
كتب النائب السابق سيزار المعلوف :
نأسف لأننا أصبحنا نعيش في عالمٍ انقلبت فيه الأدوار، واختلّت فيه موازين القيم؛ فأصبح بعض الأطباء يدمرون الصحة، وبعض المحامين يعبثون بالعدالة، وبعض القضاة أسرى لمصالح من عيّنهم، وحكوماتٌ تهدم الحرية وتُمعن في سحق العدالة الاجتماعية، وصحافةٌ تقتل الحقيقة بدل أن تحميها، ودينٌ يُفرَّغ من جوهره حتى يصبح أحيانًا غطاءً لتدمير الأخلاق، ومصارفٌ تستنزف الاقتصاد بدل أن تحميه.
أما نواب الأمة، الممددون لأنفسهم، فقد أتقنوا فنّ الكلام حتى أصبحوا محترفين في صبّ العسل في آذان الناس .شعاراتٌ رنانة، ووعودٌ براقة، وواقعٌ لا يشبه شيئًا مما يقولون.
في الشعارات هم الأسياد، وفي التطبيق هم العبيد…
عبيد المصالح، وعبيد النفوذ، وعبيد الكراسي.
لكن الحقيقة الأكثر مرارة ليست في فساد النظام وحده فالنظام الفاسد لا يعيش إلا في مجتمعٍ يسمح له بالبقاء. وطالما ارتضينا الفساد، وصمتنا عن الظلم، وصفّقنا لمن يخدعنا، وانتخبنا من خذلنا، فإننا لا نستطيع أن نضع كل اللوم على الآخرين.
فحين يصبح الفساد قاعدة، والصمت فضيلة، والمصلحة الشخصية قانونًا، والكرسي أهم من الوطن… يصبح السؤال الحقيقي ليس: “من أفسد النظام؟”
بل: “لماذا سمحنا له أن يفسدنا؟”
فالسلطة الفاسدة مسؤولية من يمارسها، لكنها أيضًا امتحانٌ لشعبٍ رضي بها. وما دام الشعب يرضى، سيبقى الفاسد قويًا… وما دام الصمت مستمرًا، سيبقى الوطن هو من يدفع الثمن…


