
صدر عن النائب الدكتور بلال الحشيمي البيان الآتي:
في ظل الحملات السياسية والإعلامية والتحريضية التي تُثار حول قانون العفو العام، وما يُضخ من معلومات مغلوطة ومزايدات شعبوية تستثمر بوجع الناس ومعاناة آلاف العائلات اللبنانية، أجد من واجبي الوطني والأخلاقي توضيح بعض الحقائق للرأي العام بكل شفافية ومسؤولية.
أولاً، إن قضية الموقوفين والمحكومين في لبنان ليست قضية شخص أو اسم أو حالة فردية، بل هي قضية ظلمٍ متراكم منذ سنوات طويلة، وخصوصاً منذ عام 2007 وحتى اليوم. آلاف العائلات اللبنانية دفعت أثماناً قاسية نتيجة التوقيفات الطويلة، وتأخر المحاكمات، والتجاذبات السياسية والأمنية، فيما كبر أطفال بعيداً عن آبائهم، وذبلت أعمار أمهات على أبواب السجون والمحاكم بانتظار لحظة عدالة وإنصاف.
ومن هنا، فإن مقاربتنا لملف العفو العام لم تكن يوماً دفاعاً عن أفراد، بل محاولة جدية لمعالجة جزء كبير من هذا الظلم ضمن الممكن القانوني والسياسي، ومنع بقاء آلاف العائلات رهينة الانتظار والمعاناة إلى ما لا نهاية.
ثانياً، إن الاجتماعات التي عُقدت داخل اللجان المشتركة لم تكن شكلية ولا إعلامية، بل كانت جلسات طويلة وشاقة ومعقدة، نوقشت خلالها المواد بنداً بنداً وسط ضغوط واعتراضات حادة على عدد من البنود التي كانت تهدد عملياً بإفراغ العفو من مضمونه الحقيقي وتقليص أعداد المستفيدين منه.
وأؤكد بكل وضوح أنه كانت هناك مواد أساسية رفضنا التصويت عليها داخل اللجان المشتركة، لأننا اعتبرنا أن بعضها قد يؤثر سلباً على مسار قانون العفو العام ويؤدي إلى ضرب أهدافه الإنسانية والوطنية. ولذلك أصررنا على تأجيل هذه المواد إلى الهيئة العامة لمجلس النواب لاستكمال النقاش حولها بشكل أوسع وأكثر دقة ومسؤولية، حتى لا نساهم في تفريغ القانون من مضمونه أو في إسقاطه بالكامل.
لقد تعاملنا مع هذا الملف بمنتهى الجدية، وأجرينا نقاشات واتصالات واسعة مع حقوقيين ومحامين وبعض القضاة وأصحاب الاختصاص لإجراء دراسة قانونية شاملة لكل مادة وكل تعديل، حرصاً على عدم الوقوع بأي ثغرات أو أخطاء قد تضيع فرصة حقيقية لرفع الظلم عن آلاف الموقوفين والمحكومين.
ثالثاً، إن الوقائع الفعلية التي أُنجزت خلال النقاشات والاتصالات الأخيرة تشكل تقدماً حقيقياً مقارنة بما كان مطروحاً سابقاً، حيث باتت العقوبات تسير وفق معايير تسمح بخروج شريحة واسعة جداً من الموقوفين والمحكومين، ومنها:
– احتساب عقوبة الإعدام على أساس 21 سنة.
– احتساب عقوبة المؤبد على أساس 13 سنة ونصف.
– خروج الموقوف حكماً إذا تجاوزت مدة توقيفه 10 سنوات ونصف من دون حسم نهائي بقضيته.
– التأكيد أن الإدغام لا يُطبّق على المحكمة العسكرية.
ورغم أن هذه الصيغة ليست مثالية بالكامل، إلا أنها تفتح الباب أمام معالجة فعلية لملف آلاف الأشخاص الذين ينتظرون منذ سنوات طويلة.
رابعاً، إن من المؤسف أن يتحول هذا الملف الإنساني الكبير إلى منصة للتحريض والشعبوية والتخوين. فبعض الذين يرفعون الصوت اليوم أمام الإعلام لم يكونوا أصلاً داخل جلسات النقاش التفصيلية، فيما غاب أكثر من عشرين نائباً سنياً من أصل سبعة وعشرين عن معظم الاجتماعات الأساسية، ثم عاد البعض لاحقاً بخطابات عالية السقف توحي وكأنهم كانوا يقودون المعركة منذ بدايتها.
ونقولها بكل وضوح: هذا ليس وقت الشعبوية ولا المزايدات ولا الاستثمار بوجع الناس. من يريد الدفاع فعلاً عن الموقوفين والمحكومين فليحضر الجلسات، وليشارك بالنقاشات داخل المؤسسات، حيث تُناقش المواد وتُنتزع الحقوق وتُحمى القوانين، لا عبر الشاشات ومنابر التحريض.
خامساً، إن أخطر ما يحصل اليوم هو محاولة دفع الأمور نحو تفجير قانون العفو العام بالكامل تحت عناوين عاطفية وشعارات مرتفعة السقف. لأن إسقاط القانون لن يحرر مظلوماً، ولن يعيد أباً إلى أولاده، بل سيعيد آلاف العائلات إلى دائرة اليأس والانتظار لسنوات إضافية.
وفي الختام، أؤكد أن رفع الظلم عن الناس مسؤولية وطنية وأخلاقية وإنسانية، وليس بازاراً سياسياً ولا مناسبة للمزايدات الإعلامية. والتاريخ سيسجل من بقي داخل المعركة حتى النهاية دفاعاً عن المظلومين وعائلاتهم، كما سيسجل من اختار الغياب عن الاجتماعات ثم عاد لتحريض الناس ومحاولة إسقاط آخر نافذة أمل أمام آلاف اللبنانيين.



