أخبار محلية

تجربة مدارس الإشراق في التعليم من بعد في ظل جائحة كورونا

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على جميع انبياء الله والمرسلين وأزكى التحيات على الأولياء والصالحين الذين اتخذوا طريقَ الفضيلة والمحبة والألفةِ مذهبا والسلامم والوئام والاحترام مسلكا.

إنه لحدثٌ كبير يرفع اسمَ لبنانِنا الحبيب عاليا على الرغم من الآلام والجراح النازفة، إنها مناسبةٌ إعلاميةٌ مهمة تنحتُ حروفَ لبنان في صفحات الكتاب الموسوعيِّ العالميّ للإنجازات المميزة غينس. من خلال جمعية التحديث والتطوير التربوي برئاسة الدكتورة علا القنطار وموقعِ ليبانون نيوز اون لاين بشخص مديرِه الإعلامي الأستاذ خليل مرداس، اللذين ينظمان أطولَ حوارٍ مباشر في العالم. ويشرفُنا في هذا اللقاء أن نتكلمَ باسم مدارسِ الإشراق في لبنان عن تجربتنا الإدارية والتربوية والتقنية في ظلِّ جائحة كورونا التي عصفت بالعالم منذ ما يزيدُ عن عام وعدةِ أشهرٍ لتشلَّ حركة الدول وترخي بتبعاتِها على الصعدِ الاقتصادية والاجتماعية والتربوية والسياسية كافة.

لقد كان للظهورِ المفاجئ لكورونا وانتشارِه بشكل سريع، الأثرُ الكبير على الواقع التربويّ في العالم أجمع، وخصوصا في دول العالمِ الثالث ولبنانُ في عدادها. فالدولةُ والمؤسسات التربويةُ بشكلٍ ساحقٍ غيرُ مستعدةٍ لمثل هذا الوباءِ وللإجراءات التي كانت لازمةً للحد من توسعِه. وكان إيقافُ العامِ الدراسي الفائت في بدايةِ شهرِ آذار الدليلَ الواضح على عدم الجهوزيةِ للتعلمِ من بعد. 

أما نحن في مدراسِ الإشراق فبفضلِ جمعيتِنا جمعية الإشراق الخيرية في عاليه بشخص رئيسها الشيخ محسن الجردي، وعملا بتوجيهات مدير عام مدارس الإشراق الشيخ الدكتور وجدي الجردي وبالسعي الدؤوب من الهيئاتِ الإداريةِ والتعليمية تمكنا من دراسة المعطياتِ الصحيةِ واستشرافِ أن تلك الجائحةَ لن تنتهيَ في غضون أشهرٍ قليلة وخصوصا أنه لم يكن قد تمّ تصنيعُ اللقاحِ آنذاك، فأعددنا عدةَ خططٍ للعام الدراسيّ الجديد، تمّ تقسيمُها على ثلاثةِ مستويات:

الأولى: تتضمن التعليمَ الحضوريَّ كما كانت تسير الأمور سابقا.

الثانية: تتضمن التعليمَ المدمجَ أي تعليمٍ حضوريٍّ وآخرَ من بعد.

الثالثة: تعليمٌ من بعد بشكل كامل.

وكان لكل خطةٍ برنامجُها التعليميُّ وعددُ الحصص الخاصّ بكلٍّ منها، والكفاياتُ والأهدافُ التي يجب شرحُها للتلاميذِ بالإضافة إلى تعويض النقصِ الحاصلِ من العام الدراسيِّ الماضي بسبب الإيقافِ القسريّ في آذارَ الفائت. وبعد تفشي الوباءِ كثيرا في لبنانَ أصبح مؤكدًا أن العامَ الدراسيَّ 2020 _ 2021 سيكون كلُّه من بعد لذلك بدأ تركيزُنا على تفعيل هذا النظامِ الجديدِ وتدريبِ المعلمينَ والأهلِ والتلاميذِ بشكل مفصلٍ على نظام التعليمِ من بعد. فكانت المراحلُ تتم على الشكل التالي:

فقمنا بدراسةٍ معمقة لكيفية ايصالِ الرسالة التربوية بأفضل الوسائل وضمان نجاح أيِّ خطوةٍ في هذا السياق. فكان هناك العديدُ من اللقاءات وورشِ العمل للبحث في تطويرِ العمليةِ التربوية وتعديلِها، وشمل ذلك المحتوى التربويّ، وطرقَ التعليمِ من بعد، وما تطلبه ذلك من تطويرٍ وتغيير في أساليبِ الشرحِ وانتقاءِ المضامينِ التربوية. 

فعلى صعيد المحتوى التربوي، أقيمت ورشُ عملٍ مكثفةٌ لتحويل معظمِ المضامينِ التربوية الى موادَّ رقميةٍ، غنيةٍ بوسائلِ الإيضاح والتحفيز. 

ومن ناحية طرائقِ التدريسِ عن بعد، كان هناك العديدُ من التوصياتِ في كيفية تعديلِ الطرقِ التقليدية للشرحِ الحضوري، وتطويرِها بما يتلائم مع عمليةِ الشرحِ في الصفوف الافتراضية، ومراعاةِ واقعِ التلميذ المحجورِ من الناحية التقنيةِ والنفسيةِ أيضا. وتم اختيارُ منصةٍ تعليميةٍ متطورة ورائدة، تتضمن الركائزَ التربويةَ الأساسية ومنها: إدارةُ الملفاتِ المدرسية للمعلمين والتلاميذ، إتاحةُ المحتوى التربويِّ الرقميِّ المتعددِ الوسائطِ بشكل دائم، تأمينُ التواصل المباشر والمستمرِ بين المدرسة والتلميذ والأهل، تزويدُ التلميذ بخارطةِ طريقٍ تربويةٍ مفصلة من خلال مفكرةٍ رقمية، وتأمينُ الشرح المباشرِ من بعد من معلمي ومعلمات الموادِّ.

 وبعد الانتهاء من مرحلةِ إعداداتِ العام الدراسي ونقلِ كافةِ المعلوماتِ المتعلقة بالمدرسة والموظفين والهيئةِ التعليمية والتلاميذِ الى المنصة الجديدة، بدأنا بإقامة دوراتٍ تدريبيةٍ مكثفة لأفراد الهيئة التعليمية والهيئة الإدارية. وعلى الرغم من ضيق الوقت، وفي ظل اشتدادِ أزمةِ تفشي وباء كورونا، قمنا بإجراءاتٍ صحيةٍ وقائيةٍ صارمة، بما يتعلق بالتباعد الاجتماعي والتعقيمِ ووضعِ الكِمامات. تلا ذلك مرحلةُ تدريبِ أهالي التلاميذ على كيفية عمل واستخدام منصة “مدرستي”. هذا بالإضافة الى تدريب أهالي التلاميذ على تطبيق زووم لمتابعة أولادهم ومساعدتهم في حل المشاكلِ المحتملة. 

كان ذلك مع انطلاق العام الدراسي، وصدورِ قراراتِ وزارةِ التربية بالسماحِ للتلاميذ بالحضور الى المدرسة ضمن شروطٍ محددةٍ من ناحية عدد التلاميذ في كل شعبة، ولزومِ التباعد الاجتماعي والتعقيمِ الدائم والالتزامِ بالكِمامات. وقمنا أيضا بتدريب التلاميذِ كافة على كيفيةِ استخدامِ منصةِ مدرستي على أجهزة الهاتف المحمول وأجهزة الحواسيب. وقد تم التركيزُ في أثناء التدريبِ على كيفية الاستفادةِ من المحتوى التربويّ بالصيغة الرقمية. وكانت المفكرةُ الرقمية وسيلةً فعالة لمتابعة التلاميذ بشكل حثيث، ضمن الرزنامة اليومية والأسبوعية للدروس والواجبات، وتعيينِ التقييمات والامتحانات. وأتاحت للتلاميذ تسليمَ كافةِ الواجباتِ الى معلميهم بطريقة فوريةٍ وعملية من خلال التطبيقِ نفسه.

 أما من ناحية التواصل، فقد حققت المنصةُ نجاحا وفاعلية بين المدرسة والتلاميذِ وأولياء الأمور. وأتاحت عملية إشعارات التبليغِ الفوري لكلٍّ من التلاميذ وأولياء أمورِهم الاطلاع بالتفصيل عند إضافة أيّ محتوى تربويٍ أو واجبٍ أو تبليغٍ إداري جديد. 

  يمكننا القول إن تقييمَ نتائج التعليم من بعد من الناحية التربوية، قد حقق نجاحاً مقبولا لناحية الأهداف الموضوعة سابقاً في ايصال رسالةِ الإشراق التربوية. فبنتيجة الجهد والعمل الهادف لمعلمي ومعلمات الهيئةِ التعليمية، وبمتابعةٍ حثيثة من منسقي الموادِّ والإشراف التربوي، وبتوجيهٍ دائم من  عام مدارس الإشراق، تم تحضيرُ الجزء الأكبر من محتوى المنهجِ الرقميِّ للصفوف كافة، ولم تقتصرْ هذه العمليةُ على تحويل مضامينِ المناهج الى الصيغة الرقمية النمطية فحسب، بل كان هناك العديدُ من الصيغِ الرقمية التفاعليةِ واستحداثُ مقارباتٍ منهجية متعددةِ الوسائط، تحمل العديدَ من المميزات التحفيزيةِ والإيضاحية لمساعدة التلاميذ وتشجيعِهم على تقبل هذه التجربةِ الجديدة. 

أما من الناحية التقنية، فقد ذللت عمليةُ التدريبِ الشاملةِ للهيئة التعليمية والتلاميذِ وأولياءِ أمورهم الكثيرَ من الصعوبات التقنية. فبوجود منصةٍ تعليمية تعمل على مختلف الهواتفِ الذكية والتابلات وأجهزة الحاسوب، وما يفرضُ ذلك من فروقات تقنية بينها ويطرح مشاكلَ لكثير من التقنيات الرقمية، ان كان من ناحية صياغةِ المحتويات، او من ناحية التشغيلِ او الاستخدام. فكان الجزءُ الأصعب هو في متابعة هذه المشاكلِ المتكررة، إلا أن ذلك كان متوقعا نظراً لخوضنا جميعا هذه التجربةَ للمرة الأولى.

ومن ناحية أخرى، إن تفاعلَ التلاميذ مع عملية التعليم من بعد كان أكثرَ من توقعاتنا، والتعليمُ المباشر باستخدام برنامج زووم بشكل يومي لمدة تتراوح بين 4 و5 حصص حسب المراحل التعليمية، حققَ العديدَ من الكفايات والاهداف التربوية. ونستطيع القول إننا حققنا وأهلنا وتلاميذنا انجازا نوعيا كبيرا، واستطعنا هزيمةَ وباء كورونا لأننا لم نسمحْ له بحرمان تلاميذِنا عامَهم الدراسي، ولم نستبدلْ وباءَ كورونا بجائحة الجهل حيث هي أشدُ فتكا ودمارا. 

وهذا الإنجاز الكبيرُ لم يكن ليتحققَ لولا تضافرُ الجهود كلها من الإدارة والأسرة التربوية وأولياء الأمور والتلاميذ والدور المركزي لقسم المعلوماتية الذي هو المحور الأساسيّ في إنجاح هذه التجربة الرائدة. ويضاف إليه المساهمة الفاعلة للإشراف الصحي الذي يقوم بمتابعة التلاميذ أسبوعيا عبر حصص مباشرة لزرع الثقافة الصحية الصحيحة في مواجهة الوباء وغيره من إرشادات وتعليمات صحية هامة. كذلك للإشراف النفسي الحيز الكبير لدعم وتحفيز تلاميذنا في مواجهة الوباء والحجر والقدرة على تحمل التعليم من بعد وما يستلزم تلك الخطة من متابعات وتوجيهات مستمرة للصفوف كافة. كل ذلك كي نتمكن ومجتمعنا الإشراقي لمواجهة التحدياتِ التربوية والاقتصادية الكبيرةِ والغلاءِ الفاحش والواقعِ الوظيفيِ المتدهور للأعمِّ الأغلب من اللبنانيين وارتفاعِ نسبةِ البطالة، وازديادِ نسبة الفقر، في وطننا الذي نسأل الله أن يمن علينا بتحسينِ الحال ويلهمَ المسؤولين لما فيه مصلحةُ الوطن والمواطن، لان وطني يستحق الحياة.

دمتم سالمين من كل وباءٍ ومكروه والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى