مقالات صحفية

“العاصفة تهب مرتين” بقلم الكاتب السياسي جوني منيّر

منذ دخوله العريض الى المنطقة وتسلمه الملفات الحساسة في سوريا ولبنان كموفد للرئيس الأميركي دونالد ترامب، وتوم برام ينشر العواصف بسبب مواقفه الصادمة والمثيرة للجدل. هكذا بدأ مع نعيه لسايكس بيكو وحاجة المنطقة لترتيب واقع جديد يرتكز على الإنتماء العشائري والطائفي والقومي، ورعايته لآلية سريعة سمحت باحتضان يكاد يشبه التبني السياسي، لسلطة الرئيس السوري أحمد الشرع.
لكن في الملف اللبناني لم تجر الأمور بالسلاسة نفسها التي سارت عليها في سوريا. فمن جهة عانى دوره من منافسة “داخلية”، والمقصود هنا الدور الذي تولته مورغان أورتيغاس والذي شهد “إقصاء” مرحليا قبل أن تعود لتتولى دورها، ومن جهة أخرى لم تحقق جهوده أي تقدم ملحوظ وهو الذي اعتبر لبنان كمنتجع بحري لسوريا. ومما لا شك فيه أن تحذيره كان على سبيل ممارسة الضغوط، لكنه لم يكن موفقا في تحذيره. ومع “خروجه” من مهامه اللبنانية تمهيدا لحصر الملف اللبناني بين ثنائية أورتاغوس والسفير الأميركي الجديد ميشال عيسى، ظهر أن حكومة نتنياهو فضلت التعاطي لبنانيا من خلال أورتاغوس وليس من خلال براك، بسبب مآخذ لها على الدور الذي يلعبه في الملف السوري، والذي يميل لمراعاة تركيا بعض الشيء. ربما لأجل ذلك بدا براك أكثر تحررا في مقاربته للملف اللبناني، فلم تعد قيود مهمته تكبله. ولكن لا يمكن التعامي عن أن مواقفه الصادمة تجاه الوضع في لبنان، والتي بدأت منذ حوالي الأسبوعين من خلال تغريدته المطولة، إنما تعكس النبض الحقيقي لإدارة ترامب حيال الملف اللبناني. فمنذ التوصل لتسوية وقف الحرب في غزة باشر بنيامين نتنياهو استدارته باتجاه لبنان، ولكن الأهم هو وجود تفاهم ما مع الإدارة الأميركية.
ومع سلسسلة مواقفه التي بدأها منذ أسبوعين ووصولا الى مواقف منتدى المنامة، طرأ عنصر جديد على السردية الأميركية، والتي باتت تطال الدولة اللبنانية أو ضمنا السلطة اللبنانية. فهو صنف لبنان بأنه دولة فاشلة وبأن حزب الله أقوى من الدولة خدماتيا وعسكريا، وأضاف بشيء من التهديد المبطن بأن إدارته لن تتورط أكثر في الوضع مع منظمة إرهابية ودولة فاشلة. ولم ينسى تكرار تحذيره بأنه لم يعد هناك متسعا من الوقت. وقبل ذلك ومع التغريدة المطولة منذ أسبوعين كان براك قد ألمح وبأسلوب خبيث الى احتمال تجدد الإحتجاجات في الشارع كما حصل في 17 تشرين 2019. وبعد كلام براك جاء كلام وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس الذي قال محذرا بأن حزب الله يلعب بالنار ورئيس لبنان يماطل. وما بين الموقفين حلقت المسيرات الإسرائيلية على علو متوسط فوق قصر بعبدا والسراي الحكومي مرات عدة. الواضح أن ثمة ترتيبات مريبة يجري تحضيرها في الكواليس. وفي إشارة إضافية، فإن أورتاغوس والتي أحاطت جولتها بحصار إعلامي محكم، كان لها كلام مكتوب ومحضر بعناية، وجرى نشره عبر بيان رسمي صادر عن السفارة الأميركية، ويتضمن بوضوح مهلة الشهرين كحد أقصى لإنهاء ملف سلاح حزب الله عن كامل الأراضي اللبنانية وليس فقط لمنطقة جنوب الليطاني. وفي البيان عينه أشادة متكررة بالجيش اللبناني، ولكن من دون التطرق الى الحكومة اللبنانية ودورها.
في الواقع لا تبدو الأجواء الصادرة من العاصمة الأميركية صافية أو مريحة. فهنالك ما يشبه التفهم لما يخطط له نتنياهو تجاه لبنان، وعلى عكس التنافر الحاصل بين ترامب ورئيس الحكومة الإسرائيلية بسبب غزة والضفة الغربية. ووفق زوار العاصمة الأميركية فإن الإنطباع الغالب بأن الحلول في لبنان لا يمكن أن تأتي إلا على الساخن، وانسجاما مع نظرية ترامب بالتفاوض عبر القوة، ووفق مبدأ إيجاد توازن دقيق بين القوة العسكرية والتحرك الديبلوماسي. ووفق المتعاطين بالملف اللبناني في واشنطن فإن قناعة ما بدأت تترسخ بأن البرنامج اللبناني توقف هنا، وبأن أي خطوات جدية جديدة قد لا تحصل في الأفق المنظور. وهذا الكلام يحمل تأييدا ضمنيا للتوجهات التي يطرحها نتنياهو، والتي يحتاجها بقوة بسبب مشاكله الداخلية الحادة. وستشكل مهلة الشهرين مساحة زمنية مناسبة لتمرير بعض الإستحقاقات قبل التوجه الى الحلول الحربية التي يدعو إليها نتنياهو. فهنالك تمرير المرحلة الثانية من إتفاق غزة، وهنالك أيضا زيارة رأس الكنيسة الكاثوليكية الى لبنان، وهنالك زيارتين مهمتين الى البيت الأبيض الأولى للرئيس السوري، ومن بعدها زيارة ولي العهد السعودي. كذلك فإنه مع مطلع العام الجديد سيبدأ التحضير لمحاكمة نتنياهو بتهم الفساد، أضف الى ذلك دعوات لفتح تحقيق رسمي لتحديد المسؤوليات عن كارثة السابع من أوكتوبر. والأهم أن كل ذلك سيحصل مع افتتاح مرحلة الحملات الإنتخابية وسط تراجع أرقام الإئتلاف الحكومي اليميني. مع الإشارة هنا الى أن نسبة لا بأس بها من سكان المستوطنات الشمالية ما تزال ترفض العودة الى منازلها بسبب عدم ثقتها بالأوضاع الأمنية. والأهم أن حركة الهجرة المعاكسة، أي من إسرائيل الى الخارج ما تزال قائمة وبمعدل لافت، وهو ما يعني تراجع الثقة بديمومة الكيان القائم. كل تلك العوامل تجعل من مهلة الشهرين التي تحدثت عنها أورتاغوس، أو الهامش الزمني الضيق والذي أشار إليه براك، مرحلة تحضير لتطورات أكبر مع انطلاق العام الجديد.
وقد تكون الظروف الأميركية الداخلية مساعدة لإطلاق يد نتنياهو، وفق ما يشتهيه. فيوم غد الثلاثاء سيتوجه الناخبون الأميركيون الى صناديق الإقتراع لاختيار المجالس التشريعية للولايات الخمسين، إضافة الى بعض المواقع المهمة، ولو أن طابعها داخلي وليس فدرالي. وصحيح أنه لا يوجد أي تأثير لنتائج هذه الإنتخابات على الحكومة الفدرالية في واشنطن، إلا أنها ستشكل ما يشبه الإستفتاء على شعبية الحزب الجمهوري بعد حوالي تسعة أشهر على عودة ترامب الى البيت الأبيض، وقبل عام من الإنتخابات النصفية للكونغرس والتي تشمل جميع مقاعد مجلس النواب ال435 إضافة الى ثلث مقاعد مجلس الشيوخ. وفترة الأشهر التسعة للولاية الثانية لترامب كانت حافلة بالمواجهات والإهتزازات، أضف الى ذلك أن الواقع الإقتصادي الذي التزم بتحسينه، بقي متراجعا وموضع شكوى لدى الأميركيين.
وفي إشارة إضافية للرؤيا المشوشة للسياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط، فإن ترامب تراجع في اللحظات الأخيرة عن تعيين جويل رايبورن في موقع مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى. وأهمية ما حصل يعود الى التفسيرات التي أعطيت، والتي ردت ذلك الى مطالبة رايبورن بوضع سياسة واضحة مع أهداف استراتيجية محددة تجاه الشرق الأوسط، لتشكل مرتكزا لعمله وتستند عليها المؤسسات الأخرى المعنية، مثل وزارة الدفاع والأمن القومي وغيرهما. لكنه جرى تفسير رفض ترامب لذلك بأنه يريد أن يترك هذه النقاط غامضة لتأمين نجاح المفاوضات التي يقوم بها. ذلك أن إحدى نقاط قوته التفاوضية بأن لا أحد قادر على توقع خطوته التالية، والتي يمكن أن تكون صاروخا أو ربما قبلة. وهو ما يعزز نجاح قدرته التفاوضية. وهذا ما ينطبق بدوره على الوضع في لبنان.
وتأتي زيارة وكيل وزارة الخزينة الأميركية لشؤون مكافحة الإرهاب والإستخبارات المالية جون هيرلي الى بيروت في إطار جولة على المنطقة، لاستكمال الضغوط القصوى بهدف قطع ما تبقى من شرايين التواصل المالي ما بين إيران وحزب الله. وتحصل هذه الزيارة وسط انضمام الإعلام الأميركي الى وسائل الإعلام الإسرائيلية في التركيز على استعادة القدرة العسكرية لحزب الله، ما يؤشر الى البدء بتحضير الأجواء تمهيدا لعمل حربي يجري التمهيد له وتبريره مسبقا. ولكن السؤال الأساسي يبقى حول الهدف السياسي المطلوب كنتيجة لأي عمل عسكري. فإلى جانب الهدف المعلن بضرب القدرة العسكرية لحزب الله، لكن ثمة هدف سياسي كبير لا بد من وضعه، فما هو؟
هنالك من يعتقد بأنه من الخطأ الإعتقاد بأن ترامب ونتنياهو يتعاملان مع جبهات الشرق الأوسط من زاوية إنهاء حروب وملفات عسكرية، فالأصح إعتبار ذلك كبداية لفصل استراتيجي جديد. ومن هذه الزاوية يجب النظر مليا الى ما يجري تخطيطه للبنان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى