
تصاعدت أمس الاعتداءات الإسرائيلية في الجنوب شمال نهر الليطاني وجنوبه لتُسقط 7 شهداء وعشرات الجرحى من المدنيين، وذلك غداة إعلان تل أبيب عن «سيطرتها العملياتية» على تلة علي الطاهر، مبرّرة هذه الاعتداءات بالردّ على مسيّرتين أطلقهما «حزب الله» على قواتها المحتلة. وتحدث الإعلام الإسرائيلي عن خطة لتدمير الأنفاق في التلة، تنتظر موافقة المستوى السياسي لتنفيذها، مشيراً إلى أنّ المفاوضات اللبنانية ـ الاسرائيلية «ستتجدّد» الأسبوع المقبل في روما، فيما لم يتبلّغ لبنان الرسمي بعد من الراعي الأميركي أي موعد رسمي لاستئناف هذه المفاوضات
قال مصدر ديبلوماسي متابع للملف الجنوبي لـ«الجمهورية»، إنّ مقاربة أداء الجيش اللبناني في جنوب الليطاني تحتاج إلى مقدار أكبر من الواقعية، بعيداً من المزايدات السياسية أو العسكرية، مشيراً إلى أنّ المؤسسة العسكرية نفّذت ما أُنيط بها ضمن الإمكانات والظروف التي فُرضت عليها ميدانياً. وبحسب المصدر، فإنّ معيار تقييم الجيش لا ينبغي أن يكون بمدى قدرته على وقف الغارات والعمليات الإسرائيلية، لأنّ ذلك يتجاوز مهمّته وإمكاناته، بل بمدى قدرته على الانتشار وتثبيت حضور الدولة في المناطق التي باتت تحت مسؤوليته. وفي السياق، فإنّ انتشار الجيش في بلدات المرحلة التجريبية، ومنها زوطر الغربية وفَرون وصريفا، شكّل اختباراً عملياً لقدرة المؤسسة العسكرية على تسلّم الأرض عندما تتوافر الظروف السياسية والميدانية لذلك.
ويلفت الديبلوماسي نفسه إلى «أنّ قيادة الجيش سبق أن حذّرت من خطورة التشكيك بدور المؤسسة العسكرية، موضحة أنّ إعادة التموضع في بعض البلدات الحدودية جاءت نتيجة التوغلات الإسرائيلية التي حاصرت وحدات الجيش وقطعت خطوط إمدادها، لا نتيجة قرار بالتراجع عن القيام بالواجبات الملقاة على عاتقها».
ويرى المصدر «أنّ التطوُّر الأكثر دلالة في الأيام الأخيرة تمثل في انتقال إسرائيل إلى إعلان «السيطرة العملياتية» على مرتفعات علي الطاهر، في وقت واصلت تدمير البنية التحتية التي قالت إنّها اكتشفتها في المنطقة. وأهمية علي الطاهر لا تكمن فقط في قيمتها العسكرية، بل في كونها تحوَّلت اختباراً سياسياً لسلوك مختلف الأطراف. فبعد أشهر من العمليات والضغط الإسرائيلي، بات السؤال المطروح: هل نحن أمام مسار تصعيد يُراد منه فرض وقائع جديدة، أم أمام عملية إعادة ترتيب للميدان تسبق تسوية أوسع؟».
ويتوقف المصدر عند التحوُّل في خطاب «حزب الله» بعد إعلان إسرائيل السيطرة العملياتية على تلة علي الطاهر، معتبراً «أنّ الانتقال من التقليل من أهمية الموقع إلى الصمت السياسي والإعلامي يستحق التوقف عنده، من دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود قرار نهائي بتسليم السلاح أو التخلّي عن المواجهة». ويضيف، أنّ «إخلاء الحزب للمرتفعات قبل دخول الجيش الإسرائيلي إليها، يفتح الباب أمام قراءات متعددة، بينها احتمال أن يكون الإخلاء جزءاً من إعادة انتشار ميداني أو من ترتيبات غير معلنة مرتبطة بالمسار التفاوضي». ويرى المصدر، أنّ أهمية التحرُّك الأميركي لا تكمن فقط في تحديد موعد الجولة المقبلة، بل في محاولة اختبار استعداد إسرائيل للانتقال من إدارة الوضع الميداني إلى البحث في ترتيبات قابلة للتنفيذ».
وبحسب القراءة الديبلوماسية، فإنّ الجنوب يقف حالياً أمام مسارَين متوازيَين: الأول عسكري يقوم على استمرار الضغط الإسرائيلي وتثبيت مواقع متقدّمة وفرض وقائع جديدة؛ والثاني سياسي يقوم على تحويل هذه الوقائع عناصر تفاوضية في إطار الاتفاق الذي ترعاه واشنطن.
ويحذّر الديبلوماسي من أنّ استمرار العمليات العسكرية بالتزامن مع جمود التفاوض، قد يقود إلى نتيجة عكسية، إذ إنّ كل تغيير ميداني إسرائيلي يمكن أن يرفع سقف المطالب في طاولة المفاوضات، فيما يؤدّي كل تصعيد من جانب «حزب الله» إلى منح إسرائيل ذريعة إضافية للإبقاء على انتشارها.
ونقلت قناة «الجديد» عن مصادر سياسية قولها، إنّه «في ظل غياب سقوف العملية العسكرية الإسرائيلية والتوقعات بامتدادها إلى مناطق تصفها إسرائيل بـ«العسكرية والاستراتيجية» لـ«حزب الله»، سادت مخاوف وتحذيرات جدّية من تفلّت الجبهة الجنوبية عقب التطورات الأخيرة، فيما يحاول السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى في هذه المرحلة، تحقيق مكسب أو تقدّم في المفاوضات مع إسرائيل، قبل دخولها الأيام الفاصلة بالانتخابات». تحليلسياسي
الموقف الإسرائيلي
في غضون ذلك، أفادت هيئة البث الإسرائيلية، أنّه «خلال الليل (ليل امس الاول)، أُطلقت مسيّرتان مفخختان في اتجاه قوات الجيش الإسرائيلي العاملة في مرتفع علي الطاهر. ولم تقع إصابات في الحادثة. وردًا على ذلك، نفّذ سلاح الجو غارات واسعة في جنوب لبنان، واستهدفت إحدى الغارات مبنى في النبطية الفوقا كان يُستخدم سابقًا مستشفى، وقد تمّ إخلاؤه قبل نحو شهر ونصف. وبحسب التقارير، أسفرت الغارة عن مقتل شخص وإصابة آخرين».
ووفق هيئة البث «عقب الحادثة، طلبت آلية المراقبة الأميركية توضيحات من إسرائيل، وردّ مسؤولون إسرائيليون بأنّ المبنى كان يستخدمه «حزب الله» لنشاط عسكري، وقدّموا أدلة على ذلك إلى الجانب الأميركي».
وبحسب الهيئة «ستُعرض خطة الانسحاب المقرّرة هذا الأسبوع على قائد المنطقة الشمالية للمصادقة عليها، ومن ثم على المستوى السياسي. ووفقًا للخطة، بعد تدمير الأنفاق في علي الطاهر، ستنسحب القوات من «الخط الأصفر» وتتمركز عند «الخط الرمادي»، وهو شريط يبعد ما بين كيلومترين و4 كيلومترات عن الحدود الإسرائيلية. ومن المقرّر إقامة نحو 20 موقعًا عسكريًا دائمًا على هذا الخط، ستستند السيطرة العملياتية على المناطق التي سيتمّ إخلاؤها إلى وسائل المراقبة وطائرات سلاح الجو، التي ستعمل ضدّ أي خلايا مسلحة يتمّ رصدها». وأضافت: «نقلت إسرائيل رسالة إلى الحكومة اللبنانية عبر الولايات المتحدة، مفادها، أنّه لن يُسمح في هذه المرحلة بعودة السكان إلى المناطق التي سيتمّ إخلاؤها. ومن المتوقع أن تُطرح مسألة عودة السكان للنقاش في إطار المفاوضات المباشرة بين البلدين، التي ستُستأنف الأسبوع المقبل في روما». مراجعجغرافية
في الميدان
وكان التصعيد الإسرائيلي الذي أوقع 7 شهداء في مدينة النبطية ومحيطها وخلّف اضراراً كبيرة منها تدمير مستشفى غندور ومقر وزارة المال، تجدّد مساء أمس على مدينة النبطية ومحيطها، حيث نفّذت طائرة مسيّرة غارة استهدفت المدينة، قبل أن يشن الطيران الحربي سلسلة غارات مكثفة على المنطقة.
وقد بلغ عدد الغارات التي نُفذت خلال دقائق 6 غارات، توزعت بين النبطية الفوقا والنبطية التحتا. وأدّت إحدى الغارات إلى إصابة مراسل قناة «المنار» و»إذاعة النور» علي شبيب، ومصور كان يرافقه. وفي موازاة التصعيد، سُجّلت حركة نزوح من مدينة النبطية في اتجاه مناطق أكثر أمانًا. وامتد التصعيد إلى قضاء صور، حيث أغار الطيران الحربي الإسرائيلي على بلدة المنصوري على دفعتين.



