
في القاموس السياسي الجديد، لم يعد خرق الاتفاقات يُعدّ خرقًا، بل مرونة دبلوماسية، ولم يعد احترام التعهّدات فضيلة، بل سذاجة وطنية تستحق العقاب.
عندما تحترم الاتفاق حتى آخر فاصلة، الطرف الآخر يدوسه بحذائه العسكري أو السياسي و المالي، فهذا لا يُسمّى تفاهمًا… بل استقواءً فاجرًا مبنيًا على قناعة أن الطرف الملتزم أضعف من أن يردّ، وأجبن من أن ينسحب، وهو أحرص على الصورة والبرستيج أكثر من الحقيقة.
أما الكارثة الحقيقية، فهي حين لا يكتفي الطرف المستقوي بخرق الاتفاق، بل ينتقل إلى مرحلة أرقى من الوقاحة:
يبدأ بإملاء الشروط، وتوزيع الأدوار، وتكليفك بمهام إجرائية تحت عنوان السيادة… كلّها تصبّ في مصلحته هو، وتُقدَّم لك على أنها واجبات وطنية.
وهنا نخرج من منطق السياسة، وندخل رسميًا في نظام السُّخرة بالاستقواء:تعمل، تنفّذ، تتنازل، تضبط، وتُحاسَب إن قصّرت، بينما هو يخرق، يقصف، يعاقب، ويطالب بالمزيد وربما يطالب ببدل استحمار .
الأكثر سخرية أن هذا المشهد يُسوَّق للرأي العام على أنه ضبط نفس، وتفادي التصعيد وحكمة قيادية، بينما هو في الحقيقة ويدركه الناس انه إدارة هزيمة بالتقسيط، وبيع كرامة الدولة على دفعات، تحت شعار الواقعية السياسية.
في هذا النموذج، يصبح الالتزام ضعفًا، والردّ تهوّرًا، والمطالبة بالحقوق مغامرة غير محسوبة، أما الخضوع فيُمنح لقب مسؤولية وطنية عالية.
وهكذا، لا يعود السؤال: لماذا يخرق الطرف الآخر؟
بل: لماذا سيتوقف، طالما أن الثمن يُدفع من طرف واحد، بلا ردّ، وبلا كلفة؟
هذه ليست دبلوماسية، ولا سياسة، ولا حتى تسوية.
هذا نظام استقواء منظم، تُدار فيه الدول كمعسكرات عمل، وتُختبر فيه كرامة الشعوب بقدرتها على الصمت.


