كتب داني حداد في موقع mtv:
كان عاماً مليئاً بالكلام عن الفساد، ولكن من دون العثور على فاسدٍ واحد لنحاسبه ونحاكمه. غالبيّة الكلام عن الفساد إمّا شعبويّ، أو على طريقة “… شيلي منّك حطّي فيّي”. في المقابل، هناك من يحفر الصخر بإبرة. قد لا يفتّت الصخر، ولكنّه يملك شرف المحاولة.
يوقّع رئيس لجنة المال والموازنة النائب ابراهيم كنعان، غداً الثلاثاء، تقرير استعادة الأموال المنهوبة الذي توصّلت إليه اللجنة الفرعيّة المنبثقة عن اللجان النيابيّة المشتركة حول اقتراحَي القانون المتعلّقَين باسترداد الدولة للأموال المنهوبة، وذلك بالتعاون مع الأمم المتحدة.
ويتضمّن الاقتراح نقاطاً عدّة، من بينها إنشاء آلية للتخطيط والتنسيق والمتابعة تجمع الجهات الرئيسة صاحبة الإختصاص التي تترتّب عليها مسؤولية العمل على استعادة الأموال المتأتية عن جرائم الفساد وجرائم تبييض الاموال الناتجة عنها، وإنشاء صندوق وطني مستقلّ لإدارة الأموال قيد الاستعادة والمستعادة.
اقتراحٌ يجب أن يهلّل له اللبنانيّون الذين يبحثون عن أملٍ لاستعادة ودائعهم والانتقام من بعض هذه الطبقة السياسيّة التي حقّقت ثروات على حسابهم، وهو ينضمّ الى مجموعة قوانين أقرّت في الأشهر الماضية، مثل الاثراء غير المشروع، استعادة الأموال المنهوبة، رفع السرية المصرفية، والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، وقد كانت للجنة المال والموازنة الفضل فيها.
والى جانب هذه القوانين، جاء موقف كنعان في ملفّ التدقيق الجنائي عمليّاً، فهو لم يجنح نحو رفضٍ ملتبس للتدقيق، ولا الى مناداةٍ عشوائيّة به. من هنا جاء اقتراحه إضافة فقرة جديدة إلى المادة الثانية من قانون السريّة المصرفيّة تنصّ على عدم جواز التذرع بالسريّة المصرفيّة وبالسرّ المهني في حال التكليف حسب الأصول بإجراء تدقيق محاسبي مركز.
يقودنا ذلك كلّه الى قناعةٍ بأنّ مكافحة الفساد، تشريعاً، متاحة عبر قوانين عدّة موجودة أو أقرّت أخيراً، إلا أنّ المشكلة تبقى في النيّات، المفقودة غالباً. فالتقرير الذي أعدّته لجنة المال والموازنة عن التوظيف السياسي، وتخطّى عبره كنعان قيوداً سياسيّة، ينام في درجٍ ما. ومثله تقارير واقتراحات وقوانين أخرى عطّلتهم السلطة التنفيذيّة والنيّات السيئة.
ولا ننسى إصلاح الموازنات، وإلقاء الدور على الكثير من مكامن الهدر، مثل بعض الجمعيّات وغيرها، وتنفيذ المبادرة الفرنسيّة بالفعل لا بالشعارات…
هل الجهد التشريعي لمكافحة الفساد يذهب هدراً إذاً؟ قد يجيب كثيرون على السؤال بـ “نعم”، في ظلّ وجود طبقة سياسيّة تستخدم مكافحة الفساد كمادّة مزايدة، وتقف حربها على الفساد عند حدود جماعتها السياسيّة أو الطائفيّة، فنسمع بـ “خطوطٍ حمراء” تُرفع من هنا وهناك.
قد يقول قائلٌ إذاً “على من تقرأ مزاميرك يا كنعان؟”. وماذا ينفع تصويب الحسابات المالية الذي قامت به لجنته، إذا كان الهدر مستمرّاً في الوزارات والإدارات؟ ومن حوّل إنجاز المحكمة الخاصة للجرائم الماليّة الى حبرٍ على ورق، بينما كانت فرصة للمحاسبة؟
لقد وُلدت منظومة مكافحة الفساد التشريعيّة والقضائيّة، ومكانها الطبيعي في مجلس النوّاب وليس في مباريات الفنون الاعلاميّ والشعبويّة. إلا أنّ هذه المنظومة تواجهها منظومة أخرى متجذّرة في معظم الإدارات، وأحياناً في النفوس، وهذه قد لا تقوى عليها نصوص.
كنعان يحفر الصخر بإبرة…
زر الذهاب إلى الأعلى