مقالات صحفية

“قطاف … تدارك الخطر” بقلم الدكتور انطون حداد

تمر المنطقة بمختلف تسمياتها المشرق أو العالم العربي أو الشرق الاوسط بمخاض عسير ، إشتعلت ثورات واحتجاجات تحت سقوف وأسماء طنانة رنانة كالربيع العربي، وشرق أوسط جديد، ونشر الديمقراطية ، ومحاربة محور الشر والهلال الشيعي وكما قال المذيع الكوميدي جون ستيوارت John stewart ساخرا”:” إدخال لعبة البيسبول الى اليابان” … كانت ضحاياه بداية شعوب المنطقة قبل الانظمة والدول والاسماء التي سقطت .
أهداف كثيرة وراء ما جرى, بعضها أعلن كما أسلفنا وأغلبها زائف, في الشكل كنشر الديمقراطية , وشرق أوسط جديد لامع الشكل مغري العنوان . أما في المضمون يضمر ما أعلنه تهديدا” صارخا” رئيس الوزراء اليهودي نتنياهو بخصوص لبنان :” سنعيد لبنان نصف قرن الى الوراء…” كبلد مقاوم، وربما أكثر بكثير لبلدان كانت قد تخلت عن هذا العنوان كمصر وتونس والجزائر والشام والى حد ما ليبيا( باعتبار أن مشاريع القذافي أو خطاباته المحذرة من الخطر والوحدوية أفريقيا” تصنف رؤيوية مقاومة).وكان ترامب أكثر وقاحة”( فاضحا”: بلغة ستيوارت) وغباءا” حين قال مبررا” غزوة فنزويلا:” سنجعل النفط يتدفق كما ينبغي… سنستخرج ثروة هائلة.
حدث ما حدث ونجح المشروع أو المشاريع في إسقاط أنظمة أو رؤوس تربعت على عروش لعقود وظننا كما ظنت أنها لن تسقط … وحصل .
الخطر على المنطقة كبير ومبرر نتيجة التقسيمات والترسيمات التي وضعها رعاة الاستعمار وأدواتهم الطيعة داخل هذه التقسيمات وهذا مفهوم . لكن ما هو مستغرب هو تعاون بعض دول أو كيانات هذه المنطقة الهشة والمصطنعة التي شاركت المؤامرة وبكل ما تملك من زخم مالي ونفوذ ديني على بعض الجماعات في البلدان المستهدفة وخاصة تلك التي تلعب دور المرجع لأتباع المذهب المتواجدين فوق اراضيها.
باستثناء لبنان كأحد المستهدفين الرئيسيين المذكورين في هذه المشاريع، الذي يمتاز بعين زائدة عن أولئك, ترنوا الى الغرب كمرجع أساسي إضافي لفئة دينية أساسية من مكونات موزاييكه السكاني المتنوع، فيما ترنوا بقية الجماعات الى مرجعيات متواجدة في أربعة دول أساسية : تركيا وقطر للفئات السنية التي تتبع المذهب الاخونجي والسعودية للتابعين للمذهب الوهابي ، والشيعية التي تتبع أو ترنو نحو إيران . تتصارع هذه الدول على إيصال توابعها الى السلطة في البلدان المستهدفة وبالتالي الحصول على أكبر الغنائم المستهدفة والمتاحة فيها .
من هنا نشب الخلاف والصراع بين القوى الداعمة من أجل السيطرة وإثبات القوة والقدرة على الهيمنة أكثر من البقية تاركين “فتاة”(بضم الفاء) المغانم للاتباع امام المنافسين، طبعا” مع حفظ ما للاعب الخارجي الاكبر من حصة الاسد من تلك المغانم.
من هنا كان الصراع مزدوجا” معلنا” على الدول المستهدفة وخاصة سورية وليبيا، ومستترا” بين وكلاء أصحاب المشروع الغربيين من عرب وأتراك والدولة اليهودية.
المشروع في أصله يهدف الى اقتلاع الفريق المقاوم تحت مسمى الهلال الشيعي الذي جمع كل من سبق ذكرهم وهم في خلاف عقائدي معهم الى جانب صراع مصلحي خاصة بعد ظهور النفط والغاز ومشاريع نقله الى أوروبا للاستغناء عن النفط الروسي ،وتسويق النفط المكتشف بعد وضع اليد عليه كاملا” على مثلث فلسطين_الشام _ لبنان ويكون تحت تصرف الدولة اليهودية قائدة المشروع في المنطقة على أساس التكامل الافتراضي مع الحلفاء ” العملاء” حقيقة” .
سقطت الشام وليبيا وقبلها العراق وتبدل الحكام في تونس ومصر وقسمت السودان واليمن وصفعت المقاومة في لبنان وفلسطين( لم نذكرها لأنها الحاضر الاساس)، وبدأت معالم المرحلة تظهر وكشرت الدولة العبرية عن أنيابها بعد أن تغول ترامب في اقتناص ترليونات دول الكومبارس الخليجية التي استفاقت على إجسادها يسيل فوقها لعاب هذا الغول دون خجل.
وما تساؤلات المذيع الاميركي الشهير تاكر كارلسون :” طالما أن مصلحتنا الحقيقية تكمن مع من يملك الموارد الطبيعية من الدول الخليجية .فما مصلحتنا مع الدولة اليهودية التي تفقدنا مصداقيتنا في المنطقة وندفع البليونات للدفاع عنها دون طائل”, سوى تأكيد المؤكد، لكنها لا تغير في صناع القرار في أميركا شيئا”.
هذا ما يبدو أن دول الخليج فهمته وباتت تتحسس خطر هذا المشروع وتداعياته على كينونتها ومكانتها في المنطقة خاصة بعدما عرض نتنياهو بوقاحة خارطة ما أسماه “اسرائيل الكبرى” وامتدادها لتبلغ مصر والسعودية ومكة بالتحديد. وكذلك أفصح الصحافي ايلي كوهين بالمستور بأن: ” الدور الاتي بعد سورية وإيران سيكون على قطر وتركيا ” فهل ستسلم السعودية وباقي الدول التي نجت حتى الان.؟؟
من جهتها قطر لمست لمس اليد الخطر بمهاجمة الوفد الحمساوي المفاوض على اراضيها حيث أغارت الطائرات العبرية على العاصمة الدوحة دون أن تفعل الدفاعات الجوية التي دفعت المليارات ثمنا” لفعاليتها “المعطلة”، وليست السعودية بغافلة بعد سماع تهديد تركيا الاطلسية كذلك.
من هنا جاء الاجماع الرافض للعدوان على إيران من قبل دول الخليج قاطبة وبصوت واحد أو موحد بضرورة منع حدوثه وهذا ما أزعج الادارة الاميركية وانتقده بشده توم حرب بقوله:” بعد أن كان العرب يرجون الأميركي ضرب إيران منذ سبع أو ثماني سنوات باتوا يطالبوا بعدم مهاجمتها!! …لقد بتنا نعرف أن نفرق العدو من الصديق( لا حليف لأميركا سوى الكيان اليهودي)… الدجالون…”. وتبعه موقف حاسم على أرض اليمن، حيث دعمت السعودية بقوة السلطة ضد المجلس الانتقالي المدعوم عبريا” بعدما تحسست الرياض الخطر المحيط بها والطوق العبري على عنقها في حال سقطت حضرموت الحدودية في يد العيدروس وجماعته. وبالتالي يصبح الكيان العبري إن نجح على حدودها وحارس باب المندب والمسيطر في القرن الافريقي.
ألم تأتي أيضا” في هذا السياق الحملة التي قامت بها قوات الجولاني بقيادة هاكان فيدال التركي لتعزيز نفوذ تركيا في سورية وإنهاء الملف الكردي ما أمكن في مواجهة التهديد اليهودي.؟؟؟ وموجها” بذلك صفعة للأميركي حيث هدد ترامب بإعادة تفعيل قانون قيصر إذ استمر الهجوم على قسد المعومة من الثنائي الأميركي_اليهودي قبل أن يتراجع ترامب ويتبنى ما أسماه إتفاقا”!!!
أما قطر الراغبة ” الطموحة” والسباقة الخطى ( استضافت كأس العالم قبل السعودية) أمام السعودية في توقيع إتفاقية الذل الابراهيمي التي ما زالت ترفض توقيعها رغم استماتة الثنائي ترامب_نتنياهو باشتراط حل الدولتين المرفوض نهائيا”.
قطر الساعية للعب دور الرائد في المنطقة استشعرت أهمية المقاومة في تعزيز دورها في المنطقة وإبعاد التهديد عن اراضيها. رأت أنها ستخسر واقعها الوازن في حال حقق نتنياهو مبتغاه، فعادت من باب الإعمار العريض المقفل على لبنان لتضع مدماكا” في جنوبه المقاوم بنصف مليار دولار(480 مليون) يساهم في دعم صموده المقاوم لأهميته الاستراتيجية بالنسبة لبيئة المقاومة( رغم طلب موافقة ترامب ) وكسر الطوق المادي والنفسي المرصود ضدها، وهي ذاتها تعتبرها الكابينت العبرية الداعم الاساسي لحركة حماس الى جانب تركيا، وربما أتت الضربة الجوية على أرض الدوحة رسالة صارخة في هذا الخصوص..
أمام اختلال ترامب واحتلال نتنياهو المشهد الشرق أوسطي لم يعد أمام حلفاء الامس من مفر سوى ردم الهوة التي فتحوها في الجدار العربي كي لا تعصف بكياناتهم رياح التغيير ذاتها التي عصفت بمن سبقهم، فهل اتعظوا وتنبهوا لما يحاك في الاقليم ؟؟؟ خصوصا” السعودية ذات الباع الطويل مع البرنس الشاب الذي وقف الى جانب الكبار في قمة البركس Brex Summit كما وقف في وجه أميركا بايدن في أوبيك بلاس +opec يبقى السؤال هل يقف في وجه غطرسة بايدن والسيطرة الننتناهوية الابراهيمية ويستكمل خطوة منع مشروع السيطرة على المنطقة الى جانب الرباعي الصيني الروسي الكوري الشمالي ويصافح اليد الايرانية الرافضة للمشروع الاستعماري الجديد خصوصا” بعد ظهور بشائر الانعطافة عن دعم محور جعجع ريفي وزعانف الاعلام المأجور ال وتوجيه دعوة لجبران باسيل لزيارة المملكة وما يحمله ذلك من دلالات التقرب الغير مباشر من قوى الممانعة .
يبقى السؤال: هل أيقن القادة العرب عقم التورط في مشاريع الغرب وآخرها المشروع الابراهيمي الذي يستهدف ثقافتها قبل موارد بلدانها؟؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى