أخبار محلية

رسالة رعائية في عيد الميلاد للمتروبوليت أنطونيوس الصوري

إلى قدس الآباء الأجلاء والشمامسة الموقرين والرهبان والراهبات الورعين
إلى بناتنا وأبنائنا الأحبّاء
إلى شعب الله في هذه الأبرشيّة المحروسة بالرّبّ

سلام في عيد ملك السّلام وربّ الأرباب الإله المتجسِّد لخلاص البشريّة والخليقة جمعاء. هو شاء أن يولد من مريم العذراء في “ملء الزّمان” (غلاطية 4: 4) دون أب هو المولود قبل الزّمان بدءٌ من دون ابتداء من الآب الَّذي لا بدء له بلا أمّ. هو الخالق الَّذي صار طفلًا ليكشف لنا سرّ الله المحبّة غير المدركة، وليصير لنا خلاصًا خالقًا إيّانا إلى حياة جديدة أبديَّة في جسده أي الكنيسة المقدّسة.
* * *
“سَلاَمًا أَتْرُكُ لَكُمْ. سَلاَمِي أُعْطِيكُمْ. لَيْسَ كَمَا يُعْطِي الْعَالَمُ أُعْطِيكُمْ أَنَا. لاَ تَضْطَرِبْ قُلُوبُكُمْ وَلاَ تَرْهَبْ” (يو 14: 27). في العيد الحاضر نستقبل سلام الله في قلوبنا، سلامًا لا يعرفه العالم ولن يعرفه ما لم يقبل المسيح الرّبّ ملكًا وإلهًا. سلام المسيح يطرد الخوف لأنّه اشتراك في سلام الله بالنّعمة. الأغلبيّة الساحقة من البشر لا تعرف هذا السّلام. المؤمن المسيحيّ مدعوّ لاقتنائه بالتوبة وانفتاح القلب على النّعمة الإلهيّة.
* * *
” ثِقُوا! أَنَا هُوَ. لاَ تَخَافُوا” (مرقس 6: 50). في ظلّ هياج الاضطرابات والضيقات والحروب والمخاوف، نغلب كلّ شيء بثقتنا بالله. هو أمين ولا يترك المتّكلين عليه في الحقّ. دورنا كمسيحيين ان نسلك في الحقّ ونكون له شهودًا. العالم لن يتغيَّر ما لم نحمل نحن حقّ الرّبّ في حياتنا ونجسّده في أفكارنا وأقوالنا وأعمالنا. الحرب قائمة بين “أبناء إبليس” وزبانيته الذين يعملون شهوات أبيهم القتّال للنّاس منذ البدء والَّذي ليس فيه حقّ بل كلّه باطل والكذّاب وأبو الكذبة (راجع يوحنا 8: 44)، وبين أبناء الله الذين هم صانعو سلام (راجع متّى 5: 9) وأبناء القيامة والحياة الجديدة (لوقا 20: 36) والمنقادون لروح الرّبّ (رومية 8: 14) الصالح المعزي روح الحقّ، وهؤلاء يغلبون العالم (راجع 1 يوحنا 5: 4 و5؛ رؤيا 21: 7) ويصيرون ابناء الله.
* * *
“أَخِيرًا أَيُّهَا الإِخْوَةُ افْرَحُوا. اِكْمَلُوا. تَعَزَّوْا. اِهْتَمُّوا اهْتِمَامًا وَاحِدًا. عِيشُوا بِالسَّلاَمِ، وَإِلهُ الْمَحَبَّةِ وَالسَّلاَمِ سَيَكُونُ مَعَكُمْ” (2 كو 13: 11). بالمحبّة العاملة في الخدمة والعطاء والاهتمام والعناية نحقِّق مسيحيّتنا ويكون لعيد ميلاد المسيح المخلّص دورًا في حياتنا. رغم ما في العالم من حروب وضيقات وما في بلادنا من ضياع وسقوط، يبقى لنا يقين الرّجاء أنّ الله يغلب ومخطّط خلاص العالم بالمسيح يسوع سيتحقّق، وهو قد تمّ فيه وممدود إلينا لنقتنيه بالروح القدس. الأشرار إلى زوال والصّابرون في الله إلى نصرٍ. العمر لحظة والحياة أبديَّة، يوجد من يختارون اللحظة على الأبديَّة، ويوجد من صبر إيمانهم ويقين رجائهم يجعل لحظتهم أبديَّة منذ الان ومضاءة بنور الحقّ الَّذي لا يزول.
* * *
صلواتنا نرفعها إلى طفل المغارة الإلهيّ أن يحرّك ضمائر الشّعوب وقلوبها إلى الحقّ لتصرخ في وجه الظّلم والوحشيّة والاستنسابيّة في العدالة، وان يولد بلدنا في سيرة الحقّ ومسيرة بناء دولة الحقّ حيث لا حقّ يضيع أو يُسلب، وأن يتوقّف سفك الدّماء في الحروب، وأن يتحرَّك الضّمير العالميّ لوقف ذبح أطفال فلسطين (الَّذين يُذبحون من هيرودس مرّة أخرى)، وقتل أمّهاتهم والمدنيين العُزَّل، وأن يتحرَّك كلّ دعاة السّلام إلى وقف الحروب والوحشيَّة ضدّ المستضعفين، وأن ينال كلّ صاحب حقّ حقّه بحياة كريمة في ظلّ قوانين تساوي بين كلّ البشر دون تمييز دينيّ أو عرقيّ.
* * *
أيّها الأحبّاء،
لنقدّم قلوبنا لله مغارة يولد فيها ليجدّدنا ويقيمنا من عتاقتنا ويلدنا فيه “خليقة جديدة” (2 كورنثوس 5: 17)، مستنيرة ومشرقة بنور المعرفة الإلهيَّة، لنختبر “مَا هِيَ إِرَادَةُ اللهِ: الصَّالِحَةُ الْمَرْضِيَّةُ الْكَامِلَةُ” (رومية 12: 2) ونحيا بموجبها مجدِّدين الطبيعة والزّمان والمكان بالَّذي جدّد الخليقة بمولده من البتول بادءًا زمنًا جديدًا للمؤمنين به ومن خلالهم للعالم أجمع.
بنعمة الله، ميلاد مجيد ومبارك وعام جديد ملؤه الخير بجهود الصالحين والأبرار في روح التعاون والشركة…

ميلاد 2023

+ أنطونيوس
متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى