مقالات صحفية

“بري ينطح ترامب” بقلم الدكتور انطون حداد

السياسة كالقيادة على الدروب المزدحمة للوصول الى الهدف المنشود,السياسة فن وذوق وعلم ،لا مكان فيها للغرور والإدعاء الشخصي، أو الإغترار بالالة التي تملك بقدر ما هي القدرة على المواءمة بين الطموح الجامح والمتهور وبين الحكمة والرؤية في تقويم الامور . والألة التي تفوقت بالامس ليس بالضرورة ان تبقى على هذا الحال ابد الدهر والآلات والقادة المتفوقون باتوا نماذج تدرّس او خرجت من التاريخ خائبة (الاسكندر، نابليون…).
بالأمس القريب، قبل عامين يلزمها حوالي ثلاثة اشهر لتكتمل اشتدت حمأة المعركة الإنتخابية على زعامة البيت البيضاوي الاميركي، الى درجة قرر الفريق الحاكم تنحية مرشحه الرئيس آنذاك جو بايدن لاحتراق أوراقه واستبداله بكمالة هاريس نائبة الرئيس في مواجهة الدب الداشر كما يحاول البعض تسميتها، الحامل شعارات رنانة طنانة داخليا” بجعل اميركا عظيمة مجددا”( هل تجرأ إلا قلة صافية، منتصرة للحق والقيم الإنسانية ،واعية على القول إنها ليست عظيمة؟؟ حملناها رسالة إنسانية، وحملها ترامب شعارا” إنتخابيا”)، وخارجيا” بالخروج من جميع الحروب التي تورط بها بايدن وعددها ثمانية حسب ترامب، تقف على رأسها قضية غزة الحق والقوة في مواجهة حرب إبادة يندى لها جبين الإنسانية لوحشيتها وظلمها.
إستبشر البسطاء ساسة وجماهير وخاصة عربية بهذا الخطاب، وكأن لا ساسة ومحنكون بينهم يفقهون مكنونات النفوس وخفايا سطور الخطب والوعود السياسية وخاصة أثناء التحضير للحملات الانتخابية في اميركا و حول العالم على حد سواء.
من منطلق الحقد على الرئيس بايدن الذي ايّد رد الفعل اليهودي الابادي بحق غزة، وبدعم من والد صهر بايدن اللبناني الجنسية والأرومة بولس مسعد الذي تكفل بمخاطبة ابناء لغة الضاد بالضرب على عصبيتهم لعربيتهم الزائفة او العفوية الفطرية في افضل توصيف.
فعلت هذه العوامل العاطفية فعلها في الجمهور العربي، وطبعا” مع حقيقة ترامب المناهض امانة لبرامج المثلية وتبديل الجنس الاجباري الذي سار به بايدن الذي اعلن مثليته وخصص ضرائب سيعود ريعها لتامين عمليات التحول الجنسين مجانا”, ولكنه لنيل رضا اللوبي اليهودي الفاعل والمقرر كان لا بد من صفقة، وإن لم يقدمها ترامب علنا” مقابل ذلك، إتضحت بعد انتخابه امام العامة وتوجها برفع الحظر عن الاسلحة والصواريخ ذات الوزن اكثر من طن دكت بها غزة ولبنان لاحقا”، ومن ثم تامين الموافقة على شن عدوان على إيران بعد إسقاط سورية والمقاومة في لبنان.
المهم تجند العرب للخدمة، والمسلمين واهل الضاد لتامين انتخاب مرشحهم ترامب وحندوا له الاصوات. وفاز ترامب المخادع بفارق كبير من الاصوات تختصر أسبابه بالتالي،:
1- اللوبي اليهودي AIPAC الذي تنازل عن دعم بايدن نتيجة نواله تنازلات اكثر من رئيس أكثر تهورا”، فبايدن رئيس محنك عسكرياً حضر وشارك في حرب فيتنام ورغم سنه ومرضه فهو أرصن وأهدأ ولديه بعض ضوابط ونظرة عسكرية، وترامب الإبستيني سهل الانقياد والاغواء أكثر من الداعي بالتحول الجنسي.
2- تصويت الجاليات العربية المناصرة لفلسطين وهالها ما واجتهه من إبادة وتدمير بحق غزة والغزيين.
3- وعد ترامب بتخفيض الضرائب وإيقاف الحروب.
وغيرها من الاسباب الاخرى.
اميركا والعالم على بعد حوالي ثلاثة أشهر من إعادة انتخاب نواب الولايات الى الكونغرس، وعادت مسالة التجديد- التفويض لعامين للرئيس ترامب الى الواجهة فما الذي سيحدث؟ هل يمدد له بقوة ام يخرج على ساق واحدة إذا ما فاز بالأغلبية في الكونغرس؟
مع بداية الحملات الإنتخابية الفرعية في الولايات كان فوز محمد ممداني المسلم نائبا” عن ولاية نيو يورك معقل الجمهوريين ضربة كبرى عبّر عنها ترامب بغضب وقلق عارمين، رغم الضخ المالي المليوني الغير مسبوق والمتوقع ان يستمر في الجولات الاخرى اللاحقة.
لكن شكل سقوط توماس ماسي Thomas massie الجمهوري المعارض لبعض مشاريع ترامب وخاصة للتدخل العسكري والإنفاق الفدرالي حافزا” قوياً لترامب بعد إعتبار إسقاط ماسي مسالة شخصية .
ومع اشتعال الحملات وسط تراجع شعبية ترامب خاصة نتيجة الغوغائية والإخفاق في إيران وإخلال الوعود بشان غزة ووقف الحرب وانقياده خلف رغبات نتنياهو الذي قصف النبطية المعقل الاساسي لبري والقريبة من المصيلح، ومن ثم تورطه بحرب لا يعرف الخروج منها سبيلا. وتحول بولس مسعد الى يهودي جمهوري ماكر ناكر ، كان للرئيس نبيه بري موقف قاطع بعد قصف الجنوب اللبناني بوحشية، وضغط ترامب لتطبيع لبنان الرسمي مع العدو وتمرير انتخاب نواف سلام في خدعة للرئاستنان الاولى والثانية . فإن طاطأ الرقم واحد جوزيف عون الراس، فإن نبيه بري كمن لترامب في ولاية ميشيغن وتحديداً” في مدينة ديربورن حيث الاغلبية اللبنانية الشيعية التي دعمت تفوق ترامب بفارق كبير تجاوز 80000 صوت وصنعت الفارق العام 2024 في واحدة من أتفه الهفوات السياسية التي تبنى مواقفها عاطفيا”, وتراهن على ترامب الذي ما وفر الكابيتول في ثورته الجامحة لاسترداد السلطة بالقوة .
في هذه المعركة صرحت هايلي ستيفنز H.stevans:” سأواصل الدفاع عن الشعب اليهودي، سأواصل الدفاع عن حق اسرائيل في الوجود اسرائيل تزورني في الحلم وأعلم ان اسرائيل ستواصل الوجود من اجل الشعب اليهودي”. هذه الكلمات كانت كفيلة بإيصال المتحرش بالاطفال والمثلي والمتهرب من الضرائب والقاتل الى الرئاسة في أميركا، وقد فعلت بإيصال ترامب من بوابة مشيغين بالتحديد، لكن اليوم إنقلب السحر ولم يعد هذا الخطاب يجدي وفشلت هايلي ستيفنز H. stevans المدعومة بملايين اللوبي اليهودي كما وعد الرئيس بري.
وعلى الرغم من بعض النجاحات في دوائر اخرى، إلا ّ ان الاتجاه العام للناخبين بات ضد الخيارات اليهودية ، بل بات ينتخب وفق البوصلة الفلسطينية حتى أصبح اليهودي يسال :” هل ماكدونالد بات يرفض الزبائن اليهود” بعد حادثة الموظفة مريان التي واجهته بعدما عرفت جنسيته بشعار : الحرية لفلسطين مع معرفتها بعواقب فقدانها العمل الذي تحتاجه بقوة.
الإحصائيات تشير بشكل شبه منه مؤكد أن ترامب سيفشل في الإنتخابات النصفية وسيكمل ولايته(إن قدّر له) بتسكع على أبواب النواب كالدب الخارج من موسم الشتاء وحيدا” مهزوما”, لكن دون أمل إستعادة عافيته لاحقا” فتكون نطحة بري قاضية. وبذلك يكون ترامبقد سار في ركب الرؤوساء كلينتون وبوش الاب والإبن واوباما وبايدن الراحديو الذين وضعهوا في عهد بري خارج اللعبة وهو صامدٌ ابدا.
يعجز فكر البعض أن يتقبل أن صوتا” قد يغير نتائج كبرى، بما فيها شكل السياسة الأميركية والانتخابات الرئاسية (200 صوت فارق وصلت ببوش الابن الى الرئاسة)، فلا عجب إن لعب صوت سيناتور يمثل ولاية بين عدد محدود من الأصوات .
إن المقولة التي رددها الرئيس بري ذات يوم في السياسة اللبنانية:” اللي طلع الحمار عالميدنة بيقدر ينزله” فهل ستنطبق هذه المقولة معه على الرئيس ترامب في الانتخابات النصفية؟؟؟ الغد قريب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى