
وسط المتابعة المستمرة للمستجدات المتقلبة إن على مستوى الجبهة الإيرانية أو على مستوى الجبهة اللبنانية، ثمة سؤال يتردد بقوة: هل دخلت المنطقة فعلا في مرحلة تركيز أسس التسويات وبالتالي السلام أم أن ما يحصل يندرج في إطار توظيف الوقت لتعزيز القدرات تحضيرا لجولة حرب قد لا يطول موعد تجددها بانتظار التوقيت الملائم؟ وهل أن العواصم المعنية باتت على قناعة بأن الحرب استنفدت غايتها ولا بد من الشروع فعلا في رسم معادلاتها، أم أن النتائج الميدانية المطلوبة لم تتحقق بعد للذهاب في مسار صياغة المعادلات السياسية والإقليمية الجديدة؟
لا شك أن الثقة المفقودة بين كل من واشنطن وطهران تجعل من الصعوبة بمكان الرهان على مسار سلمي ثابت. لا بل فإن كلا الطرفين يتحرك بحذر شديد، وهو ما يرفع من منسوب الحذر القائم. وكان لافتا ما ذكره الإستراتيجي الجمهوري المعروف كارل روف بأن طهران تعلم جيدا بان الحملات الإنتخابية للإنتخابات النصفية في الولايات المتحدة الأمريكية تبدأ فعليا بدءا من منتصف شهر آب المقبل. وأضاف أنه “لا يجب أن نتفاجأ إذا حاولت إيران التأثير على النتائج من خلال إثارة المشاكل بدءا من هذا التاريخ، مما سيدفع بأسعار النفط من جديد صعودا، مع تفاقم حالة من عدم اليقين”. وأشار روف الى استطلاع للرأي أظهرت نتائجه أن 17% من شريحة المستقلين يفضلون التفاوض مع إيران، بينما أيد 71% منهم تغيير النظام القائم. كما أيد نحو ثلثي الشريحة الجمهورية السعي لتغيير النظام في مقابل 25% يفضلون المفاوضات، وفق الإستطلاع نفسه. أما الديمقراطيين فأيد أكثر من نصفهم سلوك طريق المفاوضات مع إيران. وهذه الأرقام تعزز الخشية من احتمال العودة الى الحرب ولو بأشكال أخرى.
وعلى المستوى الإسرائيلي فإن المشهد لا يبدو مختلفا. فوفق استطلاع أجراه “مركز القدس للشؤون الخارجية والأمن” والذي جرى بتاريخ 22 حزيران، فإن الغالبية الساحقة من الجمهور الإسرائيلي أشار الى أن دروس السابع من أوكتوبر تفرض على إسرائيل الحفاظ على حدود قابلة للدفاع عنها ومناطق عازلة ووجود أمني في مناطق تعتبر إستراتيجية. ووفق النتائج التي نشرت فإن 56% من المستطلعين (يهود وعرب) يؤيدون تنفيذ عمل عسكري ضد حزب الله حتى ولو أدى ذلك الى مواجهة مباشرة مع إيران، فيما تعارض ذلك أقلية. وأن 79% لا يثقون باتفاقات وقف النار مع حماس وحزب الله، وأن هذا الوضع لا يضمن أمنا طويل الأمد لإسرائيل. وهو ما جعل هذا المركز يصل الى استنتاج مفاده أن غالبية الإسرائيليين تفضل الردع والسيطرة الأمنية على الركون للضمانات الخارجية. ويأتي هذا الإستطلاع في وقت تتحضر فيه لانتخابات قاسية تضع مصير بنيامين نتنياهو السياسي وحتى الشخصي على المحك.
وفي ترجمة لهذا التوجه الشعبي الإسرائيلي، سجل دخول قوة إسرائيلية ليل الثلاثاء الماضي الى بلدة عابدين في ريف درعا الغربي في جنوب سوريا. وهذه الخطوة تعكس توجها أمنيا تتبناه حكومة نتنياهو ويقوم على إنشاء مناطق عازلة داخل الدول المجاورة باعتبارها خط الدفاع الأول عن مجالها الأمني. أي بإنشاء أحزمة أمنية داخل المناطق المجاورة للحدود من غزة الى سوريا ولبنان. ومن هنا تبدو الآمال باحتمال تنفيذ إسرائيل إنسحابا كاملا من لبنان في غير محلها، أقله خلال الأشهر القادمة والتي تفصل عن موعد الإنتخابات الإسرائيلية.
ووفق ما تقدم، فإن الرهان الإسرائيلي هو باستغلال الظروف القائمة من أجل عدم الشروع في تطبيق جدي لاتفاق الإطار الذي جرى في واشنطن بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية. خصوصا وأن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تقول بأن الإتفاق ضبابي وأن احتمالات تنفيذه غير واضحة. كما أن المنافس الأقوى لنتنياهو غادي أيزنكوت وصف نتنياهو بالرجل الخائف، وأن إسرائيل أسيرة مخاوفه. وأيزنكوت الذي كان شغل موقع رئيس أركان الجيش الإسرائيلي يحاول اللعب على عامل الخوف الإسرائلي، ويركز على تقاعس نتنياهو في حسم الأوضاع في جنوب لبنان. وهو يبدي قناعته بخسارة نتنياهو للإنتخابات.
في الولايات المتحدة أبرم ترامب صفقة ضخمة بقيمة 35 مليار دولار مع شركة لوكهيد مارتن لإعادة ملء مخزون الصواريخ الإعتراضية من نوع ثاد، حيث كلفة الصاروخ الواحد تبلغ 12 مليون دولار، إضافة لعقود مع شركات أخرى لإنتاج صواريخ دفاع جوي من نوع باتريوت. وفي إسرائيل هنالك ورشة مفتوحة لإعادة ترميم الجيش الإسرائيلي وتحديث خططه في غزة ولبنان. ويبدو نتنياهو وكأنه يخطط لضربة عسكرية في لبنان تمنحه بريقا يمكن توظيفه عشية الإنتخابات المنتظرة.
وفي المقابل تبدو إيران وكأنها تحاول توظيف الوقت لتسديد ضربات عسكرية تشكل مقتلا إنتخابيا للحزب الجمهوري في الولايات المتحدة الأمريكية لتفتح بعدها أبواب صراع داخلي كبير في الداخل الأميركي. وأيضا لصفعة يوجهها حزب الله لإسرائيل في جنوب لبنان وتؤدي لإقصاء نتنياهو ودفع إسرائيل الى فوضى داخلية.
وسط هذه الحسابات المتناقضة زار قائد السينتكوم الجنرال براد كوبر لبنان في محاولة لفتح الطريق أمام الشروع في تطبيق إتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل. هو أتى للبحث في الصيغة التي تسمح بالبدء بالمنطقة التجريبية، إضافة الى الترتيبات الأمنية وكيفية إنتشار الجيش اللبناني. لكن قيادة الجيش أبدت معارضتها للأفخاخ التي نصبتها إسرائيل والتي لا تتوافق مع ما كان جرى التفاهم حوله خلال مفاوضات واشنطن المضنية. فالنقاش الصعب والطويل الذي دار حول تعريف المنطقة التجريبية كان الشرط اللبناني بأن تكون هذه المنطقة خاضعة بالكامل للإحتلال الإسرائيلي. وبات معروفا رفض لبنان للطرح الإسرائيلي بتحديد تلة علي الطاهر كمنطقة تجريبية. ولكن وبعد انتهاء المفاوضات صدم الجيش اللبناني بتحديد منطقتي فرون والغندورية كمنطقة تجريبية، حيث لا وجود لإسرائيل فيهما. وشرح قائد الجيش العماد رودولف هيكل لضيفه الأميركي ما تهدف له إسرائيل، وهو لا يتوافق مع ما جرى التفاهم حوله بل هدفه دفع الجيش اللبناني للتصادم مع حزب الله وإدخال لبنان في صراع داخلي وفوضى وعدم استقرار. وبدا كوبر متفهما لوجهة النظر اللبنانية، ولو أنه أوحى بتعنت إسرائيلي تحت أعذار شتى.
حتى لا تظهر أي نية إسرائيلة للإنسحاب من أي منطقة يحتلها في الجنوب. لا بل على العكس فإن التسريبات الإعلامية الإسرائيلية باتت تتحدث عن تأجيل لعدة أسابيع. كذلك فإن نتنياهو الذي زار جنوب لبنان برفقة وزير الدفاع يسرائيل كاتس قال بأن تعليماته هي بالرد الفوري على أي تهديد يحصل. وهو هنا يقول بأن إسرائيل ستحتفظ بحرية الحركة الميدانية. وتابع نتنياهو من الجنوب، بأنه “طالما أن حزب الله موجود هنا ويهددنا فسنبقى”. وهو ما يعني بأنه لا انسحابات في الأفق.
صحيح أن إتفاق واشنطن جرى تجميد تنفيذه في الوقت الراهن، إلا أنه حمل إيجابية بتراجع مستوى العنف الإسرائلي بنسبة لا تقل عن 90%، ذلك أن الخروقات الإسرائيلية مستمرة تحت عنوان “حرية الحركة”. لكن ثمة نقطة مهمة نجحت واشنطن في اقتناصها. فالإتفاق حمل ما يشبه إعلان وفاة الميكانيزم بصيغته السابقة. وهو ما يعني إنشاء آلية جديدة M C G 4 L وأدت عمليا الى إخراج الأمم المتحدة وخصوصا فرنسا من دائرة المراقبة في جنوب لبنان. وكان لافتا أن رئيس الميكانيزم الجنرال جوزف كليرفيلد كان يرافق كوبر في زيارته الى لبنان.
