
تأخذ الأوساط اللبنانية بكافة تنوعها، التهديدات الأسرائيلية والتحذيرات الأميركية على محمل الجد. لكن حزب الله، وعلى الرغم من اتخاذه إجراءات داخلية جدية لمواجهة اندلاع حرب جديدة، إلا أنه يراهن على احتمال أن تكون هذه التهديدات في إطار الضغوط وتماشيا مع المرحلة القائمة. ولذلك وصف أمين عام الحزب الشيخ نعيم قاسم الوضع بأن احتمال شن إسرائيل أعتداء هو احتمال جدي وموضوع على الطاولة ولو أنه ليس حتمي.
وقد يكون تقييم حزب الله نابع من عاملين إثنين: الأول إيراني بطبيعة الحال، ويتعلق بالحركة الناشطة في الكواليس مع طهران، وهو ما أدى الى ولادة إتفاق غزة. وما تزال عبارات الشكر التي وجهها الرئيس الأميركي دونالد ترامب الى إيران من على منبر الكنيست تطن في آذان المسؤولين الإسرائيليين.
والثاني، وله علاقة بالتواصل المباشر الذي أقامته القاهرة مع حزب الله، وتردد أيضا أن مسؤولين إماراتيين أجروا تواصلا مشابها. وجرى خلال التواصل المصري مع قيادة حزب الله عرض الواقع الجديد في المنطقة إثر اتفاق غزة، والخارطة التي تتجه إليها المنطقة. كما جرى استعراض اتفاق غزة، وجرى استنساخ العديد من نقاطه للوصول الى إتفاق يتعلق بلبنان. وهو اتفاق من عدة مراحل ولكنه يرتكز على نقطتين أساسيتين: الأولى وتلزم أسرائيل بوقف جميع اعتداءاتها وخروقاتها وتنفيذ انسحابها الكامل من جنوب لبنان وإطلاق سراح الأسرى اللبنانيين، والثانية بالإتفاق على نزع سلاح حزب الله ولكن بعد تنفيذ إسرائيل لإلتزاماتها، وعلى أن يلي ذلك ضمان أعادة إعمار الجنوب.
لكن حزب الله والذي شعر بأن طيف السعودية كان يلوح خلف الحركة المصرية، إعتبر أن باب التفاوض بدأ يفتح، وأن مسارا جديدا بدأ يشق طريقه بعد أن ظهر للجميع بأنه لا يمكن الذهاب أبعد مما حصل. وعليه، فإنه يمكن أن تكون حسابات حزب الله تتركز على كيفية صياغة معادلة جديدة في لبنان، تأخذ في عين الإعتبار المتغيرات التي حصلت، ولكن مع التمسك بالأوراق المتبقية. وهو ما يعني الإقرار بأن المعادلة الماضية والتي عرفت بمعادلة “محور المقاومة” أصبحت من التاريخ. فحركة حماس في غزة أجرت اتفاقا كاملا مع إسرائيل، ما يعني بأن خط التماس الذي كان قائما على الساحة الفلسطينية لم يعد موجودا. كما أن خط التماس الذي كان قائما في جنوب لبنان، تم إزالته أيضا من خلال إتفاق وقف إطلاق النار في لبنان، والذي لحظ إخلاء كامل منطقة جنوب الليطاني من السلاح. كما أن الركيزة التي قام عليها “محور المقاومة” على مستوى المنطقة قد ضربت مع اغتيال السيد حسن نصرالله. وهذا ما استدعى قيام قيادة حزب الله بإعادة تقويم شاملة لكامل الوضع، وحيث يجري صياغة مشروع جديد لحزب الله يرتكز على المستوى اللبناني الداخلي البحت، ولكن من دون التفكير حتى بتسليم السلاح. وهذا المشروع السياسي الجديد سينبعث بشكل أوضح مع الذهاب الى إقرار الإستراتيجية الدفاعية للبنان. أي أن تشكل التركيبة العسكرية القائمة لحزب الله جسما مساعدا للجيش اللبناني ولكن وفق هيكلية مستقلة عنه وتحت مظلة الدولة اللبنانية. وقد يكون حزب الله يرى في إمكانية حصول مفاوضات مع السعودية، ستواكبها إيران عن قرب من دون أدنى شك، من أجل إعادة صياغة معادلة إقليمية تظلل الساحة اللبنانية.
لكن ما بين الهدف الفعلي للمبادرة المصرية والذي يرتكز على حتمية إنهاء التركيبة العسكرية لحزب الله وبين سعي حزب الله ومن خلفه إيران للمحافظة على الحضور العسكري ولو تحت سقف الدولة اللبنانية، فإنه من الواضح أن ثمة تباعدا كبيرا حاصلا، وأن المسافة الفاصلة ما تزال بعيدة، لا بل بعيدة جدا. أضف الى ذلك أن الحسابات الإسرائيلية تختلط فيها المحظورات الإقليمية مع الموجبات الداخلية والتعقيدات الإنتخابية، وهو ما يدفع للذهاب الى السخونة العالية. فنتنياهو المجروح من اتفاق غزة، والذي بدأ يسمع إرتفاع الأصوات الداخلية المطالبة بتحديد مسؤوليات “كارثة” السابع من أوكتوبر، وسط بدء العد العكسي لموعد الإنتخابات، لا يبدو أنه يرى سبيلا غير الأندفاع في الحرب. وفي أي حال فهو لم يعلن أبدا إنتهاء الحرب، لا بل على العكس، ولبنان يبقى الساحة المفتوحة أمامه.
ووفق الإستطلاعات الإسرائيلية المتلاحقة، فإن الإنقسام الذي كان حاصلا إزاء استمرار الحرب في غزة، ينقلب الى تأييد الأغلبية لتوجيه ضربة عسكرية في لبنان. وكانت إشارة معبرة جدا عندما دعا زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد الى ضرورة شن عملية عسكرية قوية ضد حزب الله. في العادة فإن موقف زعيم المعارضة يكون مناهضا لتوجه رئيس الحكومة، تماما كما كانت الصورة في غزة. وبالتالي فإن تطابق موقفه معع موقف نتنياهو تجاه حزب الله إنما يؤشر على وجود توجه إسرائيلي داخلي جدي. وجاء موقف لابيد بالتزامن مع إعلان رئيس الأركان إيال زامير بأن الحرب بأن الحرب لم تنته ويجب خوضها مجددا لتكريس الإستقرار على الجبهات. كما زار وفد عسكري أميركي من قيادة المنطقة الوسطى إسرائيل واطلع على كل الإجراءات التي يتخذها الجيش الإسرائيلي تحضيرا لهذه المواجهة. إذا هنالك شيء جدي يجري التحضير له على المستوى العسكري تجاه لبنان، ويتولى الموفد الرئاسي الأميركي توم براك إرسال إشارات الإنذار بشأنه.
لكن السؤال هو طالما أن حزب الله يريد تعديل مساره، وهو يتجه لتركيز حركته داخليا بدل المروع القديم “محور المقاومة”، فلماذا تريد إسرائيل الإستمرار في سعيها لضرب هذا السلاح؟ وتجيب مصادر ديبلوماسية، بأن إسرائيل لا تأمن لمفاجآت وتطورات المستقبل. فطالما أن الترابط سيبقى قائما بين حزب الله وإيران من خلال التركيبة العسكرية للحزب، فهذا يعني أن المقصود تمرير الوقت وصولا الى الرهان على تبدل المعطيات مستقبلا لاستعادة خطوط التماس مع إسرائيل من جديد. أضف الى ذلك فإن إيران تريد أن تبقي لها موطىء قدم ونفوذ في منطقة شرق البحر المتوسط حيث الثروة النفطية، ووسط صراع ما زال مكبوتا بين إسرائيل وتركيا وقبرص ومصر واليونان. وتضيف هذه المصادر بأن النفوذ الإيراني لتمرير الترسيم البحري بين لبنان وإسرائيل وفق الخط 23 أدى الى جعل إدارة جو بايدن تسمح بغض النظر عن رفع كمية النفط الإيراني المهرب عبر السوق السوداء الى أربعة أضعاف من الكمية التي كانت قائمة قبلا. وهو ما يعني أن ترك النفوذ الإيراني موجودا وقويا في لبنان، وهذه المرة عبر وضع أطر شرعية له لن توافق عليه واشنطن، وبطبيعة الحال إسرائيل. واستطرادا فإن السعودية التي باتت المرجعية الإقليمية للبنان، لا توافق على منح الشراكة لخصمها اللدود، والمقصود هنا إيران طبعا.
أضف الى ذلك أن إسرائيل تريد أوراقا سياسية من لبنان، كمثل الذهاب الى مفاوضات تكرس في النهاية واقع السلام، ولو من دون التطبيع. وبخلاف الإنطباع السائد لدى البعض، فإن حرب غزة أكدت بأن “السلام الإبراهيمي” هو متين وثابت. فعلى الرغم من أهوال المجازر التي حصلت لم يسجل أن طرأت أي شائبة سلبية على اتفاقات التطبيع التي حصلت. وحتى قصف قطر لم يسجل أي إهتزازات أو آثار سلبية على هذا المستوى. فالرحلات الجوية اليومية العديدة استمرت، وتواصلت المشاريع المشتركة في مجال الطاقة المتجددة وتحلية المياه، والتنسيق الأمني بين إسرائيل والإمارات بقي قويا وهو ساهم ومن دون ضجة في إحباط تهديدات خطيرة . وكما اختبر الغزو الإسرائيلي المحدود لجنوب لبنان عام 1978 مدى صمود إتفاقية كمب ديفد بين مصر وإسرائيل، فإن حرب غزة إختبرت قدرة الإتفاقات الإبراهيمية على الصمود. وهذا ما سيشجع واشنطن وتل أبيب على المضي قدما في استكمال مسار هذه الإتفاقات.
وجاء الإستفتاء الإنتخابي الأميركي المبكر والصادم لترامب ليلعب لمصلحة نتنياهو. فالرئيس الأميركي بات بحاجة أكبر لمساعدة “حليفه” المفترض، وبالتالي ترك هامش عمل أوسع له ليفوز في الإنتخابات الإسرائيلية، عل ذلك ينعكس إيجابا عليه أميركيا.
وكي لا نستعجل الإستنتاجات المبسطة للنتائج الإنتخابية في الولايات المتحدة، فإن معاني ما حصل لا تنحصر في وجهة واحدة. في البداية فإن ما حصل أظهر عدم رضا الأميركيين على سلوك ساكن البيت الأبيض خلال عشرة أشهر من لايته الثانية، وهي قد تكون “بروفا” لمحاسبة أوسع وموجعة أكثر في الإنتخابات النصفية بعد سنة من الآن. صحيح أن الصفعة الكبرى جاءت من نيويورك خصوصا وأن ترامب أقحم نفسه وتورط بشكل مباشر بالحملات الإنتخابية. لكن نيويورك مدينة ديمقراطية الهوى على الدوام، وهي معقل ديمقراطي كبير. لكنها أيضا عاصمة المال العالمية، ويعتبر اللوبي اليهودي من أكثر المؤثرين بها. لدرجة ترددت أخبار لم تتأكد بعد بأن قسما من اليهود عمل لصالح إنجاح زهران ممداني ليصبح أول مسلم لرئيس بلدية عاصمة المال العالمية. وإذا صح ذلك، فمعناه أن ثمة صفعة أراد هؤلاء توجيهها لترامب أكثر منه لدعم ممداني.
وفي الوقت نفسه فإن فوز ممداني الإشتراكي المنتمي الى الحزب الديمقراطي يؤشر الى صراع يدور بين الأجنحة المختلفة داخل الحزب الديمقراطي، ما بين المحافظين والذين استمروا بدعم أندرو كومو وبين الجناح اليساري أو ما بات يعرف بالجيل الجديد. وكان صادما أن يظهر استطلاع لموقع أكسيوس أن 67% من طلاب الجامعات الأميركية ينظرون بإيجابية الى الإشتراكية في مقابل 40% ينظرون بإيجابية الى الرأسمالية. لكن النتيجة التي أزعجت ترامب أكثر تلك التي ظهرت مع استطلاع روترز وإيبسوس بأن 57% من الأميركيين باتوا لا يوافقون ترامب على إدائه في الحكم. وهو ما يعني أن نتائج الإنتخابات والتي لا تؤثر بشيء على مستوى السلطة الفدرالية، إلا أنها تعطي إنذارا صعبا لترامب والجمهوريين من خسارة قاسية قد تلحق بهم في الإنتخابات النصفية بعد عام، ما سيفقدهم الأغلبية في الكونغرس.
وما يهمنا من كل ذلك أن فريق ترامب قد يضطر لإطلاق يد نتنياهو أكثر في الشرق الأوسط، والساحة المفتوحة أمامه الآن هي الساحة اللبنانية. وهنا تصبح تحذيرات توم براك أقرب لأن تكون إنذارات.


