مقالات صحفية

“ماذا يعني تفجير لبنان بعد اتفاق طهران” بقلم الكاتب السياسي جوني منيّر

بعد الأسلوب الهوليودي المثير الذي اتبعه الرئيس الأميركي دونالد ترامب وصولا للإعلان عن تفاهم نتج عنه قرار قرار وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران، تزاحمت الأسئلة حول العديد من الجوانب الغامضة للإتفاق، ولاسيما حول مضيق هرمز وكيفية إدارته، وحول مصير الجبهة اللبنانية، وسط تصاعد أصوات المعارضة الإسرائيلية ضد رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو. لكن ما هي إلا ساعات معدودة حتى نفذت إسرائيل عملية جوية دموية هي الأكبر منذ الحرب الماضية.
فمع الإعلان عن الإتفاق بوساطة باكستانية، سادت القناعة في لبنان بأن ساحته تعتبر مشمولة باتفاق وقف إطلاق النار، وفق البنود التي جرى التداول بها. لكن الوقائع الميدانية كانت تشي بالعكس، وكذلك المواقف الصادرة عن نتنياهو ورئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير. وما هي إلا ساعات معدودة حتى نفذت الطائرات الإسرائيلية مجزرتها الكبرى. وكان من المفترض أن يؤدي هذا التصعيد الجنوني، وهو الأكبر على الإطلاق منذ عودة الحرب الى لبنان، الى تعليق الإتفاق كونه يشكل خرقا كبيرا لأحد أبرز بنوده. لكن ذلك لم يحصل واقتصرت ردود الفعل على المواقف الشاجبة، ما أوحى بأن هذا الإتفاق الهش، وفق توصيف نائب الرئيس الأميركي، هو أكثر ثباتا مما ظهر عليه إعلاميا. لا بل كان معبرا جدا إعلان إسرائيل عن قرار إعادة العمل بمطار بن غوريون بكامل طاقته بدءا من منتصف ليل الأربعاء_الخميس، وكذلك مطار هرتسيليا صباح الخميس، ومطار رامون يوم الأحد، فيما جرى تأجيل موعد إعادة تشغيل مطار حيفا القريب من الحدود مع لبنان الى موعد غير محدد، وذلك بانتظار إخضاع هذا القرار “لدرس كاف” بناء على تقييم الوضع نهاية الأسبوع الجاري، وفق ما جاء في قرار الحكومة الإسرائيلية.
ونفذت إسرائيل ضربتها الجوية المباغتة والواسعة في وقت اعتبر فيه البعض بأنها جاءت ردا تخريبيا على الإتفاق الذي جرى التوصل إليه قبل ساعات معدودة. لكن سرعان ما تبين أن هذا الإعتقاد كان خاطئا. فمن جهة أكدت إسرائيل أنها خططت طوال الأسابيع الماضية لضربتها وهو ما يتوافق مع المنطق إذ أنه من المستحيل تحضير ضربة بهذا الحجم خلال ساعات، ومن جهة أخرى إلتزمت واشنطن الصمت إثر ما حصل. فلو كانت العملية تحمل طابع الرد على الإتفاق بهدف عرقلته لكان رد فعل ترامب عاصفا وغاضبا وسريعا، وهو ما لم يحصل. لكن علامة الإستفهام كانت حول ذهاب إيران للإعلان عن خروجها من الإتفاق. فالتنديد اللفظي هنا لا يتناسب مع حجم وهول الإعتداء الإسرائيلي. أضف الى ذلك تأكيد ترامب أن الجلسة التفاوضية الأولى في باكستان بين واشنطن وطهران ستعقد يوم الجمعة القادم، وذلك بعد ساعتين على الهجوم الإسرائيلي الوحشي والدامي.
وبالعودة الى ما تسرب عن “نقاط” الإتفاق، تبرز فوارق كبيرة والكثير من الجوانب الغامضة. ومن المنطقي الإعتقاد بأن اتفاقا بعد حرب بهذا الحجم لا بد أن يلحظ الكثير من الجوانب المخفية، وهي أكثر بكثير مما جرى الكشف عنه. فعلينا ألا ننسى بأن هذه الحرب خاضتها واشنطن مباشرة مع “عدو” نسج تحالفات عميقة مع أخصام المصالح الأميركية في العالم، وهو بنى محورا تجرأ على التمدد حول منابع النفط ورسخ أقدامه في قلب الكيان الإسرائيلي، وثبت حضوره العسكري والصاروخي عند الشاطىء الشرقي للبحر المتوسط عبر الساحل اللبناني، وصولا الى تهديده القواعد العسكرية في قبرص. وكل ذلك تحت غطاء العباءة الدينية. لدرجة أن بلدان الشرق الأوسط والخليج العربي باتت مهددة من داخلها بسبب التنوع والتداخل المذهبي في تكوين شعوبها. ومن هنا يمكن استعادة العبارات المبهمة التي يطلقها ترامب بين الحين والآخر والتي يثبت لاحقا أنها تعكس شيئا ما يجري نسجه في الخفاء. ففي عز الحرب على إيران وصف ترامب المسؤولين الجدد في إيران بأنهم أكثر واقعية ممن سبقوهم، وأنه يمكن التفاهم معهم. ولا شك أن ترامب كان يعبر عن شيء ما يجري في الكواليس التفاوضية.
والوقائع التاريخية تظهر أن ما يصدر فورا عن اتفاقات وقف النار لا يعكس الخلفيات الحقيقية والواقعية للنصوص التي جرى نسجها في الكواليس. فكيف إذا مع أنظمة مشابهة لتلك القائمة في الشرق الأوسط، حيث الهيبة وصورة الإنتصار هما الركيزة الضرورية والملحة لحماية استمرارية النظام. والمفارقة هنا أن ترامب نفسه كما نتنياهو بحاجة أيضا لرفع قبضة الإنتصار بسبب الأوضاع الداخلية الصعبة على أبواب انتخابات مفصلية قد تؤدي خسارتها الى متاهات كبرى. ومن هنا، فإن النصوص الموزعة والمسربة بدت مختلفة في العديد من أوجهها. ما يعني أن هنالك نصوص موجهة للتسويق الداخلي، ولكن النص الحقيقي والدقيق بقي محفوظا جانبا.
فمع الإعلان عن التوصل لتفاهم حول وقف النار، شارك ترامب عبر صفحته على “تروث سوشال” نقطتين مما أعلنه وزير الخارجية الإيراني عباس عرقجي بإسم المجلس الأعلى للأمن القومي حول توقف القوات المسلحة الإيرانية عن عملياتها الدفاعية إذا توقفت الهجمات على إيران. وأضاف عرقجي بالإعلان عن تنظيم مرور آمن ولمدة أسبوعين عبر مضيق هرمز بالتنسيق مع القوات المسلحة الإيرانية. وهو ما يعني تبني ترامب لما أورده عرقجي حصرا هنا. لكن البيان الصادر عن أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي تضمن نقاطا إضافية لم تذكرها واشنطن، وهي: استمرار سيطرة إيران على مضيق هرمز، وانسحاب القوات الأميركية من جميع القواعد ونقاط الإنتشار، ووضع بروتوكول آمن للملاحة في مضيق هرمز، والحصول على تعويضات كاملة لإيران وفقا للتقديرات، وأيضا رفع جميع العقوبات الأولية والثانوية والقرارات الصادرة عن مجلس الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، كما الإفراج عن جميع الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج، ووقف الحرب على الجبهات كافة بما فيها لبنان، وإقرار جميع هذه البنود ضمن قرار ملزم يصدر عن مجلس الأمن.
أما رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف فاكتفى بالإعلان عن وقف لإطلاق النار بين واشنطن وطهران وحلفاء كل منهما في كل مكان بما في ذلك لبنان وأماكن أخرى. وأضاف بأن وقف إطلاق النار يسير بشكل فوري، إضافة الى دعوة وفود الدولتين الى جلسة تفاوضية يوم الجمعة في 15 نيسان لمواصلة التفاوض للتوصل الى اتفاق يشمل كل النزاعات.
من جهته نتنياهو تحدث عن وقف لإطلاق النار لمدة أسبوعين لا يشمل لبنان، وهو ما يتناقض مع ما أعلنه رئيس الوزراء الباكستاني.
ووفق ما تقدم يظهر بوضوح تباين في نقاط الإتفاق، وهو ما يفرضه التسويق الداخلي والمتطلبات الإعلامية لإعلان النصر.
لكن من الواضح أن النظام الديني في إيران وبعد كل ما تعرض له نجح في تجاوز الإمتحان القاتل، وحافظ على بقائه رغم الإغتيالات التي طالت قادته وكبار رجالاته. وقد يصح القول هنا أن واشنطن ستكون معنية من الآن فصاعدا بعدم استهداف نظام أنجزت معه اتفاقا كبيرا. وهذا الإتفاق لا يشمل فقط جوانب إقتصادية حيوية عالمية، لكن أيضا قد تكون تلامس إعادة صياغة خارطة سياسية جديدة ولو من دون الإعلان عنها. ذلك أن الفلسفة السياسية لخلفية الإتفاق تبقى الأهم على الإطلاق. واللافت في هذا المضمار ما نقله مراسل شبكة ABC جوناثان كارل عن ترامب قوله بأنه يمكن إقامة مشروع مشترك بين واشنطن وطهران لتحصيل رسوم في مضيق هرمز، “فنحن ندرس إمكانية القيام بذلك كمشروع مشترك”. ألا تعني الشراكة المالية شراكة سياسية أيضا، بطريقة أو بأخرى؟ ولو أن ذلك لن يعفي النظام الإيراني من التحديات الإقتصادية والمعيشية والإجتماعية التي ستثير مجتمعه مستقبلا كلما تقدم الوقت، بسبب الدمار الهائل الذي طال بنيته الإقتصادية والمالية والإنمائية.
وعلى المستوى الإسرائيلي بقي نتنياهو متمسكا بفصل الجبهتين الإيرانية واللبنانية، وهو نجح بترجمة ذلك، حتى الآن على الأقل. فما إن جرى الإعلان عن الإتفاق حتى تصاعدت أصوات الإنتقادات الحادة من معارضي نتنياهو. وجاءت أبرز الهجمات من زعيم المعارضة يائير لابيد والذي قال أن إسرائيل لم تشهد في تاريخها كارثة سياسية كهذه. وتابع أن إسرائيل لم تكن حاضرة عند اتخاذ قرارات تتعلق بجوهر أمنها القومي: “فلقد نفذ الجيش كل ما طلب منه، وأظهر الشعب صمودا مذهلا، لكن نتنياهو فشل سياسيا واستراتيجيا ولم يحقق أيا من الأهداف التي وضعها بنفسه”. وهذا الكلام يظهر بوضوح مدى تحفز المعارضة للإنقضاض على نتنياهو في الإنتخابات بعد أشهر معدودة.
ووفق ما تقدم، لا يبدو واقعيا وضع الضربة الإسرائيلية الواسعة في خانة سعي نتنياهو للخربطة على الإتفاق. وقد تأخذنا التحليلات الى تصورات عدة، منها على سبيل المثال سعي نتنياهو بالتفاهم مع ترامب لفرض بند حل التركيبة العسكرية لحزب الله على جدول أعمال المفاوضات الأميركية_الإيرانية يوم غد الجمعة، خصوصا وأن الضربة الجوية طالت قيادات وكادرات تنظيمية وقيادية في حزب الله، ما يعني أن الأهداف تتجاوز إقامة منطقة عازلة والتي تعمل لها إسرائيل عسكريا في الجنوب.
في الثالث من نيسان، وقبل ساعات معدودة على على موعد عرض مسلسل “السفارة 87” على منصة شاهد التابعة لمجموعة MBC السعودية، جرى الإعلان عن تأجيل موعد العرض لأجل غير محدد، رغم الحملة الترويجية المكثفة التي كانت سبقت. وأهمية المسلسل أن وقائعه تعود للعام 1987 في طهران حين جرى احتجاز ديبلوماسيين سعوديين وسط أزمة سياسية حادة إثر تظاهرة حجاج إيرانيين في مكة، وما تلاها من أعمال شغب. وسياق المسلسل الذي يطال جوانب حساسة من الخلاف السعودي مع النظام الحاكم في إيران يثير حساسية طهران. لذلك فإن هذا المسلسل الذي انتهى العمل به عام 2022، جرى إرجاء عرضه للمرة الأولى عام 2023 بعد استئناف العلاقات بين الرياض وطهران بوساطة صينية. وخلال الأسابيع الماضية وإثر القصف الذي طال السعودية توترت العلاقات من جديد بين البلدين، وهو ما عبر عنه وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان قائلا: لقد تلاشت الثقة الضئيلة التي كانت موجودة سابقا. وبالتالي كان من المنطقي أن تعمد السعودية لعرض المسلسل. لكن العزوف عن ذلك بشكل مفاجىء قبل أيام أوحى بوجود ترتيبات وتفاهمات جذرية يجري حياكتها في الكواليس الأميركية. والسؤال هنا ما إذا كانت تطال الساحة اللبنانية؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى