
مع احتدام السجال السياسي حول قانون العفو العام وقانون إلغاء عقوبة الإعدام، عاد الملف إلى واجهة النقاش النيابي، وسط تباين حاد بين الكتل السياسية بشأن آلية إقرارهما وترابطهما. وبينما ترى جهات سياسية أن القانونين يجب أن يسيرا بالتوازي، تعتبر جهات أخرى أن الأولوية يجب أن تكون لقانون العفو العام، الأمر الذي أدى إلى احتدام الخلاف داخل مجلس النواب وخارجه، ولا سيما بين عدد من النواب السنة وحزب القوات اللبنانية.
وفي هذا السياق، أكد النائب بلال الحشيمي، في حديثٍ لـ”ليبانون ديبايت” على هامش لقاء النواب السنة في مجلس النواب، تمسكه بإقرار قانون العفو العام، مشددًا على أنه يشكل مدخلًا لرفع الظلم عن عدد من الإسلاميين الموقوفين والمحكومين، ولا سيما أولئك الذين أمضوا سنوات طويلة في السجون، وبعضهم بقي لأكثر من عشر سنوات من دون محاكمة، فيما صدرت بحق آخرين أحكام اعتبرها ظالمة عن المحكمة العسكرية السابقة.
وأوضح أن هناك قانونين مترابطين يجري النقاش بشأنهما، هما قانون إلغاء عقوبة الإعدام وقانون العفو العام، معتبرًا أن الأول يشكل عنصرًا أساسيًا في إنجاح الثاني. وأشار إلى أن إلغاء عقوبة الإعدام واستبدالها بعقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة يتيح، في ظل الصيغة المطروحة لقانون العفو العام، تخفيض مدة العقوبة الفعلية إلى سبعة عشر عامًا، بعدما كانوا يطالبون بأن تكون خمسة عشر عامًا، إلا أنهم لم يتمكنوا من الوصول إلى هذه النتيجة.
وأضاف أن اعتماد هذه الصيغة يسمح بإطلاق سراح عدد كبير من السجناء، بمن فيهم أحمد الأسير وعلي الحجيري، بعد سبعة عشر عامًا من السجن، لافتًا إلى أن نحو مئة شخص يمكن الإفراج عنهم في حال إقرار القانون، فيما يمكن الإفراج عن جزء آخر بعد سنة أو سنتين. وقال: “هذا هو الشكل الذي توصلنا إليه، وكان بالإمكان تحسينه أكثر لو حضر النواب السنة الجلسة ولم يقاطعوها”.
وأشار إلى أن المشكلة التي حصلت هي أن القوات اللبنانية رفضت الاكتفاء بتحويل عقوبة الإعدام إلى الأشغال الشاقة المؤبدة، وأضافت إليها وصف “المشددة”، فأصبحت “الأشغال الشاقة المؤبدة المشددة”. وأشار إلى أن ذلك يعني أن المحكوم بالإعدام الذي استبدلت عقوبته لن يستفيد من التخفيضات إلا بعد خمس وعشرين سنة، لأن العقوبة أصبحت مؤبدة مشددة، مضيفًا: “لذلك نحن لن نقبل بإضافة كلمة ‘المشددة’، لأنها تؤثر سلبًا في قانون العفو العام”.
وقال: “عندما رأت القوات اللبنانية أن الأجواء داخل المجلس النيابي، وبعد التفاهم مع مختلف الكتل، كالتكتل الوطني الحر، والحزب التقدمي الاشتراكي، وحركة أمل، وحزب الله، الذي وافق على مضض، كانت تتجه نحو حذف كلمة ‘المشددة’، انسحبت من الجلسة، ثم بدأت تزايد علينا بالقول إنها تؤيد قانون العفو العام، وصارت تقول إنها تريد إقرار قانون العفو العام قبل قانون إلغاء الإعدام”.
وتابع: “نحن لا نثق بهذا الطرح، لأن إبقاء كلمة ‘المشددة’ يعني عمليًا إفراغ قانون العفو العام من مضمونه. ولذلك نقول إن قانون إلغاء الإعدام يجب أن يُقر مع حذف كلمة ‘المشددة’. وهذا الأمر كان واضحًا في الاجتماع الذي عقد عند رئيس الحكومة، حيث كان الاتفاق بين النواب السنة على ضرورة حذف هذه الكلمة، إلا أن القوات اللبنانية رفضت ذلك، ثم عادت لتزايد علينا، وتدّعي اليوم أنها تدافع عن قانون العفو العام، بينما هي في الحقيقة لا تدافع عنه”.
وتوجه إلى القوات اللبنانية بالقول: “كفى استخفافًا بعقول الناس. من أراد النقاش فليأتِ إلى داخل الجلسة ويناقش، لا أن يقيم بطولات إعلامية ومؤتمرات صحافية خارج المجلس”.
وأعرب عن أسفه للكلام الذي صدر أمس عن رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، الذي يُلقب بـ”الحكيم”، معتبرًا أنه “لا يمت إلى الحكمة بصلة، لأنه وصف بعض النواب السنة بألفاظ نابية ومهينة، ومن المعيب أن يزايد علينا كنواب سنة في هذا الملف”.
وأضاف: “ربما أدى غياب الرئيس سعد الحريري إلى تشتت الساحة السنية، لكن هذا لا يعني أننا سنقبل بأن يكون سمير جعجع أو غيره وصيًا علينا أو يزايد علينا”.
وشدد على الحاجة إلى قانون عفو عام “يرفع الظلم عن الإسلاميين ويطوي هذه الصفحة”، متسائلًا: “هل يمكن أن نضحي بخروج أحمد الأسير مقابل إطلاق سراح بقية السجناء؟”. وأجاب: “نحن لا نضحي بأحد. فإذا بقي الجميع داخل الجلسة، سواء القوات اللبنانية أو غيرها، فنحن مستعدون لإقرار صيغة الخمسة عشر عامًا، وعندها سيخرج جميع السجناء من دون استثناء”.
وطالب نواب القوات اللبنانية بالإجابة عن سؤال واضح، قائلًا: “هل أنتم موافقون على أن تكون عقوبة المؤبد خمسة عشر عامًا؟ فإذا كنتم موافقين، فإن جميع السجناء سيخرجون، ولن يبقى أحد. لكن لا يجوز أن يستمر البعض في المزايدة علينا إعلاميًا والادعاء بأنه حافظ على قانون العفو العام، بينما هو انسحب من الجلسة”.
ودعا الحشيمي إلى النقاش داخل المجلس، وقال: “أما إذا كان الهدف هو مخاطبة الرأي العام المسيحي وإظهار أنكم لن تقبلوا بخروج الأسير أو الحجيري، فلا تدّعوا أنكم تدافعون عن دماء العسكريين. نحن جميعًا نضع دماء العسكريين، ودماء كل مواطن لبناني، فوق رؤوسنا، لكن لا يجوز استخدام هذا الملف للمزايدة السياسية”.
كما ذكّر جعجع بالقول: “لا تنسوا أننا نحن من أخرجكم من السجن عام 2005، عندما أقررنا قانون العفو الذي شملكم بعد الأحداث التي وقعت بحق الجيش اللبناني، لذلك لا يجوز أن تزايدوا علينا اليوم”.
وختم بالتأكيد: “نحن نقول: نريد قانون عفو عام يطوي هذه المرحلة، لأن البلد بحاجة إلى طي هذه الصفحة، لا إلى إثارة الانقسامات بين السنة”.



