
قد يكون السؤال الأهم الواجب طرحه: ماذا بعد غياب مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي؟ واستطرادا، الى أي وجهة ستذهب إيران ومعها المنطقة. فإطلاق آلة الحرب لحظة تنفيذ إغتيال خامنئي، لا بد أن يكون سبقه درس واف وتخطيط مشبع حول المشهد التالي المرسوم لإيران، تلك الدولة التي تمتاز بموقع جغرافي فائق الأهمية ما جعلها نقطة إرتكاز إقليمية، والتي تحتضن في الوقت نفسه تلاوين قومية مختلفة تتأثر وتؤثر في آن معا بالدول المحيطة.
لم تختلف كثيرا الخطوط العريضة للتخطيط العسكري الإسرائيلي والأميركي المشترك ضد إيران عن التخطيط الذي اعتمد في المواجهة الأولى في حزيران الماضي، باستثناء أن تشكل عملية إغتيال الرجل القوي والذي يمسك بمفاصل السلطة ساعة الصفر لبدء الحرب على إيران. وهو ما يعطي الإنطباع الفوري بأن الهدف الأساسي هو القضاء على النهج الذي يحكم إيران. لكن ثمة تشعبات كثيرة ما تزال تختبىء خلف الدخان الكثيف المتصاعد. ومع بدء العملية العسكرية الأميركية_الإسرائيلية المشتركة والتي جرى التخطيط لها طويلا، إلتزمت القوة الجوية الإسرائيلية تنفيذ عمليات الإغتيال والتي طالت شخصيات من الصف الأول وفي طليعتها خامنئي ومن بعدها الشخصيات البديلة من الصف الثاني، فيما تولت القوة الجوية الأميركية تدمير المواقع العسكرية الصاروخية والمقار القيادية التابعة للحرس الثوري الإيراني. وإذا كان التفسير الأولي للمواقع المستهدفة بأنها في إطار تقويض ركائز الحكم التي تستند إليها السلطة القائمة، إلا أن السؤال الذي ما برح يتردد هو حول البديل الذي سيخلف خامنئي، والصورة المستقبلية لإيران. وبدا هنا أن السلطات الإيرانية لم تنجح في سد الفجوات التي ظهرت في حرب حزيران وفي طليعتها الخروقات الأمنية الخطيرة، بدليل النجاح في الوصول الى رأس النظام. كذلك ظهر زيف الإدعاء بترميم قدرات الدفاع الجوي عبر الحصول من الصين على منظومة دفاع جوي متطورة. لا بل بدت الصورة العسكرية مشابهة تماما لليلة التي شهدت وقف إطلاق النار.
ومع استهداف وجوه الصف الأول وأيضا وجوه الصف الثاني المؤهلين للحلول مكانهم، ظهر هدف جديد من خلال الأسماء المسهدفة. فلقد بدا أن ثمة توجه للقضاء على الطبقة الإيديولوجية بغية إحداث فراغات يمكن أن تسمح بوصول أشخاص أكثر براغماتية. كما لوحظ تركيز في العمليات العسكرية لناحية نسف العلاقة والتنسيق بين الحرس الثوري والجيش الإيراني. ومن هذه الزاوية يمكن تفسير إغتيال رئيس أركان الجيش والذي كان يحمل مهمة التنسيق الدائم مع الحرس الثوري.
ومع إنطلاق العملية ساد اعتقاد بأن واشنطن تريد عملية سريعة تنتهي في غضون أسبوعين كحد أقصى، أما طهران فستسعى لإطالة أمد الحرب الى الحد الأقصى الممكن للوصول الى مرحلة تغرق فيها واشنطن وتل أبيب في وحول لا بل في رمال متحركة. فبسبب التفاوت الكبير في موازين القوة، من المنطقي أن تسعى طهران لجر الوضع الى حرب استنزاف طويلة الأمد، وأن تعمد في الوقت نفسه الى التضييق على الإقتصاد العالمي من خلال خنقها لحركة النقل البحري عبر مضيق هرمز. لكن، وخلافا لما كان أعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع بدء العملية، فإن المصادر الأميركية بدأت تتحدث عن حاجة العملية لوقت أطول، وأن هذا ما جرى التخطيط له.
لكن ثمة أوجه أخرى لا يمكن إهمالها. فما إن إنطلقت العمليات العسكرية حتى بدأ التداول بخرائط تؤشر لإيران إتحادية. والمقصود هنا الذهاب الى صيغة حكم مستقبلية جديدة وفق الصيغة الإتحادية وتضم مناطق كردية وعربية وبلوشية وأذرية تتمتع بالحكم الذاتي ولو ضمن إطار الحدود الواحدة. ومن دون أدنى شك، فإن هذه النظرة تسعى إليها إسرائيل، في إطار تفتيت المنطقة، وهو الذي ما برح يعبر عنه بنيامين نتنياهو منذ اندلاع عملية السابع من أوكتوبر وفق عبارة “تغيير وجه المنطقة”.
لكن هل يجاري البيت الأبيض سعي نتنياهو لتفتيت المنطقة؟ عندما أعلن ترامب خبر موت خامنئي ألحق ذلك بإعلان معرفته بالأسماء التي قد تخلفه. وهو قد يكون أراد بإشارته هذه التلميح الى خليفة “متعاونة” وتحمل تصورا سياسيا مختلفا عن الإستراتيجية المتشددة التي انتهجها خامنئي. وهو ما يعني الى أنه أشار ضمنا الى رهانه على استمرار الدولة الإيرانية وفق الصيغة نفسها التي تقوم على أساسها الآن. ما يعني فنزويلا جديدة ولكن بحلة إيرانية. لكن مشروع اليمين الإسرائيلي يختلف بشكل كامل. فنتنياهو يعتبر أن الفرصة الموجودة أمامه الآن لا تحصل سوى مرة واحدة في التاريخ. فها هي الساحة الإيرانية مفتوحة أمام قوته الجوية، والأهم أن القوة العسكرية الجوية الأميركية تشاركه العمليات. وهو ما يعني أيضا أن نتنياهو نجح في جر ترامب الى ملعبه، وهو يريد التوغل لتحقيق المشروع_الحلم بتفتيت المنطقة مرة واحدة والى الأبد. ولذلك ربما نسمع من إسرائيل بأن العمليات ستطول بعض الوقت.
ومن المعروف بأن إيران بحدودها الحالية تمتاز بمزايا جغرافية مهمة ومتعددة. فهي تشكل محورا أساسيا، حيث تربط بين جنوب آسيا والقوقاز وآسيا الوسطى. وبالتالي تعتبر إيران نقطة ارتكاز إقليمي تتفاعل بقوة مع باكستان النووية والهند الصاعدة والصين المنافسة على الزعامة العالمية، والقوقاز المهم استراتيجيا والعالم العربي الغني بالطاقة وفي الوقت نفسه بالتناقضات الدينية. وتاليا فإن أي اهتزاز للتركيبة الإيرانية والقائمة على التعددية القومية، سيؤدي الى تأثيرات مباشرة على كامل محيطها. فالموقع الجغرافي لإيران يشكل بطريقة أو بأخرى قاعدة للترابط الإقليمي. وهي النقطة التي تريدها إسرائيل، وتعتبر أن الفرصة الموجودة لا تعوض للذهاب الى “تغيير وجه المنطقة”.
لكن الخطأ الذي ترتكبه طهران، والذي يساعد إسرائيل في الذهاب الى مشروعها، كان باستهداف دول الخليج العربي، بما فيها سلطنة عمان وهو البلد الذي شكل طوال المراحل الماضية خزنة أسرار النظام الإيراني في علاقاته الخارجية. وهو ما يعني، بأن الجناح الأكثر تشددا وإثر غياب مرشد الثورة، إندفع في سلوك عسكري متهور وغير محسوب. وهذا ما يؤشر أيضا الى تفكك الإمرة العسكرية العليا، والتي زاد من وطأتها غياب خامنئي.
والتبريرات التي حاول تسويقها وزير الخارجية عدنان عرقجي والمحسوب أساسا على الجناح الإصلاحي، لم تكن مقنعة. فإذا كان المقصود التصويب على القواعد العسكرية الأميركية فلماذا استهداف المناطق المدنية والحيوية والمطارات؟ كذلك فإذا كانت القواعد الأميركية هي الهدف، فلماذا لم يجر استهداف القواعد الموجودة في تركيا على سبيل المثال؟. كما أن التبرير بأن المقصود بذلك دفع حكومات الدول الخليجية للتحرك والضغط على إدارة ترامب لوقف العدوان الحاصل، لم يكن مقنعا بشكل كاف. إذ أن الرسائل في هذا الإتجاه يمكن أن تكون محدودة ورمزية لتؤدي الغرض منها، وهو ما لم يحصل. وبالتالي كان واضحا أن القصف الإيراني كان يستهدف العواصم الخليجية ولأهداف تتعلق بالتناقضات القائمة.
ويبقى السؤال الأساسي حول لبنان ومآل الأمور فيه، وسط هدوء قلق، خشية انضمام حزب الله لمساندة إيران وبالتالي منح الذريعة لإسرائيل لإشعال حرب مجنونة جديدة. وعلى الرغم من الغموض الذي اكتنف الموقف الحقيقي لحزب الله من مسألة مساندة إيران، إلا أن أي رد فعل “صاروخي” لم يسجل من لبنان مع بدء الحرب على إيران. وثمة من يعزو ذلك الى أمر من إثنين: إما أن بيئة حزب الله شكلت عامل ضغط منعته من الذهاب الى مغامرة ستؤدي الى دمار جديد، وسط تحذيرات ساهم في جزء منها الرئيس نبيه بري. أو أن الضربات الجوية الإسرائيلية والتي حصلت خلال الأيام الماضية عطلت هذه الإمكانية. فالإستهداف الجوي الإسرائيلي كان مختلفا خلال الأيام الماضية عما سبق. فالطائرات الإسرائيلية عمدت على استهداف الأنفاق والمخازن المحفورة داخل الجبال في إقليم التفاح وجبل الريحان والسلسلة الشرقية ومناطق البقاع الشمالي بقنابل إرتجاجية. وهي عمدت خصوصا على تدمير مداخل هذه الأنفاق والتي يشتبه بتخزينها للصواريخ، ما يعطل الدخول إليها بانتظار إعادة فتح مداخل أخرى. وترافق ذلك مع إغتيال ثماني كوادر لحزب الله متخصصين في إطلاق الصواريخ في عملية تجاوزت السياق الذي كان قائما. وكانت قيادة الحزب قد توقفت مطولا أمام الأهداف الإسرائيلية من الإستهدافات الأخيرة، وخرجت بانطباع بأن إسرائيل تسعى للحد من القدرة الصاروخية لحزب الله، ما يعني ذلك تمهيد لعمل كبير قريبا.
في كتابه “حرب” والذي أصدره منذ أكثر من عام، كشف الصحافي الأميركي البارز بوب وودورد وهو المعروف بأنه من كشف فضيحة ووترغيت الشهيرة، عن جوانب مهمة من شخصية دونالد ترامب. ويروي وودورد أنه تعرف في شباط 1989 في مناسبة إجتماعية بترامب والذي كان معروفا يومها بأنه قطب عقاري في نيويورك. وفي هذا اللقاء طلب ترامب إجراء مقابلة معه، وهو ما حصل في اليوم التالي ولكن من دون أن يستطيع وودورد نشرها. وبعدما انتخب ترامب رئيسا في العام 2016 زاره وودورد في مكتبه في البيت الأبيض. وهنا ذكره ترامب بالمقابلة التي لم تنشر وطالبا منه العودة إليها لأنها تختصر شخصيته. وعند عودته الى مكتبه شرع في البحث عنها ليجدها أخيرا. وفي هذه المقابلة أظهر ترامب قناعته الراسخة بأهمية الحدس ومعتبرا بأن القلة التي تمتلك هذه الغريزة تستطيع إنجاز أمورا لا يمكن للآخرين الإقتراب منها. وتابع: “أنا أنفذ صفقاتي العقارية بشكل غرائزي. ولقد كانت أسوأ صفقاتي تلك التي قمت بها متجاهلا غرائزي، وأفضلها عندما اتبعتها ولم أستمع الى من أخبروني باستحالتها”.
ولا شك أن شخصية ترامب والتي تتحكم بقراراته تستند الى حدسه وغريزته، ومن هنا ربما صعوبة التنبؤ بخطوته التالية. لكن الخشية من أن يكون نتنياهو يحوز على جانب من هذه الغريزة ما سيعني عندها بأن المشوار الإيراني الحربي والذي دخلناه لتونا مرشح لمسار صعب وخطر ومعقد.



