مقالات صحفية

“كونوا يقظين…تهيأوا واتعظوا” بقلم الدكتور أنطون حداد

رمى نهار الاحد بثقله على ما عداه من الاحداث ، لا على الساحة المحلية والاقليمية وحسب ،إنما على مستوى العالم وتناقلت المحطات العالمية الحدث ومشاهد الحدث ماديا” ومعنويا” ، وحضورا” نوعا” وكما”.
كعادتها، لطالما كانت المقاومة وستبقى تحت مجهر الاعداء ترقبها العيون في ادق تحركاتها ، وحتى في مراقبة أدق تفاصيل كلمات كان ينطبق بها السيد الذي كان كالعادة سيد الحدث ، كيف لا وهو الذي. شغل العالم وارق العدو وجمهوره الذي بات يدوزن تحركاته وتفاصيل حياته على وقع خطب العدو الصادق حسن نصرالله الذي ضرب مصداقية قادة الكيان المحتل فبات مرجعهم في تقصي الحقائق لا من وضعوا ثقتهم بهم من ساسة وجنرالات حرب.
استشهد السيد بعد الاستهداف الكبير لمقر القيادة في الضاحية الجنوبية ومعه ثلة من الصف الاول وعلى رأسهم خليفته ورفيق دربه هاشم صفي الدين ليكمل مشهد مجزرة تفجير “البايجر” التي قضت مضاجع السيد والحزب ففقد توازنه وأفسح في المجال لأخطاء فتحت شهية العدو على القتل والتدمير بلا هوادة ليقلب مشهد الانتصار الساحق على العدو الذي انهارت جبهاته الداخلية والعسكرية تحت ضربات الطوفان والاسناد .
المتتبع والمواكب لقوة المقاومة وصلابتها وجهوزيتها العالية بما فيها الاستخباراتية والمعلوماتية والتكنولوجية ميقن انه لا يمكن أن تتأثر أو تنهار تحت وطأة أي حدث وهي التي كانت تنتشر في سورية ولبنان ولا تستعمل نصف قوتها في كل الاحداث التي سبقت، بما فيها حرب تموز الانتصار الساحق على العدو ( دفاعيا”)، وقد تكرر مضاعفا” زمنيا” ( 66 يوما” بدلا” من 33 يوما” إبان عدوان تموز) مدعوما” بالبحرية الاطلسية العسكرية المباشرة والاستخباراتية واللوجستية. حصل ما سبق ذكره من خسائر ما كانت لتحصل لو فك لجام خيالة المقاومة لتهاجم وتحتل وتدير المعركة على أرض التي أقام عليها العدو مستوطناته في الجليل وقد حولتها المقاومة خلال عام من الاسناد الى مدينة أشباح ما زال المستوطنون يرفضون العودة اليها بعد اربعة اشهر من الهدنة وتشكل العائق المؤرق والدافع المحفز لنتنياهو للمضي قدما” على طريق الموت في تثبيت نقاط له هي في الواقع رغم ما تقدم من سيطرة ميدانية على نقاط استراتيجية، إلا انها ليست سوى ستارا” من وهم على إخفاق في تأمين منطقة عازلة وغير مأهولة حتى الليطاني ثم استيطانها في الخطوة التالية وهذا ما كشفته مخيلات وذهنيات اليهود المريضة الذين تعلموا ويعلموا ابناءهم أن لبنان أرض لهم وفي هلوساتهم يبيعون عقارات ويبنون أوهام سكناهم الجديدة.
اذا” اقيم مهرجان تشييع الامينين على وقع هذه الاحداث والمعطيات .
مهمة تكن المواقف والاراء الحدث تم والتشييع نجح ولم يكن متوقعا” اكثر أو أقل من ذلك فصاحب المناسبة ورفيقه الامين ، ولم يكن هذا بحد ذاته المنتظر فلا الزيادة تزيد في قدر الرجال ولا قلتها تقلل من ذي القدر , بقدر ما كانت تنتظر الدلالات والتباشير وطبيعة الضربة التي تلقتها على الرأس ومدى خطورتها.
سجلت خلال هذا النهار عدة ملاحظات أو نقاط يجب التوقف عندها منها:
اولا”: في ما خص الداخل:
1_ أشارت هذه التظاهرة القومية والوطنية الى :
أ_ أن المقاومة ما زالت وحدة متماسكة بين مكوناتها قيادة وكوادر مجاهدة وجمهورها ، ولم تزدها الظروف التي مرت سوى تماسكا” وإصرارا” وأظهرت لحظة مرور طائرات العدو فوق الاحتفال أن وجوده يزيد هذه الساحة تماسكا” وإصرارا” على هزيمته ترجمها على هدير الطائرات ترداد مقولة:” على العهد باقون يا نصرالله” بأصرار وتحد لا يلين.
ب_ إنها ما زالت وحدة تامة مع حلفائها في المقاومة والخط المقاوم بعيدا” عن التحالفات السياسية وأظهر الحزب أنه ما زال قائد المحور مع تقدم الحليفين الاساسيين حركة أمل والسوري القومي ومعهم الجماعة الاسلامية (وإن غاب الانسجام السياسي مع الشيوعي المقاوم ) بل وتعززت العلاقة من تفاهم سياسي الى تفاهم مقاوم فرضه حضور هؤلاء في الميدان وترجم حقيقة بالحضور الشعبي الحاضن لكل أطياف جماهيرها.
3_ الانسجام التام بين الثنائي الى اكثر من تحالف لصون الطائفة ومصالحها، فالانسجام الحقيقي بينهما بات ضرورة مقاومة ملحة وضابطا” لتطرفهما بحيث يشكلان جسدا” وطنيا” وازنا” معتدل الاداء بين الاندفاع المصلحي للحركة والانكفاء الحزبي أمام الاصلاح الداخلي بحجة التفرغ للمقاومة.
4_هذا الحضور شكل( لنا عودة للملاحظات) صفعة على الوجه تعيد وعي حاميي الرؤوس في الداخل ليعرفوا على ارض الواقع أو الورق أن عدوهم الهارب من مواجهات الداخل لم يثغير وأن هروبه من تلك المواجهات ما زال بفعل الحرص على الوحدة الوطنية، وإن اي اندفاعة متهورة تتجاوز حدود التهويل السياسي لن تكون سليمة العواقب.
5_ الحدث المخزي الذي صوره مراسل احدى الصحف لمقاتلة اسرائيلية تقترب من طائرة سلاح الجو اللبناني التي تعبر خير اسوأ تعبير عن موازين القوى التي يريد صيادوا الماء العكر المطالبين بتسليم سلاح المقاومة وحصر مواجهة اقوى الجيوس بجيش ممنوع من التسلح وهذه المرة برسالة عبرية يفهمها الجميع ولا حاجة لذكر عواقبها.
أما على مستوى الخارج فإنها :
1_أوصلت الرسالة الى المهتمين على المستويين والسياسي والشعبي أن المقاومة بألف خير ، وهم العارفون أن أسس نجاح أية مقاومة يكمن في العلاقة مع مكونها الحاضنة الاساس لها ولا تهزم الا بفصل العروى بينهما.
1_ الانضباط والتجهيز: إن براعة ودقة تنفيذ تجهيز الميدان والتحصير والضريح يدل و/ أو يوحي على أن ما تهدم على اي مستوى قد ترمم أو يترمم بسرعة قصوى كذلك،باعتبار أن كل الاجهزة تضررت وبالتالي إصلاحها متزامن، وأن صاحب المناسبة ورفيقه حاضر في غيابه بانضباط جماعة في طبيعتها غير انضباطية وعفوية وعاطفية. أن تقديم هذه الصورة لدليل على أن غياب السيد لن تظهر آثاره السلبية قبل عقود والنصر بات قاب قوسين.
