مقالات صحفية

“أميركا أبستين والشرق الرواقي” بقلم الدكتور انطون حداد

عالجت المدرسة الرواقية مسألة الشهوة كإحدى أكثر المسائل الانسانية حساسية وخطورة كأمر موجود يحمله أكثر الرجال لكن بصمت وسموها Epitymia أي الرغبة حين تضطرب عن ميزانها. مع ذلك لم يعدوها مشكلة في ذاتها، فالمشكلة لم تكن في الشعور الذي يطرأ على النفس ،بل في الحكم الذي يطرأ على النفس، بل في الحكم الذي يصدره العقل عليها.
حين تظهر الشهوة يبدأ العقل في نسج حكاية خفية :” أنا بحاجة الى هذا” ، يمنحني الرضا ، سيخفف علي وطأة في صدري”. ويرى الرواقيون أنك أنت الذي ألف هذه الحكاية. فالرواقي لا ينتظر لحظة ليقرر… بل يهيء لها نفسه سلفا”. وفي الحقيقة هذا هو وجه الشبه ربما الوحيد بين الرواقي والامبريالي.
نعم، هذا الاخير هيأ نفسه سلفا” دون أن ينتظر لحظة ضعف نفسه وعقله ونضج الحكاية الخفية طالما ستخفف عنه الوطأة في صدره، وهذه الشهوة تظهر راسخة في صميم الأمبريالي الرأسمالي الجشع الذي نسج عقله حكايته أو مقولته الخفية _المعلنة.
ربما كبير الفوارق بين الرواقي والرأسمالي يكمن في أن للأول عقل إذا أعجبه شيء ألبسه ثوبا” بسيطا” ورده الى أصله وجرده في حين أن الآخر الغربي إذا أعجب بشيء ألبسه الزخرف والزينة و”زوزقه” وغلفه بغلاف من الألق والسحر ،أما إذا لم يعجبه أو أزعجه ألبسه ثوبا” ساحرا” من القبح والفظاظة.
معطوفة على شهوة الرأسمالي الانانوي Egoïste الصاخبة المشحونة بالشعور الذي يطرأ على نفسه المتفلتة من كل ضابط عقلي وعاطفي ، تضحى النفس الرأسمالية خطرا” على ذاتها أكثر مما هي خطر على الآخر . تختلق الذرائع بسهولة، وتستغني عنها في حال غيابها تحقيقا” وأشباعا” لما تزخر به من شهوات وغرائز بصورة لا يمكن للآخر تقبلها والتكيف معها، حتى ممن نشأووا وترعرعوا في كنفها. وهذا ما حدا بالضابط الأميركي الذي داهم جزيرة إبستين للقول ( بالمختصر):” نحن لم نداهم جزيرة( جزيرة إبستين التي تختصر العهر اليهودي_ الرأسمالي والمولد لحكام الغرب والدول الخاضعة لسلطانه) بل مستودعا” للأنسانية المكسورة …مكان يعاد فيه تشكيل الضيوف نفسيا” ، وحتى طريقة تصميم الصوت والإضاءة داخله كانت تستخدم لتغيير حالة الشخص الذهنية ليس لطقس روحي بل لطقس الخضوع…تماما” كما وقف ممثل الديمقراطية الاميركية ليملي علنا” على الصحافة ما فعلته سرا” وزيرة الخارجية الأسبق كوندوليزا رايس قائلا” ما معناه:” لا يقال أن إيران قصفت الموقع الفلاني، إنما إيران تهاجم دول الجوار ذات السيادة” ما تراه هنا يبقى هنا ، من يملك هذا المكان يملكك”. لفهم هذا الاقتباس من الضروري فهم أن الضيوف نوعان : الأول القاصرات وهن ضحايا الإغراء بالقدوم الى الجزيرة أو المختطفات من المدارس والشوارع وحتى المستشفيات ( عند الولادة)، ومنهن مختطفات كثر من خارج الولايات المتحدة لأهداف كثيرة أهمها تأمين أدوات الاغراء والابتزاز لأشخاص يحضرون لمواقع حساسة في السياسة بعضهم رؤساء في دول كبرى كالولايات المتحدة يذكر منهم الرئيس السابق كلينتون والحالي ترامب ( محور البحث) والرؤساء الفرنسي ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني جونسون johnson بعضها خارج الجزيرة (فالولايات المتحدة جزيرة ابستين كبرى في بعض وجوهها) بقصد الاتجار بالبشر وبيع الأعضاء…
الرأسمالية نظام إقتصادي إجتماعي يقوم على المبادرة الفردية يطلق للنفس البشرية العنان في الوصول الى أهدافها وفي طليعتها الجشع من خلال تعزيز الربح وتشريعه( ركز على نقده كارل ماركس)، وإطلاق الشهوات من مخادعها وهما المحرض والدافع الفردي لإغراء الافراد والجماعات عن طريق ضخ إعلامي هائل ودعاية تحاكي شهوات النفس البشرية ونوازعها، تقتل أو تكاد كل رادع أخلاقي سواء إجتماعي أو ديني بنشر الخبر على طريقتها والتسويق الزائف للحقائق
أنطلاقا” من هذا، تبقى الشهية والشهوة الاميركية مفتوحة على ما تختزنه أي أرض بالتناغم بين شهوة ترامب وإدارته والحومة الحاكمة في الظل ، فترامب التاجر لم يتورع عن الإفصاح عن نوازع نفسه المركنتالية المحكومة بالجشع وحب الأنا Egoïsme Ego centriste منذ دخوله البيت البيضاوي،وذلك بإعلانه الوقح أنه يحب رائحة النفط والجلوس على منابعه في سورية وسؤاله أمير البحرين:” لديكم 700 مليار دولار أحتياط ، لا تحتاجها” وهكذا مع بقية دول الخليج يحسب لها براميل النفط واحدا” واحدا” ويطالبها بما يشبه ” التعشير” أو المناصفة، واستغلال كل فرصة أو مقلب أو حدث يتدخل به ، أو يوهمها به ، وهذا ما أقنعه به معلمه نتنياهو بعد أن صدق كذبته التي طالما رددها بوجود التهديد الايراني وأطماعه وخطره النووي كالذريعة ذاتها في العراق وأسلحة الدمار الشامل التي سفهها غزو فنزويلا و قوله وبإصرار :” ذهبنا الى فنزويللا لأجل النفط” دون سياسة أو مواربة بل بوقاحة أحرجت وزير دفاع هيغست والمتعجرف اليهودي لندسي غراهام، وهو يحاول تجميل الصورة بجعله :”الهدف ملاحقة مروجي المخدرات” دون أن ينجح بعدما قاطعه ترامب مكررا” غايته النفطية بتطابق مع التوصيف الرواقي للشهواني الغرائزي:” أنا بحاجة الى هذا …يمنحني الرضا وسيخفف علي وطأة في صدري” يرون أنك أنت( ترامب كما نتنياهو والرأسماليين) الذي ألفٓ تلك الحكاية ذهنيا”…هيأ لها نفسه سلفا”. وعلى ذات النسق سار في الهجوم على إيران دحصد الجوائز والغنائم، وإن باختلاف أولوياته عن نتنياهو الراغب السيطرة لكن بعد تحطيم إيران وتقسيمها وتنصيب نظام شاهوي جديد على النسق البهلوي (إستحضٍر نجله)،وطبق المقولة الابستينية :” من يملك هذا المكان يملكك” يعممه نتنياهو على المشرق ومصر وحتى السعودية وقبرص ضمن ” ملكية” ما أسموه إسرائيل الكبرى.
هذا الفكر التدميري الأستعماري الاحتلالي الخطير دفع بالقوى الحرة الرافضة على مدى العالم وخاصة الشرق العربي إمتشقت الحرية سلاحا” في وجه هذه القوى وقوى الاذعان الراضخة الراضية بالأمر المفعول والمتهيئة للحدث المنتظر في أي لحظة حتى أتى موعد المواجهة الى
مفتوحة وتكاد على مصرعيها مع تدحرج التصعيد كلما ألِم أحد الطرفين بغياب الضربة القاضية التقليدية، بعدما قرر الفريق المقاوم اللعب بكامل أوراقه قاتل أم مقتول( مستبعدة)على طريقة قاصرة إيبستين السابحة هربا” من جحيم شهوات ترامب وامثاله البيدوفيلية (إغتصاب المراهقات) عندما أجابت المحقق:” لم أعد أرى الفرق بين أن يمسكوني وبين أن أغرق”.
يبدو أن الليبرالي ترامب لا يفقه مبدأ تصفية المخيلة الرواقية، ولم ينكشف له وجه الشهوة الحقيقي لا مع براءة الفتيات المراهقات ولا مع دوغمائية إيران الدينية وبأن سلوكه مجرد رغبة وقصة ألفها الخيال اليهودي المريض،فالشهوة المتفجرة في النفس اليهودية همست في أذن ترامب ومحيطه وفتح لها المجال بدل أن تصرف أو تقمع( لا مجال لذلك في الواقع الاميركي المحكوم للوبيات…)، وترك الحرية لنفسه الدنيئة واستمع الهمس فأصبح مضطرا” الى مصارعة الصرخة الأخيرة( شبيه همسة قصة حواء والتفاحة بالمعنى المتداول لا العميق)، فأفلت العنان لطاقته الحارقة,سترتد عليه حسب المعطيات وآراء استراتيجيين كبار أمثال الجنرال ريتر الحاضر حرب العراق، بغض النظر عن فوارق القوى إذا ما تتعنا أختبار العالم الأنجليزي الفذ هنري غافنديتش Henry Gavendich الذي استطاع قياس وزن الأرض من كوخه المتواضع بدقة متناهية وفارق لا يذكر من خلال تجربة بسية أكدت أن فارق حجم الكتلة الكبيرة في صدامها مع الأصغر كان صادما” إذ لا يمكن ملاحظته بسهولة, فهل هذا سينطبق على الصراع الاميركي الايراني ومن خلفه الأسلامي اليهودي؟؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى