
هو الإجتماع الخامس لرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في أقل من عام، في سابقة تاريخية. فقبلا، لم تكن زيارة أي رئيس حكومة إسرائيلية الى الولايات المتحدة بهدف الإجتماع بالرئيس الأميركي تتجاوز المرتين خلال العام الواحد. وهو ما يبعث على الإعتقاد بوجود ملفات بغاية الأهمية تستوجب مشاورات سريعة، ما دفع نتنياهو لطلب الإجتماع، رغم وجود ترامب في منتجعه الخاص في فلوريدا بمناسبة عطلة الأعياد.
وقبيل سفر نتنياهو وزع الإعلام الإسرائيلي الملفات التي يعتزم نتنياهو طرحها على النقاش مع ترامب، وهي ملفات غزة وإيران وحزب الله وسوريا. لكن ثمة ملفا خامسا لا يقل أهمية سيعمل نتنياهو على وضعه على طاولة النقاش ولكن من دون إبرازه في الإعلام نظرا لحساسيته وهو الملف التركي. فالحسابات الإسرائيلية باشرت منذ مدة التركيز على المرحلة المقبلة، والتحديات التي يمثلها طموح أردوغان الذي يسعى لتوسيع دائرة نفوذه، عبر ملء الإرث الإيراني وفرض نفسه قطبا إقليميا أساسيا، ومستندا في هذا الإطار على علاقته الجيدة بالرئيس الأميركي. وخلال الأيام الماضية ركزت الصحافة الإسرائيلية بشيء من التوجس المتزايد تسارع بناء القوة البحرية التركية. وتحدث الإعلام الإسرائيلي عن قرار تركي بالشروع ببناء 39 سفينة حربية في آن معا. وحملت إحدى الصحف العنوان العريض التالي: أسطول أردوغان العملاق يكتسب زخما سريعا. والمعروف أن أحد أوجه الصراع الدائر في المنطقة يتركز حول الثروة النفطية في البحر الشرقي للمتوسط. وأشارت التقارير الإعلامية الإسرائيلية الى أن التوسع السريع في القدرات البحرية التركية بات يشكل مصدر قلق حقيقي لإسرائيل، مع إنتقال أنقره من مرحلة التخطيط الى التنفيذ الفعلي لمشاريع إستراتيجية كبرى. ولأجل ذلك، سارعت إسرائيل على تمتين تحالفها مع قبرص واليونان، وهي قررت تزويد قبرص بثلاثة أنظمة لأسلحة متطورة.
وعلى الرغم من الصراع الذي بدأ يتكون وفق حسابات المصالح المستقبلية بين تركيا وإسرائيل، إلا أن الطرفين يحرصان على ترتيب تصفية الإرث الإيراني، إسرائيل من خلال القبضة الحربية، وتركيا من خلال القبضة الناعمة أو قبضة الحرير. فطهران التي سعت لإبراز دورها المساعد والمفيد لتركيا لمواجهة التغول الإسرائيلي سمعت كلاما تركيا مشجعا ولكنه بقي من دون ترجمة. فبغض النظر عن الرغبة التركية الفعلية، فإن المشروع الأميركي الفعلي لا يلحظ حضورا إيرانيا عند الساحل الشرقي للبحر المتوسط. وخلال الأسابيع الماضية عمدت واشنطن على إطلاق حملة جوية واسعة النطاق على مواقع لتنظيم داعش في وسط وشمال سوريا ردا على مقتل جنديين أميركيين ومترجم إثر كمين في تدمر. وخلال الموجة الجوية الأميركية عمدت الطائرات الأميركية الى استخدام القذائف الثقيلة لتدمير مراكز قيادة داعش ومستودعات الأسلحة وبنى تحتية لوجستية. وأرادت قيادة السينتكوم من خلال ذلك ليس فقط تدمير مواقع لداعش بل أيضا توجيه رسائل تحذير للقوى المناهضة للولايات المتحدة في المنطقة، مثل إيران والفصائل المتحالفة معها، إنفاذا للعقيدة السياسية التي ينتهجها ترامب، والتي تحمل عنوان: الردع عبر استخدام القوة. وتروي أوساط ديبلوماسية أميركية بأن ترامب يهدف لاستعادة مصداقية بلاده بعد فترات طويلة من الميوعة، كما وصفتها هذه الأوساط، ما أدى الى تعاظم ثقة أعداء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. ما يعني أن إدارة ترامب مصممة على “تصحيح” هذا الإنطباع الذي كان قائما. ووفق هذا السياق فإن هامش تركيا في إجراء صفقات جانبية مع إيران يصبح ضيقا ومحدودا.
وبالعودة الى الملفات الأربع المعلنة فأن نتنياهو يسعى لتأجيل تطبيق المرحلة الثانية من إتفاق غزة الى حين نزع سلاح حركة حماس وبشكل كامل. في الواقع ثمة “قطب” مخفية في دعوة نتنياهو، إذ أنه أطلق في هذا التوقيت بالذات مشروع الأعتراف باستقلالية إقليم أرض الصومال. وعدا الفوائد الإستراتيجية العديدة التي تكسبها إسرائيل ثمة “فائدة” بالغة الأهمية لليمين الإسرائيلي وتتعلق بدفع الغزاويين للنزوح عن أرضهم الى أرض الصومال. وهذا ما يشكل محور صراع إضافي مع أردوغان الذي يتحضر للتمركز في غزة وبالتالي تعزيز حضوره على المتوسط إنطلاقا من شاطىء غزة. مع الإشارة هنا الى ما تتناقله أوساط ديبلوماسية حول وجود رغبة تركية بالمشاركة في القوة الدولية المتعددة الجنسيات والتي ستنتشر في جنوب لبنان كبديل عن قوات الطوارىء الدولية.
لكن نتنياهو يريد قبل ذلك إقفال الملف الإيراني. وهو لذلك يحمل معه ملف تجدد “الخطر” الإيراني، وعمل على التمهيد لذلك عبر الأعلام الإسرائيلي، وأيضا عبر بعض الإعلام الأميركي والذي يتأثر بنفوذ اللوبي اليهودي. فإسرائيل تدعي بأن إيران تجري تدريبات واسعة النطاق من خلال استخدام الصواريخ البالستية. وأن هذا الوضع سيجعلها مؤهلة لتحويله في أي لحظة الى هجوم مفاجىء يستهدف إسرائيل، في استنساخ واضح للعقيدة العسكرية السوفياتية والتي كانت ترتكز على تحويل المناورات العسكرية الى هجوم مباغت، تماما كما حصل في حرب العام 1973. كما يتهم نتنياهو إيران بتسريعها في مشروع إعادة ترميم قدراتها الصاروخية البالستية وبأعداد وأحجام كبيرة. كذلك إعادة بناء القدرات العسكرية للحوثيين في اليمن، وترتيب عمليات تهريب أسلحة الى الضفة الغربية للقيام بهجمات داخل إسرائيل، كما السعي باستمرار لتزويد حزب الله بالسلاح إضافة الى تنظيمات مسلحة في سوريا. ووفق ما تقدم يمكن الإستنتاج بأن نتنياهو سيركز مطالعاته على أساس أن إيران تعمل فعليا على إعادة ترميم “محورها” القديم برمته، ما يهدد بإجهاض النتائج التي تحققت خلال الحرب الأخيرة.
لكن من الواضح أن الرئيس الأميركي ليس متحمسا لإعادة فتح باب الحرب على إيران في الوقت الراهن، رغم أنه يصعب الجزم بالموقف النهائي الذي سيتخذه. ذلك أن تجربة الماضي القريب تدفع لعدم الركون الى المواقف المعلنة. فترامب كان يعلن سابقا تفضيله الحل السلمي والعودة للمفاوضات حول الملف النووي الإيراني، لكن وعند دنو لحظة الحقيقة، لم يكتف ترامب فقط بإعلانه دعم الحرب الإسرائيلية على إيران، بل شارك فيها بشكل مباشر عبر قصف الطائرات الأميركية المنشآت النووية الإيرانية. إلا أن الثابت بأن واشنطن ترفض مجاراة إسرائيل بالسعي لإسقاط النظام الديني القائم، لا بل أنها تقف ضد هذا الخيار بحزم. ولذلك أسباب عدة أهمها عدم وجود بديل مقنع ومناسب. وواشنطن تدرك بأن لنتنياهو مصلحة في الإبقاء على حالة الحرب في مختلف جبهات المنطقة، كون ذلك يخدم مصالحه السياسية والشخصية. ألم يكن كلام وزير الدفاع يسرائيل كاتس كافيا حول عدم وجود نية إسرائيلية للخروج من قطاع غزة وعن عزم إسرائيل إقامة منطقة أمنية عازلة؟ ولذلك يعمد نتنياهو لتوجيه ضربات فجائية في غزة بهدف تفجير الأوضاع، وفي الوقت نفسه يعمل على إبقاء جبهة لبنان مفتوحة عبر الإغتيالات اليومية. وبذلك هو يعمد الى تكريس حال حرب مستمرة، ولو وفق وتيرة منخفضة المستوى، من خلال تنفيذ هجمات شبه يومية تؤدي لاغتيال كوادر من حزب الله، الى جانب التهديدات المتكررة باستئناف الحرب الواسعة على لبنان. لكنه يعمد هذه المرة الى التصويب على الجيش اللبناني والمؤسسات الأمنية.