3_ وهو مرتبط بما قبله وشعور الاعداء بالخيبة وخاصة في الجانب المقاوم الميداني ، فحضور روح السيد الذي راهنوا على انقسام شيعوا لوجوده بعد استشهاده (إن وجد)، باعتبار أن المواجهة مع العدو اتخذها الميدان ورجاله ( دون السياسي) تدل على أن الخيار المقاوم هو الاقوى وسيستمر.
4_ خيبة المراهنين على انهيار الميزانية المالية للمقاومة بعد الحرب وانقطاع الدعم المالي, ومن ثم ايقاف او تفتيش محفظة مالية على طائرة أو منع طائرة أو الطائرات الايرانية من الهبوط في مطار بيروت سيشكل نهاية المقاومة هو محض هراء وتسجيل نصر كرتوني تبلل وتفتت مع أول هطول مطر . كما وأن حساب التكاليف ونفقات هذا الحفل الى جانب بعض التعويضات تثبت أن مالية المقاومة بخير وهذا بحد ذاته لا يدعوا من منظورهم للخير.
5_ خروج طيران العدو فوق المحتفلين، يدل على الحالة النفسية المريضة التي يعانيها قادة الة التدمير والقتل اليهودية فجاءت زيارته كتحية تقدير واعتراف لقوته وجبروته.
هذا لا يعني أن ليس لنا ملاحظات على هذا الاحتفال من اساسه في شكله ومغزاه وظروفه. في الشكل قلنا إنه لا يقدم ولا يؤخر ولا يزيد كثر الحضور كما لا تقلل قلته من قيمة أو عشق الجماهير لسيدها ورفيق عمره .
في ظروفه غير موفق إطلاقا” وخاصة في ظرفه الزماني حيث أن الانتصار الذي سجل ليس جديدا” وهو امتداد لانتصار تموز إنما بكلفة اعلى ولم يقدم ما كانت المقاومة وسيدها وعدت به وحضرت له من دخول قواتها الجليل واحتلاله .بل كان دخول الطائرات العبرية سماء بيروت يشكل إهانة بحد ذاته( رغم ما سبق ذكره) وخصوصا” أن لا رادع للعدو من ارتكاب مجذرة (الحافل التاريخ بالابادات وقام كيانه عليها)، أو حتى اقتناص أحد الشخصيات بعد أو قبل الحفل ، وقد سجلت عدة غارات على مناطق لبنانية بذات التوقيت.
في مغزاه ومهما قدم لم يشفي غليل جمهور المقاومة المتعطش لوقف بطش العدو وتدميره للارزاق والممتلكات وعدم الاكتفاء بانتظار الحلول الخماسية أو وعود سياسية ما جلبت يوما” اليهودي الى بيت الطاعة ،وإن سمعت كلاما” مطمئنا” عن صحة المقاومة وجهوزيتها للرد، وتنتظر الاسلوب الوحيد الذي يفهمه العدو.
يبقى أن التشييع مر برمزياته ورسائله التي كانت اثقلها أن السيد قد استشهد فعلا”!!! وللحظتها غالبية الجماهير المحبة أو غير المحبة لم تكن مصدقة النبأ وتتمنى أو تخشى كذبه. لكن روح السيد المقاوم هي الموجه والبوصلة في هذا الصراع، وستكون الكلمة الفصل فيها للمقاومة قريبة اذا ما ارعوى العدو واندحر بقراره . وخروجه المذل في مواجهته الاخيرة مع الاهالي بمؤازرة الجيش ما هي الا الشكل الاول للترابط بين المقاومة وأهلها ومن فهم طبيعة العدو لا بد من الشكل الاكثر صراحة وفعالية لإخراجه ليتفرغ بصراعه الداخلي عندما لن يقدر على لململة اشلائه وكيانه المهزوم، المنقسم حتى في عز المواجهة وهو ما يؤكد أن حروبه وتمدده المؤقت ما هو الا هروب الى الامام في عز انهيار جبهاته الداخلية.
تبقى التحية التي وجهتها الطائرات المعادية تقول أن العدو الشريف الذي يواجهونه ترفع له القبعات ، وترك بصمته في تصديع اسس الكيان وهيأ للتحرير الكامل وهو قريب…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى