
إذا كان حزب الله قد نجح في توجيه رسالة مدوية من خلال الحشود الشعبية الكبيرة التي حضرت وشاركت في تشييع أمينيه العامين الشهيدين حسن نصرالله وهاشم صفي الدين، والتي شكلت ما يشبه الإستفتاء له، خصوصا بعد سلسلة الخسائر والنكسات التي تعرض لها خلال الأشهر الماضية على المستويين العسكري والسياسي، إلا أن ثمة رسائل أخرى تحمل أبعادا أكبر ظهرت في التشييع. وأبرز تلك الرسائل جاءت من إيران قبل أن يأتيها الجواب الإسرائيلي.
ففي الوقت الذي انشغلت فيه الأوساط اللبنانية في متابعة مراحل التشييع ومستوى الحضور الرسمي والحزبي إضافة الى كلمة أمين عام حزب الله الشيخ نعيم قاسم، كانت الدوائر الديبلوماسية الغربية تقرأ في مستوى الحضور الإيراني وظهور الأعلام الإيرانية إضافة الى المساهمة في ترتيب بعض جوانب التشييع رسالة إيرانية مفادها أن الحرب الإسرائيلية والتطورات السورية لم تنجحا في إخراج إيران من الساحة اللبنانية، وأن الحضور الإيراني متجذر وباق بانتظار تطورات جديدة تسمح له بإعادة “بناء ما تهدم”. ومن هذه الزاوية قرأت هذه الأوساط في تحليق الطائرات الإسرائيلية على علو متوسط في سماء بيروت خلال إلقاء قاسم لكلمته ردا جوابيا لإسرائيل مفاده أنه لا عودة عسكرية الى الوراء.
فرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو وعلى الرغم من وقف إطلاق النار إن في لبنان أو حتى في غزة، ما يزال يرسل الإشارات المتلاحقة بأن المشروع الذي يحمله تحت عنوان “تغيير وجه الشرق الأوسط” ما يزال مستمرا، خصوصا وأن عودة دونالد ترامب الى البيت الأبيض أعطت دفعا قويا في الإتجاه نفسه، لاسيما بعدما ظهرت التوافقات بين الرجلين خلال الزيارة الأخيرة لنتنياهو الى واشنطن. ولا يبدو أن الرئيس الأميركي موافق أيضا على تغيير وجه الشرق الأوسط فقط، بل يبدو أنه يطمح الى تغيير على مستوى الخارطة السياسية العالمية وهو ما باشر بتنفيذه. وإذا كانت حرب غزة قد فتحت الباب أمام حرب لبنان وسقوط نظام الأسد والإندفاع باتجاه تغيير المعادلة العريضة للمنطقة فإن حرب أوكرانيا فتحت بدورها شهية ترامب لإنجاز تغييرات كبرى تطال العلاقة مع روسيا والركائز التي قامت عليها العلاقة الإستراتيجية بين الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا منذ التسوية الكبرى الناجمة عن الحرب العالمية الثانية.
ومن مزايا ترامب وفريق إدارته الإفصاح عن الأهداف التي يسعى إليها البيت الأبيض. فخلال مؤتمر ميونخ للأمن والذي عقد منذ أسابيع معدودة، وجه نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس إنتقادات للقادة الأوروبيين بسبب سياستهم حول الهجرة والرقابة القائمة على المعارضة السياسية، والمقصود هنا التضييق القائم على أحزاب أقصى اليمين. ومنذ أيام عاد فانس وهدد ألمانيا بأن بلاده ستعيد النظر في وجودها العسكري على الأراضي الألمانية وبالتالي تعديل الإلتزامات الدفاعية الأميركية إعتراضا على مواقف برلين بشأن حرية التعبير السياسي عبر الإنترنت. وللتذكير فإن المانيا تستضيف حوالي 35 ألف جندي أميركي ضمن ما يعرف بالتزامات أمنية أميركية بدأ العمل بها منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية في إطار استراتيجية الردع لمواجهة روسيا. وكلام فانس يؤشر الى أن حقيقة الخلاف مع دول أوروبا الغربية ليس ماليا كما ظهر بل سياسيا. ويبدو أن التغيير السياسي في الدول الأوروبية بدأت بوادره بالظهور. فأولى مؤشرات الإندفاعة “الترامبية” سجلت تقدما واضحا لليمين المتطرف في الإنتخابات البرلمانية التي جرت أمس، وفق ما أشارت له إستطلاعات الرأي. وهو ما يعني دق ناقوس الخطر ليس فقط في ألمانيا بل أيضا للأنظمة القائمة في عموم أوروبا.
وأهمية ما هو حاصل هو أنه يأتي في أعقاب اتفاق “مبهم” جرى بين ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين لإغلاق الحرب المندلعة في أوكرانيا. وسيكون من باب السذاحة الإعتقاد بأن هذا التفاهم “الغريب” كان محصورا فقط في الشأن الأوكراني. على الأقل فإن المؤشرات لا توحي بذلك. فليس سرا أن بوتين يسعى لخارطة سياسية جديدة في أوروبا، وأنه نسج علاقات متعددة مع أحزاب اليمين المتطرف. كذلك فإن ترامب والمعروف عنه “نفوره” من العديد من الزعماء الأوروبيين (وهذا النفور متبادل) بدا وكأنه يميل لنسف القواعد القائمة على المستوى الدولي، واستبدالها بركائز جديدة تقوم على مفاهيم أخرى. وهو يعتقد أن روسيا بقيادة بوتين قادرة أن تساعد في مشروع إعادة تشكيل أوروبا والشرق الأوسط والتنسيقةمعا لاحتواء تمدد الصين.
ومن المفترض أن يزور وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف طهران يوم غد الثلاثاء. وتأتي عذه الزيارة في خضم التقارب الحاصل بين واشنطن وموسكو، وهو ما يدفع بالقيادة الإيرانية للشعور بقلق غير معلن. فمن الطبيعي أن تكون هنالك خشية إيرانية من أن يؤدي هذا التقارب الأميركي الروسي الى انعكاسات سلبية على التعاون الإستراتيجي بين موسكو وطهران. ولا بد أنةتكون القيادة الإيرانية التي تستعد لمواجهة حملة الضغوط القصوى لترامب قد ربطت بين وضع إدارة ترامب الأولوية لإنهاء حرب أوكرانيا وبالتالي إنجاز التفاهمات مع موسكو وترك الملف الإيراني للمرحلة الثانية. فهذا قد يبعث للشك بأن الشرق الأوسط هو أحد بنود التفاهمات العميقة بين ترامب وبوتين.
وهنالك ما يشجع على هذا الإعتقاد. ففي الأروقة الديبلوماسية همس حول الدور الروسي في إنهاء نظام الأسد بشكل سريع. ذلك أن سقوط دمشق بهذه السرعة المدهشة ومن دون طلقة رصاص واحدة حمل أسرارا عدة. وتروي أوساط ديبلوماسية أن بشار الأسد والذي سعى للتواصل مع بوتين منذ سقوط حلب تلقى “نصيحة” روسية بضرورة ترك دمشق والمغادرة وأن موسكو ستؤمن حمايته وتتولى إخراجه عبر قواتها في قاعدة حميميم، وإلا فإنها ستنفض يدها منه وتتركه لمصيره في حال تملصه.
وفي حال صحت هذه الرواية فهذا يؤشر الى وجود تفاهمات عميقة وكبيرة تطال مجمل الخارطة السياسية الجاري رسمها في المنطقة، والتي تساهم فيها روسيا في إطار تفاهمات دولية أوسع. واستطرادا فإنه لا بد لطهران من قراءة كامل المشهد بعناية. صحيح أن الإشارات الصادرة عن واشنطن حرصت دائما على التأكيد على عدم المس بالنظام القائم في إيران، لكن وفي الوقت نفسه كانت الإشارات لا بل الدعوات متلاحقة حول إلزامية إنهاء النفوذ الإيراني في المنطقة والإبتعاد عن الشاطىء الشرقي للبحر المتوسط وعن مياه الخليج والممرات المائية للتجارة العالمية.
وبخلاف التصاريح المعلنة إلا أن إيران باتت تعتمد سياسة إقليمية مرنة. ففي بحر الخليج غابت إستهدافات الحوثيين للسفن خلال الأسابيع الماضية. وحتى في لبنان بدا التمسك الإيراني بالمحافظة على نفوذه محددا وتحت سقف عدم الإندفاع في المواجهة حتى السياسية. وهذا ما يفسر عدم حصول تداعيات سياسية بعد “اختبار” طريق المطار. فلم تحصل انسحابات من الحكومة ولا مواجهات وكباش حول السلطة الفتية الناشئة. والإشارة الأبلغ جاءت مع كلمة أمين عام حزب الله الشيخ نعيم قاسم الذي تمسك بسقف الدولة والطائف وبأن للحرب وجوه عدة غير الرصاص.
لكن هذه الإشارات الإيجابية قد لا تعني أن الأمور انتظمت، إذ أن المطلوب هو خروج إيران من الساحة اللبنانية، وهو ما تعمل له إدارة ترامب. وهنا تأتي المساعدة الروسية والتي تقلق طهران دون شك.
ومن المفترض أن تنال الحكومة اللبنانية الفتية والتي تختزن معادلة داخلية جديدة الثقة النيابية قبل نهاية هذا الأسبوع، ليبدأ بعدها فورا الرئيس اللبناني العماد جوزف عون بزيارته الخارجية الأولى الى السعودية على رأس وفد وزاري للتوقيع على 22 اتفاقا. لكن ثمة حسابات سياسية ما تزال مفتوحة. فالمملكة لم ترسل بعد أي إشارات توحي بأنها ستباشر بتخصيص مبالغ مالية في إطار مشروع إعادة الإعمار. وصحيح أن دولة قطر أبدت استعدادها لتمويل يناهز الخمسة مليارات دولار، لكنها قد لا تقدم على ذلك في حال لم تعطي السعودية الضوء الأخضر. وهذا الضوء بحاجة لخطوات سياسية تحاكي المطلب المرفوع والقاضي بخروج النفوذ الإيراني من لبنان. ولا حاجة للإشارة الى تصاعد مستوى الحساسية بين الشارعين الشيعي والسني خصوصا بعد التغييرات التي طالت سوريا.
وحتى في الجنوب، فإن الإنسحاب الإسرائيلي من النقاط الخمس تربطه واشنطن بإنهاء كامل المؤشرات العسكرية والأمنية لحزب الله في الجنوب.
وعدم وجود تحصينات إسرائيلية قوية في النقاط الخمس يعزز الإعتقاد بأن الإحتلال الإسرائيلي ليس مرشحا لأن يطول. وأغلب الظن أن الحكومة الإسرائيلية تريد عدا عن “الضمانة” الأمنية والعسكرية، إضفاء جوا أمنيا يساعد المستوطنين للعودة الى بيوتهم بدءا من مطلع الشهر المقبل، أي أن تشكل عامل إطمئنان لهم.
قريبا جدا من المفترض أن تعلن واشنطن ومعها موسكو إنتهاء حرب أوكرانيا، على أن ينتقل التركيز من بعدها على الشرق الأوسط إنطلاقا من إيران. ومن المفترض أيضا أن تحصل جولة مفاوضات أميركية إيرانية تنتح من بعدها التسوية المنشودة للملف النووي، وهو ما يعني ضمنا الإنتقال فعليا من مرحلة الى أخرى.


