
لم تكن المسيّرات الانقضاضية، ولن تكون، ولا حتى أمن الجنود الإسرائيليين أو مستعمراتهم، الدافع وراء توسيع إسرائيل احتلالها لجنوب لبنان. هذه مجرد ذريعة. فالمسيّرات موجودة وتستهدف القوات المحتلة على أرض الجنوب تحديداً، لا في أي مكان آخر. أما فكرة التوسع الإسرائيلي من خلال التوغل العسكري، فهي أسبق من دخول المسيّرات إلى ساحة المواجهة الجنوبية، وقد دوّنها الوزير الإسرائيلي السابق للشؤون الاستراتيجية رون ديرمر، في استراتيجيته التفاوضية الخاصة بلبنان وسوريا وغزة، حين تحدث عن ثلاثة خطوط وثلاث مناطق داخل الأراضي اللبنانية، تبدأ من قرى الحافة وتنتهي عند تخوم الأولي. ما يعني أن أي تفاوض جدي مع لبنان لا يبدأ قبل انتهاء إسرائيل من تثبيت هذه الاستراتيجية ميدانياً.
HandsfieldHandsfield
يتضح بذلك ما تقوم به إسرائيل اليوم في الجنوب، كما في سوريا وقطاع غزة. فهي لا تسعى فقط إلى توسيع احتلالها لفرضه شرطاً في أي اتفاق مستقبلي مع لبنان، فهذا أمر محسوم بالنسبة إليها، بل تريد استخدام هذا الاحتلال كورقة مقايضة في مسار تفكيك حزب الله ومشروع القضاء عليه، بالتوازي مع محاولة تأليب البيئة الشيعية المنكوبة، التي تنتقل من نزوح إلى آخر.
هذا ما أرادت إسرائيل تكريسه أمس على تخوم الضاحية الجنوبية لبيروت، في الشويفات، التي كانت ولا تزال ملاذاً للنازحين خلال الحرب الأخيرة وما تلاها. فأن تُغير إسرائيل على هدف أمني مزعوم في منطقة سكنية، يدخل ضمن سياق الحرب التي تخوضها مع المقاومة. لكن توقيت الغارة يحمل دلالات تتجاوز البعد العسكري المباشر. إسرائيل لا تريد ترك أي مدينة آمنة، أو قابلة لأن تُعتبر آمنة، يمكن أن يستفيد منها الحزب أو بيئته أو حتى عناصره. وفي إطار حربها المستمرة على حزب الله، وما دامت إسرائيل تقول إن شمالها ما يزال تحت التهديد، فهي لا تريد بالمقابل وجود منطقة مستقرة لمؤيدي الحزب وأنصاره.
كذلك يمكن إدراج الغارة، بتوقيتها، في إطار المفاوضات الجارية في المنطقة. فمنذ أيام ومع التسريبات حول تطور المفاوضات واحتمال الوصول لاتفاق أميركي – إيراني برعاية باكستانية وإقليمية، تبدي إسرائيل نيتها، بلا مواربة، توسيع نطاق حربها على لبنان لتشمل بيروت وضاحيتها الجنوبية، وهي تؤكد أنها تناقش هذا الأمر مع الأميركيين. اختيار توقيت الغارة بالتزامن مع المسار التفاوضي، يهدف إلى إيصال رسالة بأن إسرائيل غير مقيدة بأي التزام تفاوضي مستقبلي يتعلق بتحييد جبهات أو مناطق، وأن الحرب مستمرة سواء وافقت الحكومة اللبنانية على ربط وقف إطلاق النار بالمسار الإيراني أو أبقته ضمن مسار واشنطن.
تنطلق تل أبيب هنا من معادلة أساسية. فخلال الأيام الماضية، تحرك وسطاء على خطين متوازيين بين المقاومة والحكومة اللبنانية. وتردد أن ثمة مقترحاً يقوم على وقف الحزب للقتال لفترة محددة، مقابل أن تتولى الحكومة اللبنانية التفاوض عبر الأميركيين لتحقيق الشروط الخمسة الواردة في “مبادرة الرئيس عون”. إلا أن ذلك لا يبدو قابلاً للتحقق، ببساطة لأن المقاومة ترفض وقف إطلاق نار من جانب واحد ما لم تلتزم إسرائيل بالمثل، فيما ترفض إسرائيل أساساً وقف إطلاق النار، قبل البحث حتى في أصل فكرة التفاوض وجدواها.
في الأثناء، توجه الوفد العسكري اللبناني المفاوض إلى واشنطن، وهو مثقل بالتوجيهات، بعدما التقى قائد الجيش العماد رودولف هيكل أعضاءه في مكتبه في اليرزة قبل سفرهم بأيام، وأعطاهم توجيهات واضحة، بدا أنها أشبه بـ”بروتوكول عمل”، ومنسقة مع رئاسة الجمهورية.
ربط قائد الجيش، في توجيهاته، بين الواقع الميداني الحالي ووضعية الجيش اللبناني، وأبلغ الضباط أن رئيس الوفد سيمون كرم سيكون حاضراً معهم. لكن ذلك لا يعني بالضرورة دمج المسارين السياسي والعسكري. وقد شدد، بحسب ما فهم، على حصر النقاشات مع الوفدين الأميركي والإسرائيلي بمسألة تثبيت وقف إطلاق النار، مع التركيز على وقف التوغل الإسرائيلي شمال خط وقف إطلاق النار (أي شمال الليطاني)، بعدما برز هذا التطور بصورة استثنائية قبل أيام من سفر الوفد. كما جرى التذكير بملفات الأسرى، والانسحاب الإسرائيلي، ووقف الاعتداءات بما يسمح للجيش بالانتشار، مع ضمان عدم التعرض له خلال عملية الانتشار.
ومن بين النقاط المهمة التي عُممت، مسائل ذات طابع تقني وإجرائي. إذ فُضّل عدم توجيه الحديث مباشرة إلى أعضاء الوفد الإسرائيلي، وأن تكون المداخلات عامة أمام الحاضرين. كما وُضع أعضاء الوفد في صورة أن الإسرائيليين سيحاولون التقرب من الضباط اللبنانيين، خصوصاً خلال فترات الاستراحة، فصدرت توجيهات بعدم الانخراط في محادثات جانبية. وحتى على مستوى لغة الجسد، جرى التفضيل بعدم النظر مباشرة إلى وجوه الإسرائيليين، وتجنب المصافحة.
كل ما يقوم به الجيش اللبناني ينطلق من قواعد قانونية ومؤسساتية واضحة. فالجيش الإسرائيلي ما يزال، في منظور القانون اللبناني والقوانين العسكرية، جيشاً معادياً، ولا يجوز التعاطي معه بصورة طبيعية في وقت يواصل فيه تدمير المنازل وقتل اللبنانيين. كما ثمة هاجس قانوني لدى الضباط، يتعلق بإمكان ملاحقتهم مستقبلاً إذا ما بدا أنهم يتعاملون مع الإسرائيليين بصورة اعتيادية.
وفي قصر بعبدا، صدرت أيضاً توجيهات خلال لقاء رئيس الجمهورية جوزاف عون بأعضاء الوفد. جوهرها التأكيد أن المسارين الدبلوماسي والعسكري منفصلان، حتى وإن كان السفير سيمون كرم سيحضر الجلسات إلى جانب الضباط ويرأس الوفد اللبناني، ليس بصفته الدبلوماسية بل بصفته كبير المفاوضين اللبنانيين. كما جرى التشديد على ضرورة التزام الضباط بتوجيهات المستوى السياسي وعدم الخوض في أي مسائل ذات طابع سياسي أو خارج جدول الأعمال المحدد.
لكن اللافت أن اللبنانيين، حتى اللحظة، لم يتبلغوا جدول أعمال أميركياً واضحاً لجلسة التفاوض العسكرية التي تعقد في وزارة الدفاع الأميركية في واشنطن، اليوم الجمعة، رغم أن التقديرات كانت تشير إلى وجود جدول أعمال تفصيلي. ويزداد الاعتقاد بأن تطورات المنطقة، بما فيها المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية، ربما دفعت إلى تعديل الأولويات. من هنا ينمو انطباع لدى بعض الأوساط اللبنانية بأن الوفد يذهب إلى واشنطن لمجرد الحضور، بما قد يحول المفاوضات إلى مسار شكلي أكثر منه فعلي.
ثمة قضية إضافية تزيد من الحمولة الزائدة، ترتبط بالعقوبات الأميركية التي طالت ضباطاً في الجيش اللبناني والأمن العام. صحيح أن لبنان تلقى تطمينات بأن الإجراءات لا تستهدف المؤسستين بحد ذاتهما، بل أفراداً محددين، إلا أن ذلك بقي يشكل هاجساً لدى الجيش والأمن العام وسائر الأجهزة، خصوصاً في ظل وجود تيار نافذ داخل الإدارة الأميركية يريد زج الجيش في المواجهة، عبر اتهام بعض ضباطه بعلاقات مع حزب الله، واستخدام هذا الملف للضغط على المؤسسة العسكرية.
ولا يتعلق الأمر بوقف المساعدات العسكرية، إذ تبلغ لبنان رسمياً أن هذه المساعدات مستمرة ومرتبطة ببرامج مكافحة الإرهاب الخاص بمكافحة تنظيم داعش، بل بما هو أبعد من ذلك. فثمة ما يفهم على أنه رغبة أميركية بإطلاق عملية “تنظيف” داخل الجيش والمؤسسات الأمنية، تستهدف الضباط لمجرد الإشتباه بقربهم من حزب الله، علماً أن قسماً كبيراً من هؤلاء ليسوا من الضباط الشيعة. أي أن المطلوب، وفق هذا المنطق، إعادة هيكلة ذات طابع أمني وسياسي داخل الجيش والمؤسسات الأمنية الأخرى، بما يتلاءم مع المرحلة الجديدة التي يجري الإعداد لها.
في المقابل، لا يبدو الجيش اللبناني ولا المؤسسات الأمنية الأخرى في وارد الاستسلام لهذه الضغوط. فموقفها الحالي، والذي سبق أن أبلغته للجهات المعنية، أنها تثق بضباطها، وأن أي ضابط يثبت إخلاله بالتزاماته ستتم محاسبته وفق الأصول. لذلك طالبت بوثائق ومستندات واضحة حول الضباط “المشتبه بهم” في علاقات ذات أبعاد أمنية أو غير أمنية، من دون أن تتلقى أي شيء حتى الآن. وفي موازاة ذلك، تراهن المؤسسة العسكرية على علاقتها الجيدة بتيار مؤثر داخل المؤسسات الأمنية الأميركية، وخصوصاً داخل القيادة المركزية الأميركية Centcom، بهدف خلق نوع من التوازن في مواجهة الضغوط السياسية المتزايدة.
“الجريدة نيوز”