وثمة نقطة إضافية ثانية حصدتها واشنطن، وتتعلق برفض الجيش اللبناني للضغوط الإسرائلية من أجل إنشاء خط تواصل مباشر بين الجيشين. ذلك أن إسرائيل تطمح لتواصل مباشر يضع السينتكوم خارج الرقابة في الجنوب. طبعا هذا لا يتوافق مع المصلحة الأميركية. فواشنطن تريد ان تبقي الرقابة في يدها، لا أن تترك إسرائيل تعمل على غاربها من دون الرقابة الأميركية. فواشنطن تريد أن تكون حاضرة في كل تفصيل، وتريد ترك الأمور بيدها، وهي مصلحة لبنانية أيضا. وتحدث كوبر عن فريق عسكري أميركي مؤلف من ضباط وأخصائيين سيصل الى لبنان للمباشرة في ترتيب الآلية التي ستتولى اللجنة الجديدة العمل وفقها. لكن في هذا الوقت تبدو الأمور كلها مجمدة، وليس هنالك من بوادر تنفيذية، وهنا الخشية الأكبر.
السفير الأميركي السابق إدوار غبريال وهو من أصول لبنانية ويرأس حاليا مجموعة العمل الأميركية من أجل لبنان، أبدى خشيته بأنه إذا كان تنفيذ ورقة عمل واشنطن بطيئا فسوف يؤدي الى انهيار الإتفاق. وأضاف بأنه إذا تباطأ التقدم في تنفيذ المناطق التجريبية فإن الإتفاق الإطار سيكون في خطر. وما لم يقله غبريال أن إسرائيل لديها مصلحة في قتل الإتفاق كون لا توجد نية بالإنسحاب أو بتحقيق وقف كامل لإطلاق النار. وكذلك فإن حزب الله ومن خلفه إيران لا يريدان اتفاقا يؤدي في نهاية المطاف الى فصل لبنان عن التأثير الإيراني. ما يعني بأن طرفي القتال لا يريدان تطبيق اتفاق واشنطن، وأن الطرف الوحيد الذي يسعى لتحقيه هو الدولة اللبنانية العاجزة عن التقدم خطوة في اتجاه تطبيقه.
ومبعث القلق لا يقف فقط عند هذه الناحية، فالشهية الإقليمية للتوغل في الساحة اللبناني بدأت تتسع. فالزيارة الثانية لوزير الخارجية السوري أسعد الشيباني الى لبنان تبدو لافتة في توقيتها. فهي تأتي بعد التوقيع على ورقة نوايا واشنطن، وأيضا وسط تهديد ترامب بالإستعانة بالقوات السورية. صحيح أن عناوين الزيارة لم تتطرق الى ذلك، لكن القراءة السياسية تحتم ذلك، خصوصا بعد تصريح الرئيس التركي أردوغان عن أن المجال الأمني التركي يطال دمشق وبيروت. والمعروف أن التأثير التركي على سلطات دمشق كبير. أضف الى ذلك أن برنامج زيارة الشرع يحمل محطات لها رمزيتها ومعانيها، خصوصا زيارة مدينة طرابلس بكافة محطاتها. ولا شك أن واشنطن ستراقب بكثير من التمعن الرسائل المعلنة والمضمرة لهذه الزيارة. وهو ما سيزيد من تعقيدات المشهد اللبناني. ولا بد من الإشارة الى معلومات باتت متداولة في بيروت حول حلول مجموعات “غريبة” عند الحدود مع لبنان من الجانب السوري. وعادة كان يقال بأن سيطرة دمشق على هذه المجموعات ليست مطلقة.
لكن لا بد من تسجيل الإيجابية التي نتجت عن تراجع الأجواء المشحونة والتي سادت إثر التوقيع على ورقة النوايا اللبنانية_الإسرائيلية. السعودية لعبت دورا كبيرا في تنفيس الإحتقان الذي ظهر، وكذلك الرئيس نبيه بري. كذلك أدى التدخل القوي للجيش اللبناني الى توجيه رسالة حاسمة بأنه سيواجه أي محاولة للمس بالإستقرار. لأجل ذلك توقفت التظاهرات وغابت من بعدها الدعوات للتجمع والإعتراض. ولكن ثمة جانب آخر يتعلق بعدم حماسة طهران للتحرك الآن. فطهران تعطي الوقت حاليا لمفاوضاتها مع واشنطن. وبالتالي هي لا تحبذ استخدام ورقة الشغب. وهي قد تكون ترى أن التوقيت يجب أن يترافق مع معطيات أخرى، وهو غير متوفر حاليا.
في استطلاع لمؤسسة الباروميتر العربي ظهر ارتفاع في النظرة الإيجابية لإيران في العديد من البلدان العربية بعد الحرب التي حصلت باستثناء لبنان حيث سجل تراجع، وتحديدا في المقارنة ما بين مرحلة 2023_2024 ومرحلة 2025_2026. ففي موريتانيا إرتفعت النسبة من 24% الى 79%. وفي العراق من 37% الى 48%. وفي تونس من 32% الى 49%. وفي المغرب من 23% الى 35%. وفي فلسطين من 21% الى 36%. أما الأردن فبقيت النسبة كما هي أي 19%. أما في لبنان فتراجعت من 32% الى 29%. وهي نتائج معبرة من دون أدنى شك وتحتاج لقراءة معمقة وواعية.


