مقالات صحفية

“حرب اسرائيل ومخاطرها الحقيقية” بقلم الكاتب السياسي جوني منيّر

تقصد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي تأخير إتصاله بنظيره اللبناني العماد جوزف عون للتهنئة بعيد الإستقلال، ليستبق ببضع ساعات موعد وصول وزير خارجيته بدر عبد العاطي الى بيروت. فهو كشف عن جدية إستعداد إسرائيل لقيامها بضربة عسكرية تستهدف حزب الله، وأن عبد العاطي يحمل ملفا مفصلا في هذا الصدد. وهو بذلك أراد إضفاء طابعا جديا للغاية لما يحمله معه وزير خارجيته، إزاء خطورة الأوضاع. وفي برنامج لقاءات عبد العاطي موعدا مع رئيس كتلة حزب الله النائب محمد رعد لإبلاغه أيضا بخطورة الوضع.
قبل أسابيع، وتحديدا نهاية الشهر الماضي، كان رئيس المخابرات المخابرات المصرية حسن رشاد قد قام بزيارة الى بيروت. يومها أرسل رشاد أحد أقرب معاونيه للقاء النائب رعد بصحبة السفير المصري في لبنان علاء موسى. يومها طرح المسؤول المصري ورقة من عدة نقاط قادرة لأن تشكل أساسا لمبادرة سياسية كمخرج للأزمة المتعلقة بسلاح حزب الله. وجاءت هذه الزيارة بعد نجاح مؤتمر شرم الشيخ والذي حضره الرئيس الأميركي دونالد ترامب والذي أنجز اتفاقا من ثلاث مراحل لوقف الحرب في غزة. وجرى وضع المبادرة التي حملها حسن رشاد الى بيروت في إطار استثمار واستكمال الإندفاعة التي حققها اتفاق غزة. واعتقد حزب الله ومن خلفه إيران أن المبادرة المصرية لا بد أن يكون جرى تنسيقها في الكواليس الخلفية مع السعودية، لاسيما وأن أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني كان زار المملكة منتصف أيلول الماضي داعيا المسؤولين السعوديين لفتح أبواب التحاور مع حزب الله. وإثر ذلك أطلق أمين عام حزب الله الشيخ نعيم قاسم دعوة علنية للتحاور مع السعودية. ونقلت جهات عراقية الى قيادة حزب الله لاحقا أن المسؤول الأمني السعودي الأعلى سأل عن مدى جدية حزب الله في دعوته الحوارية حول سلاحه، وجاء جواب حزب الله أنه جدي للغاية. وتزامن ذلك مع المبادرة المصرية ما جعل حزب الله يعتقد بأن التقارب الإيراني_السعودي الحاصل أنتج دفعا حواريا جديدا في المنطقة، وهو سيطال لبنان. لكن “الوسيط” العراقي أبلغ حزب الله لاحقا بأنه لم يحصل أي جديد، وأن الأمور توقفت هنا. كذلك فإن القاهرة حرصت على التأكيد بأن النقاط التي حملها وفدها الأمني الى حزب الله لم تطلع عليها السعودية، ولا علاقة لها بها لا من قريب ولا من بعيد. وعندها تبدد المناخ التفاؤلي الذي كان لفح حزب الله حول إمكانية صياغة مظلة إيرانية_سعودية جديدة فوقق لبنان. وبالتالي فإن القاهرة نفسها والتي لمست معارضة إسرائيلية حول العديد من نقاط مبادرتها، خصوصا تلك المتعلقة “بتجميد استخدام سلاح حزب الله شمال الليطاني”، آثرت وضع ورقتها جانبا وسط تشدد إسرائيلي وأميركي بالتمسك بنزع سلاح حزب الله وليس تجميد استخدامه. واستطرادا فإن المهمة الأساسية التي حملها وزير الخارجية المصري تتركز حول جدية إسرائيل بقرب قيامها بعمل عسكري، وضرورة أن يعمل لبنان على إيجاد حل سريع لأن الوقت ينفذ.
وفي الوقت الذي باشر فيه عبد العاطي جولته في لبنان كان وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس يعلن بأنه في حال لم يتخلى حزب الله عن سلاحه قبل نهاية العام الجاري وهي المهلة التي حددتها واشنطن، فإن إسرائيل ستقوم بذلك بقوتها العسكرية مرة أخرى. وهي ليست الإشارة الإسرائيلية الوحيدة باتجاه الحرب. فهنالك التعبئة الإعلامية اليومية التي تقوم بها وسائل الإعلام الإسرائيلية وبشكل منسق ومنظم، وهنالك خصوصا المواقف الأميركية على مختلف المستويات. وفي هذا الإطار يمكن إدراج عدم صدور أي رد إسرائيلي لا على المبادرة التي أطلقها الرئيس جوزف عون والتي تضمنت خارطة طريق من خمس نقاط، ولا على موافقة لبنان على مفاوضات غير مباشرة مطعمة بمدنيين. الإستنتاج الواضح هو بأن زمن التفاوض وفق المعطيات القائمة حاليا أصبح وراءنا، وأن المرحلة الحالية هي، وفق الحسابات الإسرائيلية، للتحضير لعمليات عسكرية تؤدي لإحداث تغيير جذري في المعطيات الميدانية ما سيسمح لاحقا بتحويلها لمعطيات سياسية جديدة.
والوفود الأميركية التي كانت تزور بيروت كانت تسعى دائما لدفع لبنان باتجاه البدء بمفاوضات مباشرة مع إسرائيل من خلال وفد عسكري وسياسي يمثل القرار الرسمي للدولة اللبنانية. وفي الوقت نفسه كانت إسرائيل ترفع من وتيرة اتهامها للسلطة اللبنانية بأنها تغض الطرف عن إعادة بناء التركيبة العسكرية لحزب الله. وفي الوقت الذي كان فيه لبنان يدعو فيه الأطراف الدولية وعلى رأسهم واشنطن لإجراء معاينة ميدانية تؤكد خلو منطقة جنوب الليطاني من السلاح، كانت التسريبات الأميركية تشير الى أن الحدود اللبنانية ليست مقفلة تماما أمام إعادة تسلح حزب الله، وأن المقصود هنا ليس فقط الحدود البرية بل أيضا البحرية، ولو من دون إعطاء أدلة واضحة في هذا الخصوص.
وبعيدا عن الجدل القائم إلا أنه يبدو بأن القرار بالتصعيد قد اتخذ وأن ما يجري حاليا هو للتمهيد له. ذلك أن ثمة أهداف مطلوبة، ولا يبدو أنه من الممكن تحقيقها إلا عبر الآلة العسكرية.
فهنالك أولا الهدف المتعلق بإخراج النفوذ الإيراني بالكامل من الساحة اللبنانية. وهذا ما يعني تدمير السلاح الذي يحمل الطابع الإقليمي، أي السلاح الثقيل كالصواريخ البالستية والمسيرات المتطورة، والمستودعات التي تشكل بنية تحتية ولوجستية لها. وفي وقت يجري الإشارة هنا الى منطقة البقاع الشمالي فإن اللافت عدم الحديث عن السلاح الخفيف والمتوسط. كذلك يجري العمل على قطع كل شرايين التواصل المالي بين حزب الله وإيران. واللافت في هذا الإطار ما يدور في أروقة حركة حماس، حول وجود نقاش داخلي يقضي بتحويل حماس الى حزب سياسي ضمن إطار مصالحة فلسطينية شاملة. وهو ما يعني خلق هيكلية تنظيمية داخلية جديدة تتناسب مع الدور السياسي البحت. وهو ما يشكل نموذجا متقدما لما يجري طرحه على حزب الله.
والهدف الثاني وهو تثبيت المنطقة الحدودية العازلة، والعمل على جعل كامل منطقة جنوب الأولي منطقة منزوعة السلاح بالكامل. وهنا يصبح مخيم عين الحلوة من ضمن المشروع المطروح. ولفت في هذا الإطار ما يجري ترويجه حول وجود تفاهم لإستعانة حزب الله بمقاتلين فلسطينيين من حركة حماس.
والهدف الثالث هو ما أشار إليه كاتس بالأمس ويتعلق بالحدود البحرية، واستطرادا بالثروة الغازية في البحر، وما يطرح حول شراكة إقليمية لإدارة هذه الثروة وتصديرها وتضم إسرائيل وتركيا ومصر وقبرص ولبنان وربما سوريا. وهذا التعاون يستلزم وجود تعاون وتفاهم سياسي، أي اتفاقات سلام وشراكة بين الأطراف.
وهنا يأتي الهدف المتعلق بحصول مفاوضات لبنانية_إسرائيلية مباشرة، من خلال وفدين سياسيين رسميين، وهو ما ظهر صعوبة تحقيقه حاليا. وبالتالي فإن العملية العسكرية الإسرائيلية ستحاكي في بعض جوانبها كيفية ترتيب نتائج سياسية لها، ربما من خلال إجراء تعديل في الإطار والسلوك السياسي القائم.
ووفق ما تقدم يظهر جليا وجود مشروع كبير يحتم الذهاب الى تسخين الوضع، بهدف فرض معادلات ميدانية جديدة، تسمح بسلوك هذا المسار.
وعند الضفة الأخرى يبدو أن حزب الله بدأ يعي جدية الذهاب الى المواجهة العسكرية مرة جديدة. وجاءت عملية إغتيال رأس الهرم العسكري عنده لتطرح العديد من علامات الاستفهام. فالعملية تشكل مؤشرا متقدما لسلوك درب المواجهة العسكرية بدل سلوك دهاليز المفاوضات والتسويات والتي كان يأمل بها. ولا شك بأن قيادة الحزب تعيد مراجعة “ثغراتها” الأمنية من جديد. ويقال بأن قيادة الحزب تضع أمامها حتى أسوأ الإحتمالات، كمثل تجديد إسرائيل لتنفيذ خطتها خلال الحرب الماضية من زاوية استهداف قياداتها في أول موجة جوية، على ألا تقتصر هذه المرة على القيادات العسكرية بل أيضا السياسية.
كذلك ثمة احتمالات مرتفعة باستهداف بعض المواقع والمؤسسات الرسمية اللبنانية، وهو ما تؤشر إليه التهديدات المتتالية للسلطة اللبنانية. أضف الى ذلك احتمال عزل بعض المناطق المستهدفة من خلال ضرب الطرق والجسور التي تصلها بالمناطق المجاورة.
ولإسرائيل أهداف أبعد مما تريده واشنطن، في هذه المرحلة على الأقل. فإذا كانت إدارة ترامب توافق حكومة نتنياهو على النقاط التي جرى ذكرها آنفا، إلا أن للحكومة الإسرائيلية اليمينية أهداف أبعد تسعى لتحقيقها ضمن ما تعتبره الفرصة التاريخية والتي لن تتكرر. فنتنياهو المحاصر داخليا والذي يعمل على تجنب فتح ملف المسؤوليات لما حصل في السابع من أوكتوبر، يواجه تخوينا داخليا بأنه خضع لمشيئة واشنطن ووافق على تسوية في غزة لا تلحظ تهجير الفلسطينيين منها الى الأبد. وهو ما يدفعه أكثر فأكثر للهروب باتجاه حرب في لبنان، ولكن في الوقت نفسه للتأسيس لواقع يسمح في وقت غير بعيد بتغيير الحدود الجغرافية القائمة إن في سوريا او في لبنان. وهو مشروع اليمين الإسرائيلي بتفكيك الدول المجاورة وإعادة تركيبها وفق عبارة توم براك الشهيرة، على واقع عشائري ومذهبي وطائفي إلخ….. رغم أن إدارة ترامب لا توافق على الذهاب بهذا الإتجاه الآن.
ففي الوقت الذي تعمل فيه إسرائيل على استمالة العلويين في سوريا وانتزاعهم من الحضن الإيراني، فهي تعمل على استثمار النزاعات الدموية والطائفية الحاصلة لتوظيفها في مشروع التفتيت الذي تسعى إليه. وها هم العلويون ينضمون الى الأكراد والدروز في المطالبة بحكم لامركزي ترفضه دمشق لخشيتها من تحقيق تقسيم البلاد لاحقا. ويعتقد المراقبون أن التظاهرات التي خرجت في الساحل السوري يوم الثلاثاء الماضي لم تكن عفوية بالكامل، وإنما تندرج في سياق حراك متصاعد للأقليات، وهو ما شهدته محافظة السويداء سابقا. وكان معبرا جدا أن تعقد لجنة الخارجية والأمن في الكنيست الإسرائيلي جلسة لمناقشة أوضاع الدروز في سوريا بحضور الشيخ موفق طريف. وحضر الجلسة والتي تحولت الى سرية ممثلون عن مجلس الأمن القومي والجيش ووزارة الخارجية.
وهو ما يعني وجود خشية حقيقية من أن تعمد إسرائيل ومن خلال الضربة التي تحضر لها في لبنان، أن تؤسس لواقع تفتيتي على المستوى اللبناني الداخلي الهش. وكما كانت الدماء سبيلا لتفكيك النسيج السوري، أكان مع الدروز في السويداء جنوبا، أو مع العلويين عند الساحل السوري، أو مع الأكراد شمالا من خلال المواجهات مع قسد، فإن إسرائيل تدرك جيدا أن الصراعات الداخلية الدموية تؤسس لتمزيق هذا النسيج المهترىء أساسا. ما يستوجب التحوط من احتمال دفع اسرائيل خلال عمليتها العسكرية من استدراج الداخل اللبناني لأعمال دموية هدفها التأسيس لتفتيت لاحق يعززه مسار تاريخي مثقل بالجراح والمآسي.
عسى أن تشكل زيارة رأس الكنيسة الكاثوليكية الى لبنان عامل تعزيز لمنسوب المناعة الداخلية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى