
احتلت عملية إسقاط الطائرة المقاتلة الاميركية في إيران حيزا” كبيرا” في تقييم هذا الحدث الذي أرٓق القادة في دولتي العدوان باعتبارها المرة الاولى التي يعترف بها بإسقاط مقاتلة سواء كانت اف35 أم أف 15 مع الفارق الكبير في الأهمية لصالح الاولى كطائرة شبحية من الجيل الخامس والتأثير السلبي الكبير على سمعتها السوقية وانخفاض مبيعاتها… ليغيب تحت ضغط الاعلام خلف إدعاء إنقاذ أحد الطيارين والسعي لإنقاذ الآخر.
إستفاق العالم بعد يومين على أخبار عملية إنزال عسكرية “كبرى” في محاولة للوصول الى الطيار أعلن ترامب :”أنها تكللت بالنجاح في أعظم وأكبر عملية في تاريخ اميركا” على عادته في تصدير نفسه بأعظم الرؤوساء وصاحب أكبر الإنجازات ( الدونكيشوتية) في التاريخ ، ليعلن بعدها عن تدمير طائرتي نقل عملاقتين مخصصتين لمثل هذه المهام مرفقا” بادعاء أن طائراته الحربية هي التي دمرتها لأنها أصيبت بأعطال منعتها من الإقلاع، ولاسباب تقنية منها عدم سرقة التكنولوجيا ودراستها أو استنساخها، ثم الحديث عن إسقاط طائرتي توماهوك مروحيتين.
كثرت التحليلات والتأويلات المتشابهة بين أميركا وايران . وعلى هذ المنوال غزلت دول ومحللين ووكالات ومراكز دراسات في تقييم هذا الحدث، والكاتب منهم، ولكن مع محاولة لطرح جملة أسئلة موضوعية علٓها تفضي الى تقييم حقيقي لما حصل .
مع الاشارة أن التقييم من أي مصدر “مختص” كان، لا يرتبط بالحدث كحدث منفرد ، وبمن نجح ترامب أم المرشد شخصيا”, إنما تتعداها الى بناء تصور عما سيحمله قادم الأيام في حال قرر ترامب إنزال قوات على الاراضي أو الجزر الايرانية خاصة ، بمعنى في حال نجحت عملية الانزال هذه ، يرى البعض أن توسيع العملية سيعطي نتائج مشابهة لها على نطاق أوسع طبعا” .
تجدر الإشارة الى أن آخر عملية أسر طيارين أميركيين حدثت منذ أكثر من عقود أربعة على عهد الرئيسين جيمي كارتر ورونالد ريغان دون أن تأخذ هذه الأبعاد وترامب نفسه قال:” إنه حدث عادي في مجرى الحرب” ،
سواء نجحت أو فشلت العملية طبقا” للبلاغات الترامبية أو الايرانية ، الأولى تتحدث عن نجاح باهر في عملية معقدة تكللت بإنقاذ الطيار في بيئة إيرانية وعرة وسط الظلام وسوء الاحوال الجوية، والثانية تتحدث عن إفشال العملية بإسقاط أربع طائرات أثناء العملية دون التوسع إذا تمت عملية سحب الطيار أم لا؟ وكل التحليلات انحصرت ضمن هذا الإطار.
ساعات من التسمٓر أمام الشاشات من محطة الى أخرى ، من موقع الى آخر ومن مغرد ومحلل واستراتيجي الى آخر دون أن نصل الى شيء من اليقين الحقيقي.
من وجهة نظر خاصة لا يمكن الوصول الى هذا اليقين من ألمعنيين مباشرة لغياب الموضوعية ولا يمكن الحصول عليه من المحللين لغياب الحيادية والمعلومة الموثوقة من جهة، والأخطر على ما يبدو الاغترار بالقوة الأميركية المضلل الذي يُلحظ في أي مسألة تخص لدى الغالبية على كل المستويات في العالمين العربي والغربي على السواء . وخاصة عندما يتعلق الأمر بالحديث عن القوة الاميركية سواء الاقتصادية أو العسكرية في فنزويللا. خاصة بعد العملية الاستعراضية(ممكن أن تمحى آثارها بقرار من الرئاسة الفنزويللية) واعتقال الرئيس واقتياده الى أميركا كأنها وضعت غشاوة على عيون وعقول الغالبية الساحقة لا تزيلها عملية تنظيف قرنية أو غسل( تنظيف) دماغ تقليدية ظرفية.
ننطلق في هذا العمل من جملة أسئلة علٓها توصل الى استنتاج يوضح مآل الأمور والحرب في حال تطورها الى حرب برية أو في صورتها الحالية إذا ما تبين أن صاروخ “جهاد” الجوي الايراني قادر على قلب موازين المعركة وجعل إسقاط المقاتلات أمرا” عاديا” سوف يتكرر قادم الايام، خصوصا” أن طائرات الإغارة العبرية على إيران توقفت بعد أن كانت تهم بالأقلاع تحت ذريعة :” إفساح المجال أمام إنقاذ الطيار وخشية عرقلتها”. وهي في حقيقة الأمر خشية من الوقوع في المصير ذاته ريثما تنجلي المعطيات . ونختصر الأمر بمجموعة أسئلة منها:
1_ هل تستحق عملية إنقاذ طيار من الوقوع في قبضة العدو أن تسقط أربع طائرات .
2_ أيعقل أن تتعطل أربع طائرات دفعة واحدة لتدمرها زميلاتها بأوامر القيادة؟ وما هي الكلفة المادية التي تكبدتها أميركا ثمن ذلك ؟ وترامب يقول:” أن كميات ضخمة من أحدث الاسلحة استعملت في العملية.
3_ كيف تم إجلاء المجموعات المقاتلة التي كانت محمولة على متن تلك الطائرات التي تقدر بالعشرات إن لم يكن بالمئات؟خصوصا” وأن عمليات الإجلاء باتت تحتاج الى طائرات مشابهة ويبدو أنها سهلة الاصطياد وإنقاذ طيار واحد تطلب هذا الأسطول الحربي الضخم، فكيف بهذه الفرقة ؟؟
4_ رواية الرئيس ترامب والحاشية لم تتحدث عن عظمة عملية إجلاء كل تلك الفرقة وهي بحد ذاتها كانت لتشكل انتصارا” ساحقا” لهم ، كانت لتثبت أنهم في أسوأ ظروف الإنزال استطاعوا إنقاذ كل تلك القوة بعد وقوع عطل جائز، واكتفوا بالتغني بإنقاذ طيار وحيد ، ماذا لو كانت الرواية منقوصة أو على الطريقة الهوليو_ ترامبية؟
5_ الجانب الايراني لم يقدم رواية قوية حول فشل العملية(ربما بسبب الحالة الجوية أو الموقع )، وهل فعلا” كما قالت الرواية الاميركية أن النجاح في عملية كهذه يثبت أن البر الايراني كالجو لا تسيطر عليه إيران ؟
يبقى أن نشير الى بعض احتماليات أو أخبار متداولة همسا” أو ضاعت في بروباغندا السرديات الشائعة، مثل : هل فعًلت القوات الاميركية عقيدة هاني بعل أسوة بالدولة اليهودية في مسح الخسائر البشرية لكي لا ينكشف سر فشلها بالطريقة ذاتها التي مُسحت بها الطائرات المدمرة في الميدان لكي لا ينكشف سر تكنولوجيتها؟
أخيرا” ما سر هذه العنجهية والكبر ياء الزائف؟ وماذا لو كان وقع الطيار في الاسر وممكن بصحة جيدة (لا كما أعلن ترامب أن إصابته خطرة) وتم تبادله بشكل ما مع ايران فيما بعد بأسرى آخرين أو بتنازل ما ، أو بوساطة دولية أو من صديق. أو حتى بتقبيل اللحى كما حصل عند ما حضر القس جيسي جاكسون Jessy jackson الى سورية وحمل معه الطيار الى أميركا عربون صداقة مع الشعب الاميركي وإكراما” للضيف الوافد ، وكان مرشح ضعيف الحظوظ للانتخابات الرئاسية ، أم أن الفردانية الرأسمالية لا تسمح حتى في مثل هذه الظروف بالتنازل أو خسارة ورقة إنتخابية ولو كلف ذلك فريق إنزال كامل أو أكثر؟ أم أن أمة مثل أميركا لا ” من خسارة هيمنتها؟تتحمل خسارة طائرة أو طيار في العلن وقادرة على خسارة أسطول في السر؟ وهي على منعطف تصارع من أجل البقاء على صورة قوتها ونحن على أعتاب مخاض نظام عالمي جديد من المؤكد أن ظهوره سيتوقف على نتيجة هذه الحرب.


