
ليست الجولة السابعة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية حدثاً دبلوماسياً معزولاً. فهي تنعقد فيما الجنوب لا يزال تحت النار، والاحتلال قائماً. تفاوض إسرائيل، من موقع القوة العسكرية، لا من موقع التهدئة.
تصعيدٌ ميداني يسبق كل جولة تفاوض، فتتحول الخروقات والاغتيالات والتفجيرات إلى أدوات ضغط. وما تسعى إليه إسرائيل هو تثبيت منطقة أمنية فعلية، ولو بوسائل مختلفة، وضمان أمن مستوطنات الشمال. لذلك، تريد ربط أي انسحاب بخطوات أمنية لبنانية مسبقة، والاحتفاظ بأوراق ضغط حتى بعد أي اتفاق. لكن، ما الذي يمكن أن يناله لبنان من الجلسة السابعة للتفاوض؟
بحسب المعطيات، يحمل الوفد اللبناني المفاوض مجموعةً من المطالب، من بينها وقف العدوان، والانسحاب الإسرائيلي، وإقامة منطقة تجريبية ثانية، يريد إقامتها، بحسب مصادر مطلعة، في بنت جبيل أو الخيام. وليس معلوماً السر وراء اختيار مثل هذه المناطق الواقعة داخل الشريط الأصفر، فيما كان يمكن المطالبة باستكمال المنطقة التجريبية الأولى، عبر الإصرار على الانسحاب من زوطر الشرقية ومنطقة الشقيف، الواقعتين خارج الخط الأصفر والقريبتين من علي الطاهر، بدل طرح مطالب تبدو غير قابلة للنقاش من الجانب الإسرائيلي.
طلب بهذا الحجم ليس ممكناً، بدليل الموقف الإسرائيلي الذي لا يزال يعتبر أن الخط الأصفر خارج الحسابات، وليس مطروحاً للتفاوض. وترى أوساط مطلعة على الورقة التفاوضية اللبنانية أن لبنان بالغ في سقف مطالبه، وهو يعلم أن الإسرائيلي لن يتجاوب معها، أيًا تكن المنطقة المطروحة.
ويُستدل على ذلك بما قاله السفير الأميركي في لبنان، ميشال عيسى، الذي قال: “لا يزال هناك قدر كبير من العمل التقني المطلوب لضمان سلامة المدنيين على الأرض”، متحدثاً عن فرق جوهري بين صياغة اتفاق على الورق وتنفيذه بمسؤولية، ومحذراً من أن التسرع في المضي قدماً قد يعرّض المدنيين، الذين تهدف هذه العملية إلى حمايتهم، للخطر. وخلص إلى أن “الطرفين ينبغي أن يتفقا على آلية واضحة وعملية قبل الشروع في المرحلة التالية”.
ويعكس هذا الكلام أن إسرائيل لا تزال تعد بعض ملفات المرحلة التجريبية الأولى غير منجزة، وأن الجيش اللبناني لا يزال، من وجهة نظرها، تحت الاختبار. كما يوجّه رسالة واضحة إلى الوفد اللبناني مفادها أنه لا انتقال إلى مرحلة ثانية قبل استكمال الأولى. ومن هذا الموقف يمكن الاستنتاج أن نتيجة الجلسة السابعة قد تكون: صفر مناطق تجريبية جديدة. وبحسب ما أوحى إليه كلام عيسى، وما تؤكده مصادر لبنانية معنية بالمفاوضات، فإن الاتفاق يقضي بأن تدخل إسرائيل مجددًا إلى المنطقة التجريبية الأولى، بعد إخلائها من الجيش اللبناني، لتتأكد بنفسها من النتائج. وبعد انسحابها، يفترض أن يعود الجيش اللبناني للتأكد من خلو المنطقة من أي تفجيرات أو عبوات محتملة قد تكون إسرائيل زرعتها. إنه سيناريو أميركي طويل وخطير.
ويزداد الأمر خطورةً مع الضغوط التي تُمارس على الجيش في ملف علي الطاهر، لبسط سيطرته على المنطقة، وهو المطلب الذي حمله رئيس الجمهورية جوزاف عون معه من واشنطن، علماً أنه مطلب إسرائيلي في أساسه. يدرك عون استحالة توجه الجيش نحو علي الطاهر من دون تنسيق مع حزب الله، كما يدرك أن الحزب سيرفض حتماً مثل هذا الطلب. وحتى لو وافق على تسليم المنطقة للجيش، فمن المرجح أن تطالب إسرائيل بدخولها لتفتيشها.
ويرفض الجيش هذا الطرح رفضاً قاطعاً، ويعتبر أن التنسيق مع حزب الله لا بد منه. ولذا تواصل إسرائيل تفجيراتها في محيط علي الطاهر، وتمهد لتوسيع عدوانها، تارةً بالحديث عن مسيّرة استهدفت آلية، وطوراً بتضخيم الأهمية العسكرية للتلة. ويعني ذلك أن نيات إسرائيل تشير إلى أنها تريد السيطرة على التلة، بالقوة أو عبر المفاوضات، لعدم ثقتها بإمكان تحقيق أهدافها بوسائل أخرى.
تريد إسرائيل أن يدخل لبنان في دائرة ما تحقق في المنطقة التجريبية الأولى، حيث تعتبر أن شروط الاتفاق لم تكتمل بعد، وأن التحقق من أداء الجيش اللبناني يحتاج إلى مزيد من الوقت.
ومرة جديدة، تضع الجيش في دائرة الضغط، وتطلب من الطرف اللبناني المفاوض تحقيق ما تعجز هي عن تحقيقه. لذلك، جاء رد الجيش على مطلب السيطرة على علي الطاهر واضحاً: إذا كانت إسرائيل تريدها، فلتأخذها كما أخذت غيرها من البلدات والقرى، أما الجيش فلن يدخلها كي يفتح الباب أمام دخولها إليها على البارد.
وليس معلوماً مدى دقة ما تنقله بعض الأوساط من أن الجناح السياسي المفاوض بدأ يشعر بأن قائد الجيش، العماد رودولف هيكل، لا يمتثل لما هو مطلوب منه في ما يتعلق بعلي الطاهر والمفاوضات. ولأنه لا يتوقع تجاوب إسرائيل مع مطالبه بشأن المنطقة التجريبية الثانية، وسّع الوفد المفاوض إطار البحث ليشمل لجاناً أمنيةً وسياسيةً واقتصاديةً متفرعة، في خطوة تبدو أقرب إلى الهروب إلى الأمام.
في روما، لن يُحسم مستقبل لبنان، لكن قد يُرسَم جزء من مستقبل الجنوب. وإذا بقيت النار هي التي تحدد إيقاع التفاوض، فستبقى السياسة تسير خلف الميدان، لا أمامه.
“الجريدة نيوز”



