أخبار محلية

دار الفتوى أمام الاستحقاق الأصعب: ماذا بعد إبطال تمديد دريان؟

نشرُ مطالعة المستشار في مجلس الشورى القاضية رانيا أبو زين فتح أبواباً سياسيّة ودينيّة تتجاوز استمرار مفتي الجمهوريّة الشيخ عبداللطيف دريان في موقعه: ماذا سيحدث إذا أُبطِل التمديد؟ من يدير دار الفتوى في المرحلة الانتقاليّة؟ من يستطيع إدارة انتخاب المفتي الجديد؟ أين يقف رئيس الحكومة ورؤساء الحكومات السابقون، وخصوصاً نجيب ميقاتي وفؤاد السنيورة؟ أين الرئيس تمّام سلام من كلّ هذا؟ وهل تعود السعوديّة ومصر ومجدداً دمشق إلى لعب دور في الاستحقاق كما حصل عند انتخاب دريان عام 2014؟

أسئلة تعيد فتح واحد من أكثر الملفّات حساسيّة داخل المرجعيّة السنّيّة اللبنانيّة لأنّ منصب مفتي الجمهوريّة، وإن كان دينيّاً، لم يكن يوماً منفصلاً عن التوازنات السياسيّة السنّيّة وعن علاقات لبنان بمحيطه العربيّ. هذا مع الإشارة إلى أنّ شخصين فقط في الدولة اللبنانيّة يحملان في لقبهما اسم الجمهوريّة: الأوّل رئيس الجمهوريّة والثاني مفتي الجمهوريّة.

ماذا حصل في 9 أيلول؟

تبدأ القصّة في 9 أيلول 2023، عندما اجتمع المجلس الشرعيّ الإسلاميّ الأعلى وأقرّ تعديل السنّ المحدّدة لمفتي الجمهوريّة من 72 إلى 76 عاماً، ما أتاح للشيخ دريان البقاء أربع سنوات إضافيّة قياساً بالنظام السابق الذي أُقرّ في حكومة الشهيد رفيق الحريري.

المفارقة أنّ القرار اتُّخذ قبل نحو سنة ونصف من الموعد الذي كان يفترض أن تنتهي فيه ولاية دريان وفق السنّ السابقة، كما جاء في الأيّام الأخيرة من ولاية المجلس الشرعيّ القديم وقبل انتخاب مجلس جديد. هذا تحديداً ما فتح الباب أمام الاعتراض. فلماذا كان ضروريّاً حسم مستقبل المفتي قبل كلّ هذه المدّة؟ لماذا لم يُترك الأمر للمجلس الشرعيّ الجديد؟

دار الفتوى أعلنت قبل الجلسة في بيان رسميّ أنّ دريان رفض أن يُطرح تمديده من خارج جدول الأعمال، فيما أُقرّ التعديل لاحقاً بإجماع الحاضرين، وفقاً لبيان المجلس الذي وُثّق في تقرير القاضية أبو زين. لكن ما بدا في ظاهره تعديلاً تنظيميّاً تحوّل لاحقاً إلى أزمة قضائيّة وسياسيّة لا تزال مفتوحة.

ماذا جرى خلف الكواليس؟

مع مرور الوقت، كُشف عن اتّصالات واجتماعات سبقت جلسة التمديد، هدفت إلى تأمين الحضور والأصوات المطلوبة لإقرار تعديل السنّ. ومعظم هذه الاجتماعات عُقدت في مكتب رئيس جمعيّة المقاصد السابق فيصل سنّو لتمرير التمديد. من أبرز المشاركين القاضي إياد البردان ومحمّد صميلي وخلدون عريمط، كما ربطت بعض المعلومات بين التمديد والصراع على النفوذ داخل دار الفتوى، وخصوصاً مستقبل أمين الفتوى الشيخ أمين الكرديّ في حال انتهاء ولاية دريان. الحملة على الكرديّ قادها سنّو على خلفيّة الموقف الحادّ الذي أطلقه الكرديّ بحقّ سنّو في قضيّة إسقاط أسماء أمّهات المؤمنين عن مدارس المقاصد.

استخدم المؤيّدون للتمديد اسم المملكة العربيّة السعوديّة لإقناع بعض أعضاء المجلس بالسير بالقرار، كما أكّد أكثر من عضو في المجلس الشرعيّ وأبرزهم الشيخ فؤاد زراد، الذي تبلّغ ذلك من الشيخ خلدون عريمط، عبر الإيحاء بأنّ الرياض ترغب في استمرار دريان. إلّا أنّ الفارق هنا أساسيّ: لا يوجد ما يثبت وجود موقف سعوديّ رسميّ يطلب تمديد ولاية المفتي.

لماذا اعترض السّنيورة؟

برز رئيس الحكومة السابق فؤاد السنيورة بين المتحفّظين على طريقة إدارة الاستحقاق. جوهر الاعتراض لم يكن، بحسب المواقف والمعلومات المنشورة، خلافاً شخصيّاً مع دريان، وهو قائم منذ سنوات، بل اعتراض على التوقيت والآليّة: لماذا يعدّل مجلس في نهاية ولايته قاعدة بهذه الأهميّة قبل نحو سنة ونصف من بلوغ المفتي السنّ القانونيّة؟ كما برز موقف نائب رئيس المجلس الشرعيّ السابق عمر مسقاوي، الذي قاطع جلسة 9 أيلول واعترض على إجراء تعديل بهذا الحجم في نهاية ولاية المجلس.

أمّا الرئيس نجيب ميقاتي فكانت علاقته بالملفّ أكثر تعقيداً. المعلومات اللاحقة أشارت إلى أنّه لم يكن شريكاً في كلّ تفاصيل التحضير للتمديد، كما غاب مع رؤساء حكومات سابقين عن جلسة إقراره. إلّا أنّ ذلك لم يتحوّل إلى مواجهة بين ميقاتي ودريان. استمرّت العلاقة بينهما، وشارك ميقاتي لاحقاً في اجتماعات المجلس الشرعيّ الجديد وأعلن ثقته بالمفتي والمؤسّسة. هنا يظهر اختلاف مهمّ بين الرجلين: السنيورة بقي أكثر تشدّداً تجاه الطريقة التي حصل بها التمديد، فيما حافظ ميقاتي على هامش أوسع في علاقته بدريان ودار الفتوى.

“الجريدة نيوز”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى