطلوب هو الحقيقة كاملة، بالقانون والدليل والقضاء، وأن على الدولة أن تقوم بواجبها حتى النهاية.
فثمانية وأربعون عامًا من الانتظار ليست متابعة ولا أمانة، بل مسؤولية. وثمانية وأربعون عامًا من الغموض ليست قدرًا، بل قضية وطن يجب أن تُحل.



