
رفعت إسرائيل بالتحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية من مستوى الحرب على إيران كما على حزب الله في لبنان. ففي وقت بدأت فيه حرب “الغاز والطاقة” تأخذ مداها الى جانب أزمة مضيق هرمز، أعلنت إسرائيل بدء مرحلة “العملية البرية” في لبنان من دون أن يكون واضحا الأهداف الفعلية لهذه العملية. هل تسعى إسرائيل لاحتلال جزئي أم كامل منطقة جنوب الليطاني، ووفق أي أهداف إستراتيجية؟
وهذا المنحى التصعيدي لا يوحي بنهاية قريبة للحرب القائمة، لا في أيران ولا في لبنان أيضا. ونقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن مسؤولين كبار بأن الحرب ستستمر أسابيع عدة أخرى بدعم من الرئيس الأميركي دونالد ترامب. وأضافت نقلا عن هؤلاء بأنهم لا يشعرون بأن الأميركيين يتراجعون، لا بل على العكس فهم يوسعون عملياتهم. وتروي مصادر ديبلوماسية في هذا الإطار أن واشنطن تعمل على تعزيز مخزون صواريخها الإعتراضية من خلال التوجه الى دول حليفة في شرق آسيا. وهي نجحت بالحصول على جزء أساسي من صواريخ الباتريوت، وتعمل على نقلها الى ساحات القتال في الشرق الأوسط. وهو ما يعتبر مؤشر واضح وعملي في اتجاه استمرار الحرب لأسابيع عدة، وسط إدخال مستوى جديد من الإستهداف. لا بل أن الأطراف الدولية الكبرى تبدو وكأنها تحبذ استمرار الحرب مثل روسيا. فمن جهة هنالك إستنزاف لقدرات الدفاع الجوي الأميركي ما سيحد من الإمدادات المتاحة لأوكرانيا، ومن جهة أخرى للإستفادة من “أزمة النفط”. فارتفاع أسعار النفط الى مستويات قياسية يشكل طوق نجاة للخزينة الروسية. فبعد أن كانت تبيع برميل النفط في السوق السوداء بحوالي 40 دولار بسبب العقوبات، أضحت اليوم متحررة من العقوبات ومع سعر يناهز ال120 دولار. وبذلك تجد روسيا في تعطل حركة الملاحة عبر مضيق هرمز فرصة نادرة لزيادة صادراتها الى أسواق كبرى مثل الهند والصين.
وفي وقت تحتدم المعارك في جنوب لبنان وسط سعي إسرائيلي لتحقيق تقدم بري أوسع، فإن أي تطور عملي إيجابي لم يسجل على مستوى الحلول السياسية ولاسيما المبادرة الرباعية لرئيس الجمهورية. فحزب الله ومعه إيران أعلنا بطرق مختلفة ربط مصيرهما الميداني كما التفاوضي وأن الكلمة الآن هي للميدان، وهو ما كبل “ليونة” الرئيس نبيه بري. وكذلك بدت إسرائيل متشددة في مواقفها، ما عكس رفضا للمبادرة. ذلك أن تل أبيب تراهن أيضا على نتائج الميدان لتنطلق منه لاحقا باتجاه ترسيخ معادلة سياسية جديدة للحكم في لبنان. وهذا المناخ الإسرائيلي المتشدد كانت قد عادت به المنسقة الخاصة للأمم المتحدة في لبنان جينين بلاسخارت بعد زيارتها لإسرائيل في التاسع من هذا الشهر. يومها حملت معها مهمة “تسويق” المبادرة الرئاسية وانتزاع موافقة إسرائيل عليها بتكليف من رؤسائها. لكن ظهر أن داخل الحكومة الإسرائيلية إتجاهان. الأول وهو الأكثر تشددا ويدعو للحسم العسكري الكامل واعتبار الأمن أولوية مطلقة حتى ولو طال أمد الحرب، ويشجع لتوسيع العمليات الحربية واستغلال الظرف القائم وتنفيذ،احتلال كامل حتى الليطاني، وتدمير وهدم كل المنشآت المدنية على طريقة غزة. وهذا الإتجاه مؤلف من نتنياهو ووزراء من التيارات القومية والدينية.
أما أصحاب التوجه الثاني، فهم يميلون الى تنفيذ تقدم عسكري حتى حدود 8 كلم مع احتمال تمديده ليصل الى 16 كلم. ويوافق أصحاب هذا الإتجاه على الذهاب الى مفاوضات مع لبنان ولكن وفق الشروط التالية: أن تحصل المفاوضات تحت النار، وليس أبدا من خلال هدنة ولو محدودة. أن تكون جميع المكونات الطائفية اللبنانية ممثلة في الفريق التفاوضي ولا سيما الشيعة، وأن يكون الممثل الشيعي يحظى بمباركة القوى الشيعية. أن تحصل المفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل من دون وجود الأمم المتحدة. وفهم أن الهدف من ذلك إبعاد فرنسا عن المفاوضات.
وبدا مما تقدم أن الظروف القائمة لا توحي أبدا بإمكانية تحريك المسار التفاوضي قريبا. فإسرائيل ما تزال تراهن على النتائج العسكرية، لا بل فهي تريد رسم واقع جغرافي وديمغرافي جديد، وفق ما تعتبره بأن الظرف بات ملائما لتحقيقه. وفي كواليس الديبلوماسيين بأن الحكومة الإسرائيلية ترجح استمرار الحرب على حزب الله حتى أيار المقبل كحد أدنى، ووفق مراحل متعددة جرى رسمها مسبقا.
وخلال اليومين الماضيين وجهت إسرائيل رسالتين حربيتين من خارج السياق الميداني القائم. الأول مع اسهداف مخزون مازوت عند الطريق القديم لمطار بيروت، وهو ما أعاد رسم علامات قلق حول استمرار عمل المطار. وبررت إسرائيل عملها بأنه ردا على استهداف مبنى سكنيا في نهاريا. أما الثاني، فكان استهداف جنود الجيش اللبناني عدة مرات، ما أوقع ثلاثة شهداء وعدد من الجرحى. وبعد مراجعة دقيقة لما حصل، تبين أن لا مجال لأي خطأ، وأن استهداف جنود بلباسهم العسكري كان مقصودا ومتعمدا، والهدف إيصال رسالة نارية الى قيادة الجيش والسلطة السياسية بأن على الجيش التحرك والعمل على تجريد حزب الله من سلاحه وإلا فسيكون معرضا لمزيد من الاستهدافات الإسرائيلية.
في الواقع فإن هذا الملف لطالما شكل محط انتقاد من قبل واشنطن، وعلى أساس أن الحكومة اللبنانية توفر الوقت لحزب الله الذي كان بأمس الحاجة إليه لإعادة بناء قدراته العسكرية. وجاءت المواجهات خلال الأسبوعين الماضيين بين حزب الله والقوات الإسرائيلية جنوب خط الليطاني لتعزز وجهة نظر هؤلاء. في المقابل فإن السلطة اللبنانية كانت تضع خطا أحمر لأي تحرك من قبلها حدوده المحافظة على الإستقرار الداخلي. ولأحد الديبلوماسيين الأميركيين رأيا في هذا الشأن وفحواه أن الخسائر التي يمكن أن تنجم عن أي مواجهة مع الجيش في إطار مشروع حصر السلاح تبقى أقل بكثير من الخسائر الهائلة التي ستصيب لبنان ككيان وكتركيبة فيما بعد. ووفق المطلعين فإن الرأي الغالب داخل الإدارة الأميركية يميل الى وجهة النظر هذه، مع تسجيل تراجع في مستوى العلاقة مع السلطة اللبنانية ومعةقيادة الجيش. ومن هذه الزاوية تعالت الأصوات التي طالبت بتخفيض مستوى المساعدات الأميركية السنوية للجيش اللبناني. وتدخلت باريس لدى إدارة ترامب وعملت على لفت الإنتباه الى الإنعكاسات الخطيرة على الإستقرار الداخلي الهش في حال إحداث أزمة مع المؤسسة العسكرية. ويبدو أن واشنطن عادت واقتنعت بوجهة النظر الفرنسية وبالتالي تأجيل الملف الى ما بعد انتهاء الحرب. ومن هذه الزاوية عمدت باريس على إرسال رئيس أركان جيشها الى لبنان كرسالة دعم لليرزة. ولا يشذ السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى عن المناخ السائد في واشنطن تجاه السلطة اللبنانية. لدرجة أنه يتردد بأن بعض لقاءاته الرسمية تتسم بالبرودة وتكون جافة. وقد يكون زاد من سلبية الوضع ما تردد عن السعي للإلتفاف عليه عبر محاولة فتح خطوط جانبية باتجاه الإدارة الأميركية. رغم أن واشنطن كانت أوضحت وبطرق عدة بأن المعني الوحيد بالملف اللبناني هو سفيرها في بيروت والمكلف من الرئيس الأميركي.
وخلال اليومين الماضيين ظهر خبر عبر وكالة رويترز نسبته الى خمس مصادر حول طلب أميركي من الرئيس السوري أحمد الشرع للتدخل عسكريا تجاه مواقع لحزب الله عند الحدود اللبنانية_السورية من الجهة اللبنانية. ورغم مسارعة السفير توم براك لنفي الخبر، إلا أن أوساطا ديبلوماسية مطلعة أكدت هذه المعلومات وأوردت تفاصيل إضافية. وهي قالت بأن المرة الأولى التي جرى خلالها مفاتحة الشرع بهذا الملف كانت لدى زيارته واشنطن، وأن المهمة تطال حصرا مصانع تجميع الصواريخ والمسيرات والمحفورة داخل الجبال القريبة من الحدود السورية، ومن دون أن يعني ذلك التقدم باتجاه المناطق السكنية. إلا أن الشرع أبدى بعض التحفظ بسبب ارتدادات ذلك على الوضع الداخلي في سوريا، وحيث أن الدولة في طور إعادة البناء وما تزال طرية العود، أضف الى ذلك الجروح التي نتجت عن الإضطرابات في الساحل السوري وفي السويداء. كما أن تركيا أبدت رفضها لهذه الخطوة، لا بل أنها قالت بأن المجموعات التي تمون مباشرة عليهم لن تسمح لهم بالتحرك. ففي الواقع لا تريد تركيا فتح أبواب المواجهات مع إيران، في وقت تعمل فيه على إنجاز ملف الأكراد والذي تمسك طهران ببعض خيوطه.
من الواضح أن سعي إدارة ترامب لتنفيذ ضربة سريعة في إيران قد فشل. وبدل ذلك إنزلق البيت الأبيض في حرب لا تبدو نهايتها قريبة، وهو ما يلعب لصالح إسرائيل التي تسعى أيضا لحرب أطول في لبنان تحقق لها مكتسبات جغرافية تحدث عنها صراحة كاتس ورسمها نتنياهو على خارطة ورفعها من على منبر الأمم المتحدة أمام الدول الأعضاء. وفي يوم ما ستحط هذه الحرب أوزارها، ولكن السؤال هو: أي شرق أوسط سيولد، وأي لبنان سيكون؟


