
كما أنّ الجيوش، عند الكشف عن سلاحٍ جديد وإدخاله الخدمة، تُحيل أسلحةً سابقة إلى التقاعد فتُسحب من الميدان وتُخزَّن في المستودعات أو تُعرض في المتاحف، فإنّ منظومات السيطرة السياسية والأمنية تفعل الأمر نفسه.
جيفري إبستين لم يكن سوى أداة من جيلٍ سابق: كان وسيلة فظة متوحّشة للابتزاز والسيطرة على أصحاب النفوذ من سياسيين وإعلاميين ورجال مال. وحين انكشف هذا الأسلوب واحترق، جرى استبعاده، لا لأن المنظومة تخلّت عن الابتزاز، بل لأنها حدّثت أدواتها.
مع ثورة الإنترنت، وتسارع الترابط بين الدول والمدن الكبرى، وتحول العالم إلى ما يشبه القرية الصغيرة، لم تعد السيطرة بحاجة إلى غرف مغلقة ولا ملفات سوداء ورقية. انتقلت من التحكم بالأفراد إلى التحكم بالوعي الجمعي.
من هنا تصبح وسائل التواصل الاجتماعي هي السلاح الأحدث والأخطر: سلاح لا يُرى، لا يُحاسَب، ولا يُعلَن حربًا، لكنه يعيد تشكيل الرأي العام، يرفع أشخاصًا ويُسقط دولًا، يخلق أزمات أو يطفئها بضغطة خوارزمية.
ليس عبثًا أن يُنسب إلى نتنياهو قوله إن أخطر سلاح في العصر الحديث هو السيطرة على منصات التواصل الاجتماعي، من تيك توك إلى X وسواها. فهذه المنصات لم تعد أدوات تواصل، بل:
ساحات حرب إدراكية
مصانع رأي عام
وأجهزة تحكم عن بُعد بالمجتمعات
باختصار:
إبستين هو سلاح تقاعد
والخوارزميات هي السلاح العامل اليوم
ومن لا يفهم هذا التحول، سيبقى يبحث عن الدبابات بينما الحرب تُدار داخل العقول…