فقبل سفره عمد نتنياهو الى توجيه رسائل ميدانية مرمزة. فعمدت إسرائيل على سبيل المثال الى الإعلان عن اغتيال جندي في الجيش اللبناني اتهمته بأنه ينتمي الى حزب الله. وبعد ذلك تولى أحد المواقع الإسرائيلية والمعروف بارتباطه بالأجهزة الأمنية الإسرائيلية على الترويج عن وجود نسبة عالية من الجنود المرتبطين بحزب الله. كذلك عمدت إسرائيل على اغتيال أحد كوادر حزب الله في الناصرية ويدعى حسين محمود مرشد الجوهري، واصفة إياه بأنه ينتمي الى وحدة العمليات التابعة لفيلق القدس الإيراني (840)، ما يمنحها ذريعة قوية تتحدث عن وجود عناصر لفيلق القدس في لبنان تتولى إعادة ترميم القدرات العسكري لحزب الله. وكذلك أقدم الموساد الإسرائيلي على خطف ضابط متقاعد في الأمن العام اللبناني مدعية وجود علاقة له في ملف طيارها المفقود رون أراد. وقبل ذلك جاءت الإعترافات المصورة لعماد أمهز حول أهداف إيران وحزب الله البحرية. ومن الواضح أن كل ذلك يؤشر الى وجود تحضيرات تهدف للتهيئة لعمل ما.
وفي هذا الوقت فإن ترامب المتمسك باتفاق غزة وعدم خرقه، والذي يوحي بأنه لا يريد العودة الى الحرب مع إيران، ربما لوجود شيء ما في كواليس التفاوض السرية، والمتمسك بضرورة حماية السلطة القائمة في دمشق والتي تتناتشها أزمات داخلية عاصفة، قد يترك الباب اللبناني مفتوحا أمام إسرائيل، خصوصا مع تمسك حزب الله ومن خلفه إيران بعدم الإنتقال الى أي مرحلة إضافية في موضوع نزع سلاح الحزب. وهذا ما دأب على تكراره أمين عام حزب الله الشيخ نعيم قاسم والذي قاله بوضوح وبعبارات قوية وحاسمة لا بل وتحذيرية أمس. وقد يجد ترامب في ذلك دافعا مساعدا لمسايرة نتنياهو.
فالحكومة اللبنانية والتي ستعلن في أول جلسة لها مع انطلاق العام الجديد إنجاز الشق اللبناني من المرحلة الأولى من برنامج حصر السلاح، ستطلب من الجيش الإنتقال الى البدء بتطبيق المرحلة الثانية، وهو ما يرفضه حزب الله. فالإجتماع الذي عقد في باريس ترك الباب مفتوحا “نصف فتحة” أمام عقد مؤتمر دعم الجيش والذي يحتاجه بشدة. والسبب مراقبة ما سيحصل على مستوى البدء بتطبيق المرحلة الثانية. وفي خطة الجيش البدء بتأمين المناطق التي لا تعتبر مناطق نفوذ واحتضان لحزب الله. لكن حزب الله يرفض أي شكل من أشكال المخارج الموضوعة. وهنا تكمن المشكلة والتي سيعتبرها نتنياهو فرصة.
خلال الأيام الماضية وفي مناسبة رفع عقوبات قيصر عن سوريا، نشرت وزارة الخارجية السورية عبر منصة X خارطة سوريا ولكن من دون مدينة هاتاي وهضبة الجولان، وهو ما لم يكن يحصل أبدا في السابق، لا بل كان يشكل عامل نزاع وتوتر مع تركيا من جهة ومع إسرائيل من جهة أخرى. لا بل أن هاتاي والجولان كانتا مدرجتان ضمن الخارطة الرسمية وفي كتب الدراسة وصولا الى النشرات الجوية وجوازات السفر. وهو ما يعني أن ثمة تسويات كبيرة وعديدة تحصل في الكواليس وتطال جوانب جغرافية حساسة ومهمة. وهو ما يستوجب على لبنان التنبه من ارتكاب أخطاء قد تزيد من تفاقم الأوضاع، بدل أن تؤدي الى تحسينها كما يأمل أو ربما يتوهم البعض.


