
اقتحم المشهدَ الداخليَّ المتأزّمَ، بفعل دخول “الحزب” على خطّ الحرب، عنصر إضافي زاد من منسوب الاحتقان، ووضع الجيش في “بوز” مدفع الاتّهامات بعدم تنفيذ قرارات السلطة التنفيذيّة. ميدانيّاً، تتوسّع الحرب الإسرائيليّة على لبنان، وتطال مناطق غير مشمولة بإنذارات الإخلاء، فيما يكمل الجيش إعادة تموضعه جنوباً، مقابل تأكيد العدوّ الإسرائيليّ “مضاعفة سيطرته على مواقع في جنوب لبنان”.
اكتسب البيان الصادر عن قيادة الجيش يوم السبت بعداً استثنائيّاً ستكون له تداعياته المباشرة على الإدارة السياسيّة-العسكريّة لمرحلة تبدو أكثر صعوبة، بنتائجها، من مرحلة حرب الـ 66 يوماً.
حدّد الجيش، إثر اجتماع استثنائيّ لقياداته العسكريّة، الخطوط الحمر لعمله وسط حالة الحرب، فيما تؤكّد المعطيات أنّ البيان الصادر من اليرزة منسّق بالكامل مع رئاسة الجمهوريّة:
– ليس الحلّ عسكريّاً فقط، إنّما يحتاج إلى التعاون والتكامل بين الجهود السياسيّة والرسميّة على مختلف المستويات في موازاة جهود الجيش، بهدف تحصين الوحدة الوطنيّة.
– ترتكز مقوّمات الحلّ على تحقيق عاملَين أساسيَّين: إلزام الجانب الإسرائيليّ بوقف الاعتداءات والخروقات، وتعزيز إمكانات المؤسّسة كي تكون قادرة على تنفيذ المهمّات الملقاة على عاتقها خلال استحقاقات المرحلتين الحاليّة والمقبلة.
– التأكيد أنّ “القيادة تتّخذ قراراتها وفق ما يتناسب مع الظروف المُعقّدة القائمة، مع أولويّة الحفاظ على لبنان والمؤسّسة العسكريّة”.
– وقوف الجيش على مسافة واحدة من اللبنانيّين كافّة ويتعامل معهم انطلاقاً من موقعه الوطنيّ الجامع.
بعض التساؤلات بدأت تُطرح عن مصير مراكز الجيش جنوب الليطاني بعد إخلائه من سكّانه
مساءلة قائد الجيش؟
لم يكد بيان الجيش يُنشَر حتّى ارتفعت أصوات سياسيّة وغير سياسيّة تطالب قيادته “بالاكتفاء بقرارات السلطة التنفيذيّة لوقف أنشطة “الحزب” العسكريّة واعتبارها خارجة عن القانون”، و”عدم طرح أفكار للحلول وصياغة استراتيجيات سياسيّة”، وصولاً إلى طلب “مساءلة قائد الجيش من قبل الحكومة”، واتّهامه بالتماهي مع “الحزب”.
يقول أنصار هذا الرأي: “على الجيش أن ينفّذ من دون اعتراض قرار السلطة السياسيّة، وهو ما دأبت عليه كلّ الحكومات، وبات الآن هذا الأمر أكثر إلحاحاً بعدما تبيّن أنّ جنوب الليطاني لا يزال، بوجود “الميكانيزم” والجيش اللبنانيّ، بقعة عسكريّة ناشطة لـ”الحزب”، ويستطيع الجيش تنفيذ حصر السلاح شمال الليطاني بغضّ النظر عن حالة الحرب”.
الجيش
بدا المشهد مكمّلاً للمداولات التي شهدتها جلسة مجلس الوزراء في 2 آذار، وتخلّلها كباش كلاميّ بين رئيس الحكومة نوّاف سلام وقائد الجيش العماد رودولف هيكل في شأن الخيارات المطروحة جنوب الليطاني وشماله، حين تمسّك هيكل بوجوب تنفيذ قرار السلطة مع تجنّب حصول مواجهات على الأرض.
لكنّ أوساطاً حكوميّة رسميّة تصرّح لـ”أساس” بأنّ “بيان الجيش متوازن، ويؤكّد إحدى البديهيّات الأساسيّة المتمثّلة في أنّ الحلّ ليس عسكريّاً فقط، خصوصاً أنّ الضغط اللبنانيّ الرسميّ لا يزال قائماً لدفع إسرائيل إلى وقف اعتداءاتها، وهو ما سيُسهّل أكثر تنفيذ الحكومة لقراراتها”.
حالة استنفار قصوى
ماذا يحصل على أرض الواقع؟
بعد جلستَي الحكومة في 2 و5 آذار، انقلبت معطيات الميدان رأساً على عقب. إذ تحت وطأة ارتفاع منسوب الاعتداءات الإسرائيليّة جنوباً، لا يزال الجيش يعيد تموضعه كما فَعَل بداية في المواقع الحدوديّة المتقدّمة بالتزامن مع بدء القصف الإسرائيليّ فجر الإثنين، ثمّ تدريجاً في عمق جنوب نهر الليطاني، حيث يضيّق الإسرائيليّ الخناق بشكل كبير على الجنوبيّين والجيش و”اليونيفيل”، ولا يعير اهتماماً لأيّ توصية من “الميكانيزم”. حتّى إنّ بعض التساؤلات بدأت تُطرح عن مصير مراكز الجيش جنوب الليطاني بعد إخلائه من سكّانه.
لم يكد بيان الجيش يُنشَر حتّى ارتفعت أصوات سياسيّة وغير سياسيّة تطالب قيادته “بالاكتفاء بقرارات السلطة التنفيذيّة
تؤكّد مصادر عسكريّة “حصول إجراء روتينيّ، كان طُبّق أيضاً في حرب الـ66 يوماً، وهو رفع مستوى الإنذار للحماية إلى حدّه الأقصى، لأكثر من مرّة، بالتنسيق بين الجيش اللبنانيّ و”اليونيفيل”، وهو ما يقتضي في هذه الحال عدم تحريك الآليّات العسكريّة من الجانبين ودخول الملاجئ”.
حالة الاستنفار القصوى جنوباً، تكرار الجيش الإسرائيليّ إنذاره للمرّة الثالثة بإخلاء جنوب الليطاني من سكّانه والتوجّه شمال النهر، وقضمه المزيد من الأراضي اللبنانيّة من دون رادع، جعلت التزام الجيش لمقرّرات 2 آذار صعباً للغاية. إذ كان الجيش في الجلسة نفسها معنيّاً بأمرين أساسيَّين:
– الحظر الفوريّ، من قبل الجيش والأجهزة الأمنيّة من قوى أمن داخليّ وأمن عامّ وأمن دولة، لنشاطات “الحزب” الأمنيّة والعسكريّة، ومنعه من إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة من الأراضي اللبنانيّة. وفق معلومات “أساس” كلّ التوقيفات التي حصلت في الأيّام الماضية شملت مواطنين لبنانيّين يحملون أسلحة غير مرخّصة، وليس هناك أيّ موقوف بتهمة إطلاق صواريخ أو مسيّرات لأنّ المطلقين ينفّذون عمليّاتهم بسرّيّة تامّة، وعلى طريقة الـGuerrilla، وحتّى الآن تعجز إسرائيل نفسها عن الحدّ من تحرّكاتهم على الأرض.
في الشقّ العسكريّ الميدانيّ، يواظب الإعلام الحربيّ لـ”الحزب” على نشر العمليّات التي ينفّذها، في مواقع أماميّة متقدّمة جدّاً، وفي العمق الجنوبيّ، وهذا ما جعل “تصفية الحسابات” محصورة بين “الحزب” والجانب الإسرائيليّ، فيما يُنفّذ الجيش، بطلب سياسيّ واضح، عمليّات إعادة تموضع في المنطقة الحدوديّة وإعادة تمركز لوحداته ضمن قطاع جنوب الليطاني كان أشار إليها صراحة بيان الجيش. كان لافتاً جدّاً تأكيده أيضاً أنّه “يعمل تحت ضغوط داخليّة وخارجيّة شديدة وبإمكانات محدودة”.
حدّد الجيش، إثر اجتماع استثنائيّ لقياداته العسكريّة، الخطوط الحمر لعمله وسط حالة الحرب
– الطلب من قيادة الجيش “فوراً وبحزم” تنفيذ الخطّة التي عرضتها في 16 شباط، في شقّها المتعلّق بحصر السلاح شمال الليطاني. هنا كان لافتاً أنّ الرئيس نوّاف سلام، في حديثه أمس إلى “الشرق الأوسط”، أكّد “عزم الحكومة على تنفيذ قراراتها الأخيرة، والدولة من قوى مسلّحة وقضاء تقوم بواجبها في هذا الإطار، لكنّ ظروف الحرب تجعل التطبيق أكثر صعوبة”، مشدّداً في الوقت نفسه على “ارتكاب “الحزب” خطأ استراتيجيّاً بالدخول في الحرب”.
في المقابل، تؤكّد مصادر مطّلعة لـ”أساس”: “في حالة الحرب القائمة، بات يُدرك جزء من الحكومة، المفترَض أن تبقي اجتماعاتها مفتوحة، صعوبة تنفيذ خطّة حصر السلاح شمال النهر الذي انتقل إليه راهناً آلاف الجنوبيّين، والجيش نفسه مكلّف بمواكبة هؤلاء في ظلّ نقص عديده وعتاده. هذا ويجعل القصف الإسرائيليّ، الذي لا يستثني منطقة لبنانيّة، أيّ خطّة أو قرار خاضعاً لحسابات ومعطيات الأرض راهناً”.
ترحيل “الحرس الثّوريّ”
بالتوازي، في جلسة 5 آذار طلبت الحكومة “من وزارتَي الدفاع والداخليّة وكلّ الأجهزة الأمنيّة والعسكريّة، التحقّق من وجود عناصر من الحرس الثوريّ الإيرانيّ، والتدخّل الفوريّ لمنع أيّ نشاط أمنيّ أو عسكريّ قد يقومون به، أيّاً كانت صفتهم، أو الغطاء الذي يعملون تحته، وتوقيفهم بإشارة قضائيّة وترحيلهم”.
“الجريدة نيوز”



