مقالات صحفية

“الهستيريا … مرض العصر!!!” بقلم الدكتور انطون حداد

الهستيريا او اضطراب الشخصية الهستيري هو حالة صحة نفسية تتميز بنمط شائع من الانفعالية المفرطة والسعي الى لفت الانتباه.
لسنا في وارد تقديم نشرة أو حلقة طبية عن الهيستيريا ولكن المواضيع تفرض نفسها والباحث الاجتماعي لا يسعه الا مواكبة الظواهر الاجتماعية التي تفرض نفسها على المجتمع ليس كمرض عارض معالجته من اختصاص الاطباء واصحاب الشأن.
عندما يتعدى الامر الحالات العابرة، لا بد ان يتدخل الباحث المعني أو الاجتماعي تحديدا” لا ترفا” فكريا” إنما محاولا” فهم الحالة وتصويرها وتقدير خطرها والتنبيه منها.
في الجامعات والمعاهد الاجتماعية تعتبر دراسة الانتحار ل عالم الاجتماع اميل دوركهايم من اشهر الدراسات، حدد فيها اسباب الانتحار والعوامل الايلة اليه. وعلى اهمية موضوع الانتحار فإن موضوع بحثنا اكثر خطورة وأعمق اثرا” .
وعلى الرغم من ان الهستيريا حالة مرضية سعى الاطباء والباحثون الى تشخيصها ومحاولة معرفة اسبابها ( ليست موضوعنا) ، وما يهمنا منها اعراضها وتأثيرها على المجتمع. واذا كان الانتحار على اهميته وخطورته( إذا ما عدنا الى اسباب حصوله) التي لا يخفى الجزء الاجتماعي منها حتى على العامة من الناس كفقدان الاعزاء أو فقدان الامل بعد خسارة الاحباء او أحباء أو الثروة …واثارها على الواقع النفسي الاجتماعي للمحيطين. فإن الهستيريا باتت حالة اكثر خطورة مما يعتقد البعض، وبات لزاما” على البحث الاجتماعي أن يفرز من يتنكب هذه المهمة ( والتساؤل سيتمحور حول انت؟!!! ولماذا ليس من هم اقدر واعرق منك؟؟!) ، لما يحمل من الخطورة على البشرية جمعاء. وإذا ما عدنا الى الانتحار فإن اثره المباشر يقع على صاحب الفعل ومحيطه الضيق ويكون في النهاية خلاصا” له من أعباء الحياة، وبقرار شخصي يتحمل تبعاته رغم رفض المجتمعات له في اغلبيتها.
أما الخطورة في الهستيريا التي باتت في القرن العشرين مرضا” شائعا” بين الجنسين ذكورا” وإناث،(بعد أن كان نسويا”)، تكمن في استخدام الذين يعانون من أضطراب الشخصية الهستيري مظهرهم الجسدي ويتصرفون بطرائق مغرية واستفزازية غير لائقة لجذب انتباه الاخرين. والاخطر في ذلك من وجهة نظر خاصة دفعت باتجاه هذا العمل في كون المعني لا يخضع للحجر الطبي والعلاج الا في حالات متقدمة ويمارس حياته الطبيعية ، مما قد يعرض المحيطين به والمجتمع لخطر سلوكاته وتصرفاته، والاخطر أن حالة الانتحار تنحو بصاحبها الى الانكفاء والابتعاد عن المجتمع, واسبابه في جانب كبير منها نتيجة فشله في فرض وجوده الاجتماعي ضمن نطاقه الضيق او الاجتماعي الاعلى و/ أو إن كان طموحا” أو سيخسر انجازاته وسمعته ( كليوبترا، فرضية انتحار هتلر)، اما الهستيري كحالة صحة نفسية تتميز بنمط شائع من الانفعالية والسعي الى لفت الانتباه بأي شكل تدل على انه انسان في ادنى واقع اجتماعي وثقافي، مقبل على المجتمع قاصدا” موقع اجتماعي أو ثقافي من مستوا” رفيع ( كموضوع البحث)،ممكن أن حالته النفسية نابعة من ذلك وتود اثبات ذاتها بأكثر من قدراتها العالية والمتفوقة ، فتصبح الهستيريا ترجمة لعنجهية ظاهرة النجاح, بمؤهلات متواضعة( ترامب كان وكيل اعمال المليونير البطل الملاكم تايسون الذي افتقر وهو السمسار الذي بات مليارديرا” ورئيسا” للولايات المتحدة الطامعة ( لا الطامحة) للسيطرة على العالم وفرض مصالحها.
أما الوجه الآخر بمؤهلاته العلمية المالية الخارقة حدود الهستيريا ولا حاجة للتعريف به او بذكائه الحاد،ايلون ماسك الذي بلغ حد الهستيريا جعلت منه موضوع سخرية على برامج التلفزة عندما اراد بحركات البهلوان أن يفعل ما فعلته اميركا منذ حوالي الخمسة عقود حين كانت في سباق مع الاتحاد السوفياتي في غزو الفضاء وادعوا نزول نل ارمسترونغ على سطح القمر آنذاك، وانطلت الكذبة الى حين وكانت قد امنت نصرا” معنويا” لاميركا في ذلك الصراع المحموم على التفوق العسكري والتكنولوجي ، لكن هذا المهستر ” المبدع” بإمكانات فردية تضاهي دولة عملاقة سقط في بداية الطريق الى مشروعه وما ابدعه من ابتكارات في المعلوماتية والاتصالات والسيبرناتيكا كانت من اسباب افتضاح كذبته “السمجة” بإرسال سيارة حمراء بإطارات مطاطية الى الكوكب الاحمر المريخ في حين انه كان يصور في صحراء كندية…
اليوم اجتمع الاثنان بثلاثة اي الرجلان بثلاث صفات هائلات رئاسة اقوى واغنى دولة اميركا( نسبيا”) واحد اذكى واكبر امكانات علمية وطموح شخصي، عززت بموقع سلطة مع اخرق بإمكانه تسييره واغراؤه بتفوقه، وكلاهما بعقلية التاجر والمقامر المغامر ” المهستر او الهستيري” الذي لا يقيم وزنا” لقيم أو اعتبارا” لانسانية تجسدت في سنوات حكمه السابقة ومبدع مهووس مضطرب . وليس صدفة اعلان جمعية تطوعية يختصر اسمها “اركيد” :”أن السنوات الخمس الاخيرة من عمر البشرية هي الاعنف” أي في ولاية الرئيس ترامب الاولى. ودون ادنى شك سياساته الخرقاء كانت سببا” في ذلك ،وهذا لا يعني ان بايدن الخرف والرؤساء الاخرين بأحسن حال منه. في زمن ” الديمقراطية” الغربية ومعاييرها الواجب ان تعمم الخير والسلام واحترام حقوق الامم والافراد والتعاون الدولي.
افتح ترامب عهده الاول برفع الرسوم الجمركية بوجه الصين واعلان حربه عليها لذلك دعي ب شوانج جو ” اي باني الصين” لتحريصه إياها على الابداع ومن يعتبرهم منافسين لبلاده التي عانت ضائقات شتى زمن كوفيد 19 وبقدومه الحالي موعودين ايضا” بكوفيد 25 ما يجعل التساؤل مشروعا” :” ماذا يجلب الفايروس معه غير الامراض والموت وهدم حيوات البشر الهانئة (إن كانت).
اطل ترامب وبجانبه نخبة من امثاله المدججين بالبلايين والسطوة في الواحد والعشرين من يناير في حفل تنصيب كاريكاتوري مرعب حضره الى جانب الرؤساء كل ارباب المال والاعمال وغاب أهل العلم والفن بصورة ملفتة. استهل مهامه في الاسبوع الاول بتوجيه رسائل ووعود ووعيد اثارت ردود فعل ساخرة كالسيدة كلينتون وغاضبة في الدول التي استهدفتها قراراته الهمايونية في رفع الرسوم الجمركية على الصين والجارات كندا والمكسيك وهددهم الى جانب بنما التي زأر رئيسها ودول اميركا والكاريبي بوجهه، كما توعد وطالب الدانمارك بغرين لاند، و”أمر” وروسيا بوتين بإنهاء الحرب!!! وأخضع تلميذه زيلنسكي لخسارته الاراضي التي استعادتها جيوش بوتين( يأمر الحليف والعدو معا”) ووجه سهامه الى بريطانيا وطالب ملك الخليج بالجزية بأذل اسلوب وأسفه سفاقة لا دبلوماسية وبأسلوب أرخص وأوضع رد على من أظهرت نفسها سفيرة الانسانية سلمى حايك التي جعلته كالدمية يطفيء ويشتعل حتى تفوه بلغته الشارعية :” إن كنت تحبين فلسطين والمكسيك عودي اليهما واترك اميركا”، وطالب اوبك المنظمة النفطية بزيادة الانتاج لتخفيض الاسعار اي نحر نفسها وكأنه نسي انها لم تعر سابقه اهتماما” في ولايته الاولى بل وبقرار للتاريخ خفض العاهل السعودي الشاب حصة بلاده مليون برميل يوميا” كانت تستنزف من خزانات بلاده ، واملى على مصر والاردن باستقبال الفلسطينيين كمرشد روحي لهم يعرف خيرهم وهم الذين كتبوا تاريخا” يبدو انه كان غائبا” عنه في احدى اسفاره الكونية مع زميله ماسك، حيث اتفقا فاعلن ترامب خروجه من اتفاقية المناخ واطلق الاخر ماسك قرارا” هز سمعة اميركا وصلت ارتداداتها الى أصقاع الارض حيث كانت تلعب زورا” دور البلسم للجروح النازفة نتيجة حروبها حول العالم بتقديم مساعدات عن طريق منظمة USAID وامثالها، رغم مهامها المشبوهة في دعم المنظمات المناهضة للدولة أو خارج رقابة الدولة لتتوقف الاف المؤسسات ذات الطابع الانساني المجنمل صورة بلاده عن مهامها بحجة لجم الانفاق في المرافق الحيوية التي تؤمن تبعية وخضوعا” ذليلا” لتلك المساعدات ،مقابل رفع الانفاق العسكري وإلزام الدول الحلفاء برفع انفاقها ايضا” وكلها تحت شعار ” عالم بلا حروب”.
كيف وصل ترامب وحليفه ماسك الى السلطة؟؟
ما حصل في الشكل هي المرة الاولى في التاريخ الاميركي التي يعاد انتخاب رئيس بعد خروجه أو إخراجه من البيت الابيض مدعوما” بحملة انتخاب جنونية قادها الملياردير ماسك وببرنامج جوائز قيمة الواحدة مليون دولار الى جانب أن الجمهور الناخب يعني 2% منه يعاني من الاضطرابات الهستيرية ذاتها التي يعاني منها ترامب. وإن لم يعلن رسميا” تشخيص حالة ترامب فإنه خضع مرات عدة لفحص “الاهلية للحكم” اثناء ولايته الاولى ، ويبدو طبقا” للقانون الذي لا يحاكم الرئيس على جرائمه او افعاله( اعفي من الادانة حول احداث الكابيتول) المذلة لا يسمح بإعلان كهذا.
حوالي الاسبوع على حكم ترامب والعالم يغلي على كف عفريت .
يريد اميركا عظيمة مع انها لم تكن بل كانت قوة عظيمة ببطشها ومؤمراتها ولم تعد كما كانت على الاقل . يريدها عظيمة وقد كانت تتستر عن مؤمراتها بمساعداتها فإذا به يقفل إحدى أهم مؤسساتها الانسانية . يريدها عظيمة ولا يستطيع شيئا” حيال ما طلب أو أمر فقرارت الامس علقت اليوم وهذا ليس بالجديد وهو الذي انسحب من افغانستان ضاربا” عرض الحائط سمعة اميركا بتسليمها لطالبان ، وهو الذي ضرب على يده التي حاولت توقيع انسحاب جيش احتلالها من سورية والعراق كونه يلعب لعبة اكبر منه.
اميركا دخلت التاريخ العالمي لا من خلال انتصارها المزعوم على المانيا التي هزمت في روسيا قبل وصول الاسطول الاميركي ( ليست موضوعنا)، إنما من خلال مشروع مارشال المالي الذي أخضع اوروبا لرأسمالية اميركا وقواعدها العسكرية ، وحاجة الاوروبيين لإعادة ما دمرته الحرب وخاصة قصف الصناعات الالمانية في درسدن وسواها من المدن بعد استسلام المانيا .
اليوم اميركا الهستيرية تخرج من الاتفاقيات التي فرضتها أو شاركت بفعالية لإنجاح هيمنتها اينما حلت وفي أي مؤسسة على مستوى العالم، وبمعونة صندوق النقد والبنك الدولي والمساعدات التي تقدمها لهذه الدولة وتلك بقصد تثبيت نظامها الموال ، وتحرم سواها لإخضاعها مستغلة حاجتها ،أو تعاقب أخرى لإدخالها بيت الطاعة.ويبدو أن هذا السلاح الاخير الذي يبقي عليه ترامب
وبالامس أعلن شترمر رئيس وزراء بريطانيا التي اتخذت قرارا” بالخروج من الاتحاد الاوروبي بأوامر اميركية مما تسبب بخسائر توازي 6٫5 ،% من الناتج المحلي ما يعادل الستة مليارات استرليني تقريبا” يؤثر بقوة في مجرى الاقتصاد البريطاني المتهالك وبات 55% من المواطنين يرى مدى فداحة الغلط من جراء البريكسيت ويروا أن العودة الى الاتحاد باتت مسألة وقت فقط،وانخرطوا الان في الاتحاد الاورومتوسطيية في حين ان ترامب يعزل اميركا ظنا” منه أنه يعزل العالم. الحليفة الاولى لبلاده لن تختار بين اميركا والامم المتحدة في معرض رد على ترامب . وهذا الاخير اثار حفيظة ومخاوف الحليف الاطلسي “اللدود” فرنسا مستشرفة الخطر الهستيري القادم على لسان رئيسها ماكرون الذي دعا اوروبا لتكون حاضرة للمستقبل القادم وحماية نفسها ومصالحها وترامب لا يخفي رغبته في ترك الحلف الاطلسي.
مما تقدم يتضح ان اميركا تحكمها الهستيريا، بما في ذلك هستيريا الاعاصير أو الهوركان الخارقة للعادة بقوة تدميرها كما في نيرانها التي لم تنطفيء أو فيضاناتها التي تجرف بلا هوادة وباتت تضرب اوروبا ( انكلترا، واسبانيا) بعنف غير مسبوق ، ما يعزز الحاجة لتضامن عالمي قوي تعمل الادارة الهستيرية على تقويض جهوده.
اميركا التي تستغني عن العالم إقتصاديا” سمعت جوابا” مطولا” عاصفا” من الرئيسة المكسيكية هز الكيان الاقتصادي للمارد المظطرب ، واميركا التي استغنت منذ زمن بعيد عن انسانيتها وقيمها وأعلنها المفكر انطون سعاده في خطاب له بعنوان:” اميركا خرجت من عالم الانسانية الادبي والاخلاقي” في اربعينيات القرن الماضي” سمع مباشرة درسا” في الاخلاق نسيها وبلاده في التعاطي مع حقوق الشعوب في الحياة على ارضها واحترام حيوات ابنائها.
فوق كل ذلك يصل اليوم الارهابي المتواري من وجه العدالة الدولية رئيس حكومة اسرائيل الذي اجتاز طريقا” معوجا” هربا” من الملاحقة والاعتقال في البلدان التي تحترم نفسها والقانون الدولي ويحط في ضيافة ترامب (الوحيد الذي يستقبله على مستوى العالم) لوضع ترتيبة لافكارهما الهستيرية،فأي دخان اسود سيخرج من البيت ” الابيض” ونتنياهو رجل السلام الاحمر يهديه اداة تنفيذ هجوم على لبنان( هاتف بيجر أخر سحق دويلته) ويستقبلها بالترحاب كأنها مفتاح قصر “سليمان الخرافة” فيقول فيه المفتي قبلان حذار من المجانين . ويهدي سورية الحضارة والتاريخ لبرابرة العصر والتاريخ ( احفاد جنكيزخان) وكأنها علبة سيجار ولا يفهم انها منبت الثوار الاحرار!!!
لن نتوقف عند هذا الهراء ،فقبله رسم ضيفه مع اساتذة في المكر ممن سبقوه الى البيت الابيض كبرنارد لويس وزبغينيو برجنسكي وكيسنجر وإن نجحوا في اماكن ، فانهم في سورية الكبرى نجحوا بأساطيلهم في تدمير العراق ولبنان وفلسطين واستعبدوا ركنها الملكي الى حين ولكنهم خسروا جبروتهم أمام مقاومات من العراق الى لبنان الى قلب وجوهر الازمات فلسطين التي ما ركعت يوما” وباتت معلمة عشاق المقاومة مع جيرانهم ابطال لبنان واسود الشام الذين سيظهرون غدا.
كل ما سلف من اوامر المضطرب الهستيرية ستمحى بعد توقف الاعلام عن تردادها، وبعد ان تكشر الشعوب عن كراماتها وسياداتها ومصالحها وإلا تحول العالم الى ملعب المجانين المهووسين بالمال والمجد هؤلاء اصحاب التواريخ السوداء من رعاة البقر وتجار الارواح الى اليهود قتلة ولصوص التاريخ كما قال فيهم يسوع الناصري.
يقول جيم ما كجريجور، وهو مستشار أعمال عاش في الصين لمدة ثلاثين عاماً: “لقد شهدت الصين لحظة اسمها دونالد ترامب. قد أيقظهم على حقيقة مفادها أنهم في حاجة إلى جهد مشترك لرفع قدرتهم العلمية والإبداعية والتصنيعية.
ويقول عالم النفس فرويد:” إن البشر الغائيون ” وكأنه يجري بحثه على ترامب الذي يريد إلغاء العالم لتعود “اميركا عظيمة ” ولن تعود وعجلة التاريخ لن تعود بمن شاخ شابا” مهما تجمل وتزين وتجبر وهو ربما يحاكي بذلك كل ما تحتاجه بلاده لتعود الى سكة قطار حديدي سبقتها الامم الى الارقى حتى في صناعات التكنولوجيا والاسلحة الفتاكة والنووية ، وما التهيب الذي يعيشه العام حاليا” سوى التهرب من المبارزة الاولى مع المصارع الضخم المتهاوي خلف اعباء شيخوخته.
ومن يعيش يرى

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى