مقالات صحفية

“المرحلة الأصعب لم تبدأ بعد” بقلم الكاتب السياسي جوني منيّر

مع دخول الحرب الأميركية_الإسرائيلية على إيران أسبوعها الثاني، إنتقلت الحملة العسكرية الجوية الى مرحلة تصعيدية أكثر عنفا من الجانبين، وسط تقديرات بأن كلفة الأسبوع الأول قاربت الستة مليارات دولار، وفق ما أبلغه مسؤولو البنتاغون للكونغرس الأميركي. وفيما تركز القيادة العسكرية الأميركية على إضعاف القدرات الإيرانية قبل إتخاذ قرارها النهائي بشأن الإستعانة بإنزال بري محدود فإن القيادة الإيرانية باشرت باستخدام أحدث نماذجها الصاروخية المتطورة والأكثر تدميرا وفتكا ولكن مع الحرص على سياسة الرهان على عامل الوقت وضرب مصادر الطاقة لإثارة الشارع الأميركي والأسواق الدولية.
فوفق آخر إستطلاعات الرأي الأميركية تبين أن 56% من المستطلعين الأميركيين يعارضون أي عمل عسكري في إيران، في مقابل 44% يؤيدونه. ولكن بدا أيضا أن أكثرية المعارضين هم من الديمقراطيين مع نسبة 54% في مقابل 7% فقط من الجمهوريين. أما شريحة المستقلين والتي تشكل العامل الحاسم عادة فإن 31% منهم يعارضون العمل العسكري بشدة. لكن الرئيس الأميركي دونالد ترامب وردا على سؤال من “نيويورك بوست” علق على هذه الأرقام قائلا: لا أهتم باستطلاعات الرأي. وهو ما يعني أنه مستمر في مشروعه العسكري وواثق من النتيجة، رغم أن البعض يعتبر بأن هذه الأرقام مؤذية لترامب ولحزبه قبل بضعة أشهر من الإنتخابات النصفية. لكن ترامب يراهن بأنه بات على بعض خطوات معدودة من تحقيق انتصار سيجري توظيفه بقوة في الإستحقاق الإنتخابي، خصوصا وأن معظم الشارع الأميركي يحمل انطباعا شديد السلبية عن النظام القائم في إيران.
وبخلاف الإنطباع السائد في بعض وسائل الإعلام فإن إدارة ترامب لا تخطط لحرب مفتوحة، بل لحملة تستهلك بضعة أسابيع، وهو ما قد يستوجب الإستعانة بعمليات كومندوس برية، وفق ما يدفع باتجاهه بعض المتحمسين، كون إسقاط الأنظمة نادرا ما يتحقق عبر القوة الجوية وحدها. وقد باشر هؤلاء بالتمهيد إعلاميا، عبر الإشارة الى ضرورة السيطرة على مخزون المواد النووية لنقله أو تعطيله. لكن أي حركة برية تخضع لتفكير مشبع ولكثير من الحذر، خصوصا وأن وقوع أسرى أميركيين بيد الحرس الثوري سيشكل ضربة قاضية لإدارة ترامب وللحزب الجمهوري. وفي إطار خلق أجواء سلبية لردع ترامب عن التورط برا، رمى علي لاريجاني ببالون إختبار يتحدث عن أسر ستة جنود أميركيين. وهو أراد من ذلك إنعاش محطات تاريخية مؤلمة في الذاكرة الأميركية ستؤدي لردع البيت الأبيض عن مغامرته الحربية. وكانت شبكة NBC الأميركية قد نقلت بأن ترامب ناقش مع بعض مساعديه وبعض المسؤولين الجمهوريين فسألة نشر مجموعات أميركية على الأرض بهدف ضمان تأمين اليورانيوم الإيراني، الى جانب إقامة تعاون مع نظام إيراني جديد في مجال إنتاج النفط على الطريقة الفنزويلية. ووفق الشبكة فإن النقاش لم يتناول غزوا بريا واسع النطاق، بل نشر قوة أميركية صغيرة لأغراض إستراتيجية محددة.
وفي الوقت نفسه لوحت واشنطن بالورقة الكردية، رغم المشاكل الكثيرة التي تعوق استعمالها. فالأكراد وعلى الرغم من تعددية أحزابهم ما زالوا يعيشون خيبة الأمل جراء الحل الذي اعتمد في سوريا. فهم كانوا يأملون بتكريس منطقة حكم ذاتي ثانية لهم بعد كردستان العراق، خصوصا بعد سنوات طويلة من التضحيات. وفي الوقت نفسه فإن ترامب ما يزال يتحاشى الإنزلاق في المشروع الإسرائيلي القائم على تفتيت إيران. هو يريد نظاما إيرانيا مواليا وعلى طريقة فنزويلا، لا الدخول بمشاريع تفكيك وتركيب إيديولوجية لا علاقة لها برؤيته الإقتصادية والصفقاتية. وهو لاحظ تركيز الغارات الإسرائيلية على مواقع الحرس الثوري في منطقة شمال غرب إيران حيث الأكراد، وبهدف إثارة ودعم المجموعات الكردية وإغرائهم بالتحرك للسيطرة على المواقع الحدودية. ووفق المعلومات فإن المجموعات الكردية الإيرانية والتي عملت إسرائيل على رعايتها أنطلاقا من كردستان العراق يقدر عدد مقاتليها بحوالي ثمانية آلاف عنصر ولكن مزودين بأسلحة خفيفة فقط.
لكن ترامب يتمهل في الذهاب باتجاه خيار تفتيت إيران، في ظل رهانه على إخضاع النظام بكامله ومن دون “وجعة راس” من خلال حركة داخلية. ولا بد أن يكون التناقض الذي ظهر بين الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان وقيادة الحرس الثوري حول استهداف دول الخليج قد عزز رهانه، خصوصا وأن الإنتقادات ضد بزشكيان جاءت علانية، على خلاف سمة السلوك السياسي الإيراني، ما عزز الإنطباع بوجود تشققات داخلية كبيرة. ووفق المبدأ القائل بأن القوة العسكرية تفتح الأبواب، لكن المشاريع السياسية هي التي تحدد المسار، يأمل ترامب بتكرار نموذج فنزويلا، أي إبقاء النظام جريحا إثر ضربات عسكرية، وتحقيق صفقة كبيرة سرا. لكن في المقابل، يسعى الجناح الأكثر تشددا في الحرس الثوري والذي بات يقبض على القرار العسكري، الإيحاء بأن واشنطن تجنح لفقدان السيطرة على حصر الصراع الذي يهدد بالتوسع. ومن هنا الخلاف مع بزشكيان لناحية التمسك بقصف الدول النفطية الخليجية.
لكن وخلال الأيام الماضية حظي ترامب بورقتين رابحتين تحفزانه على الإستمرار في اندفاعته العسكرية. الأولى، وتتعلق بفشل التصويت في الكونغرس لتقييد حركته، ما انعكس تغطية من الكونغرس لعمليته العسكرية. والثانية، مع نجاح ترامب في دفع كبار شركات الأسلحة لزيادة إنتاجهم أربعة أضعاف، ما سيسمح لترامب بتوسيع الهامش الزمني لعمليته العسكرية، وحتى لتجاوز الوقت المخطط له.
في هذا الوقت يدفع نتنياهو بخبث ومكر لتحقيق أمنياته الإيديولوجية. كما أنه يسعى لترسيخ صورته التاريخية والتي يقدم فيها نفسه بوصفه “منقذ إسرائيل والشعب اليهودي”. وهو يريد أيضا تحقيق أقصى ما يمكن لدفن مشهد السابع من أوكتوبر ومسؤولية إخفاقه. لذلك يدفع لجعل تصنيف الحرب على إيران بأنها أحد أهم التحولات العسكرية في تاريخ إسرائيل. وأن إغتيال الخامنئي هو أحد أشكال هذا التحول. وهو يريد الذهاب الى النهاية مع إنهاء التركيبة العسكرية لحزب الله وترسيخ واقع جغرافي جديد ومعادلة لبناني نهائية. وهو ما يعني أن نتنياهو يعمل على إبقاء الحرب مفتوحة في لبنان، بانتظار تبلور النتائج والتبدلات في إيران، عندها سيفتح الباب أمام معركة الحسم في لبنان بعد أن يكون قد أنهك حزب الله وبيئته، وبعد أن يكون قد تراجع الدعم الإيراني له الى الحد الأدنى. ولفت في هذا السياق مطاردة الطائرات الإسرائيلية واغتيال “ضباط من الحرس الثوري” كما تصفهم إسرائيل، أو الديبلوماسيين والكادرات الإيرانية في لبنان كما تسميهم طهران، وكذلك قيام إيران بترحيل “ديبلوماسييها” مستعينة بطائرات روسية. ولا شك أن نتنياهو يخطط لواقع لبناني جديد، ليس فقط على مستوى التوازنات الداخلية، ولا على مستوى الوقائع الجغرافية حيث يسعى لحضور إسرائيلي مباشر حتى الليطاني، بل أيضا على مستوى سلوك السلطة اللبنانية ومعتمدا في هذا السياق على السلبيات التي بات يحملها البيت الأبيض تجاه المستوى السياسي اللبناني. وهو ما يفسر استعانة لبنان بالرئيس الفرنسي الذي لم يستطع فتح الأقفال الأميركية والإسرائيلية، وهو ما كان متوقعا. ما يعني أن الذروة العسكرية تجاه لبنان لم تحصل بعد، وأن إسرائيل تحضر لأيام أكثر صعوبة ودموية بهدف نسف المعادلة القائمة نهائيا. وهو ما يعني بأن أبواب واشنطن الديبلوماسية ستبقى مغلقة بوجه لبنان حاليا، وأن المرحلة العسكرية الأصعب لم تبدأ بعد.
في إستطلاع للباروميتر العربي ظهرت نتائج لافتة يمكن أن تفسر عدم ظهور تعاطف مع النظام الإيراني القائم، والذي ارتكز على مبدأ تصدير الثورة. فوفق الإستطلاع فإن التأييد الذي حصلت عليه سياسة المرشد الإيراني علي خامنئي تجاه الشرق الأوسط وشمال أفريقيا جاءت كالتالي: تونس 49% العراق 48% فلسطين 36% المغرب 35% لبنان 29% الأردن 19% وسوريا 3%. من الواضح أن هذه السياسة خلقت أعداء أكثر بكثير من الحلفاء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى