
لا بد أن يكون رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو يطير فرحا في سره. وليس السبب الوحيد في ذلك نجاحه في إقناع الرئيس الأميركي دونالد ترامب لشن حملة عسكرية مشتركة في إيران، بل خصوصا لأن المسار العسكري للحرب لم ينجح في إحداث تغيير على مستوى السلوك السياسي للنظام الديني القائم، ما يعني أن وجهة الحرب إنعطفت باتجاه نشر الفوضى داخل إيران تمهيدا لتفتيتها تمهيدا لتفتيت المنطقة، وهو المشروع الحلم لليمين الإسرائيلي.
هي ربما المرة الأولى التي يعمل فيها حزب الله بشكل مكشوف وظاهر بالتنسيق الكامل مع الحرس الثوري الإيراني. فطوال المراحل الماضية تحاشت قيادة حزب الله إظهار خطواتها بأنها تعمل وفق الساعة الإيرانية. ومنذ دخول حزب الله حال المواجهة العسكرية مع إسرائيل بدا بوضوح وجود تنسيق في إطلاق الصواريخ من لبنان بالتوازي والتكامل مع الصواريخ التي تطلق من الأراضي الإيرانية. وعندما أطلق حزب الله أول دفعة صواريخ من لبنان حلت الصدمة على أطراف السلطة اللبنانية، كونها كانت تركن للإلتزام الذي نقله رئيس مجلس النواب نبيه بري بأن حزب الله لن يتورط ويورط لبنان في هذه الحرب. وقبل انطلاق هذه الصواريخ بساعات كان الرئيس بري يكرر إلتزام حزب الله أمام رئيس الجمهورية العماد جوزف عون في الإفطار الذي أقامه الرئيس نجيب ميقاتي في منزله. وبعد أن أطلقت هذه الصواريخ حدث ارتباك لدى قيادة الجيش التي سارعت لكشف هوية الفاعلين وهي ترجح أنهم ليسوا لبنانيين. لكن وقع الصدمة كان كبيرا عندما جاهر حزب الله بأنه هو الفاعل نزولا عند سؤال الجيش. لا بل، وربما منعا لأي إلتباس، عمد حزب الله على إصدار بيان يتبنى فيه المسؤولية. والتفسير واضح: نحن نعلن دخول الحرب بالتنسيق مع طهران. ويبقى السؤال، لماذا أرادت إيران إدخال حزب الله بشكل ظاهر في هذه الحرب؟ ويأتي الجواب، بأن الحرب الدائرة هي وجودية بالنسبة للنظام الديني القائم في إيران، ما يستوجب اللعب “صولد”. ومن هذه الزاوية بدا بوضوح خلال الساعات الماضية التنسيق والتناغم ما بين الجبهتين الإيرانية واللبنانية. فالأسلوب العسكري الجاري اتباعه هو نفسه ولو مع الأخذ بعين الإعتبار الفارق النسبي. بما معناه، إتباع أسلوب الهجمات المتقطعة على كلا الجبهتين: بضع صواريخ بالستية من إيران، وبضع صواريخ ومسيرات من لبنان. والهدف هو إدخار أكبر قدر من المخزون الصاروخي بهدف إطالة أمد الحرب أكبر فترة ممكنة. أي الرهان على عامل الوقت وتعب الداخلين الإسرائيلي والأميركي. وبات معروفا الرهان الإيراني الدائم على الوقت، وهو ما منحه أوراقا رابحة معظم الأحيان.
مع بدء الحرب كانت إدارة ترامب تراهن وتحسب حول إمكانية إحلال أسماء مرنة مكان القادة المتشددين وفي طليعتهم علي خامنئي، أي حل على الطريقة الفنزويلية ولو عبر هجوم عسكري أوسع. ومن هنا جرى تحديد ساعة الصفر مع إغتيال مرشد الثورة. وهذا ما دفع بترامب الإعلان عن وجود ثلاثة أسماء جيدة ومن المرجح أن يخلف أحدها خامنئي. لكن كا ظهر لاحقا جاء معاكسا لرغبة وتمنيات ترامب. فالجناح المتشدد داخل الحرس الثوري والذي أمسك بقيادة العمليات الحربية إستهدف دول الخليج بمن فيها سلطنة عمان والتي لطالما شكلت الغرفة الخلفية الآمنة وخزنة أسرار النظام الإيراني. وهذا الجناح المتشدد هو الذي فتح جبهة لبنان أيضا. كما أنه ذهب باتجاه تسمية مجتبى خامنئي كخلف لوالده. ومع إرساء الجمهورية الإسلامية عقب نجاح الثورة، تمسك مؤسس الجمهورية الخميني بعدد من المبادىء الضمنية ومنها عدم جواز التوريث العائلي. ولكن وخلال وجود خامنئي تحدثت التسريبات مرارا حول وجود رغبة لدى نجله مجتبى لأن يتولى موقع مرشد الجمهورية، وهو الذي يتكىء على علاقة قوية مع الحرس الثوري، لكن في مقابل معارضة شديدة له من مختلف القطاعات الأخرى. ولهذا السبب ساد لغط قوي عند حصول حادثة سقوط مروحية الرئيس رئيسي والذي كان يملك المواصفات الكاملة لشغل موقع مرشد الثورة عند غياب خامنئي. ومع كسر “قواعد” الخميني والذهاب لانتخاب مجتبى ولو بحجة الثأر لوالده، يظهر بوضوح جنوح القيادة في إيران لصالح الجناح الأكثر تشددا، وهو ما يعاكس رهانات ترامب. وجاءت إشارة محاولة إغتيال الهيئة الناخبة بمثابة رسالة اعتراض قوية لهذا الخيار.
ومع وصول مجتبى يصبح المشهد صداميا حتى النهاية. هكذا يتصرف في العادة أصحاب الفكر الديني في المفاصل الدقيقة. وهنا بات ترامب ملزم للإندفاع الى الأمام، كون التراجع الى الوراء أشبه بالإنتحار السريع، وبالتالي تبني وجهة نظر نتنياهو، والذي لا بد أن يكون يفرك يديه فرحا بما آلت إليه الأمور.
ووفق مبدأ الفريق الأكثر تشددا في الحرس الثوري فإنه لا بد من الذهاب الى الآخر في خيار الحرب. وجاء استهداف بلدان الخليج العربي بهدف شل تدفق النفط إضافة الى إغلاق مضيق هرمز. ومن هنا رهان هذه القيادة الجديدة على عامل الوقت لإنهاك الخصم، وأيضا إنهاك الإقتصاد العالمي وجعله يئن تحت وطأة شح تدفق النفط، ما سيدفعها للضغط على واشنطن لوقف هذه الحرب. ما يعني أن طهران تخطط لإطالة أمد الحرب أكثر وقت ممكن. وهو ما يفسر التقنين في إطلاق الصواريخ البالستية، وفق مبدأ صليات مدروسة، وهو ما ينطبق أيضا على الجبهة اللبنانية. وحتى الآن، وعلى الرغم من الضربات القوية التي أصابت القيادة الإيرانية، مع حجم كبير للخسائر على مستوى القيادات والمفاصل الأساسية، إلا أنه لم تظهر حتى الآن أي بوادر تفكك أو إنهيار النظام.
في المقابل، وإثر ظهور بوادر إنتخاب مجتبى والمعاني الذي يحمله، باشرت واشنطن في إنعطافتها وصولا الى مسار آخر. فلقد جرى تكليف المخابرات المركزية الأميركية C I A بالتحضير لتحركات ميدانية داخل إيران عبر الأكراد شمالا والبلوش جنوبا والمجموعات الأخرى المعارضة. وباشر الجيش الأميركي بتزويد المجموعات الكردية الإيرانية بالأسلحة عبر كردستان في العراق. وهو ما يفسر استهداف المسيرات الإيرانية لمخيم تابع لمقاتلين أكراد إيرانيين مع أفراد عائلاتهم في كردستان. ويبلغ تعداد الأكراد في العراق حوالي عشرة ملايين، وفي العراق حوالي ثمانية ملايين. وتردد عن بدء فتح ممرات تواصل بين العراق وإيران، في وقت لوحت فيه طهران بتنفيذ هجمات حتى داخل كردستان. كذلك يجري العمل على تسليح البلوش والذين يتواصلون مع بلوشستان في باكستان حيث تتواجد مجموعات مسلحة إنفصالية تحاربها السلطات الباكستانية. أما المجموعات الكردية فتتخذ من المناطق الجبلية الوعرة عند جانبي الحدود ملاذا لعناصرها. ويطمح أكراد إيران بتكرار السيناريو الذي طبقته واشنطن مع أكراد العراق عندما تعاونت معهم بوجه صدام حسين، وأمنت لهم الحماية لاحقا عبر إنشاء منطقة حظر للطيران في أجواء مناطقهم ما مكنهم من تأسيس حكم ذاتي لاحقا. كذلك فإن البلوش (وهم من الطائفة السنية) يطمحون لواقع مستقل وتربطهم علاقات وثيقة بأقرانهم الإنفصاليين في إقليم بلوشستان المضطرب، وهو ما لا تتسامح به باكستان.
وعندما تحدث ترامب عن الحرب البرية، فهو لم يكن يقصد ذلك وفق المفهوم التقليدي الكلاسيكي، بل كان يقصد العمليات الخاصة التي ستتولاها المجموعات المتعاونة معه مثل الأكراد والبلوش. وهو ما يؤشر بوضوح الى حال فوضى داخل إيران تتجه لإنتاج حالات تفكك وعدم استقرار لأمد طويل على الأرجح.
وما يطرأ من تحولات في الأهداف المرسومة في إيران، لا بد أن ينسحب وينطبق على لبنان الذي فتحت جبهته الحربية. أي سعي إسرائيل لنحقيق أهداف عجزت عن تمريرها وتثبيتها خلال الحرب الماضية. ولذلك يخيم شبح الإجتياح البري الإسرائيلي على جنوب لبنان وصولا الى الليطاني. ففي بيان رسمي قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أنه وجه تعليماته للجنود بالتقدم والسيطرة على مواقع إستراتيجية جديدة في لبنان، وأن نتنياهو وافق على ذلك. وهو ما بدأ تنفيذه فعلا. وتعتمد إسرائيل إستراتيجية مزدوجة تجمع ما بين الضربات الجوية المكثفة والتقدم البري لتوسيع مساحة السيطرة على المناطق الحدودية. وتشير التوقعات بأن الهدف الإسرائيلي هو بالسيطرة المباشرة على كامل المنطقة الممتدة حتى نهر الليطاني، وهو ما كانت تعمل له خلال الحرب الأخيرة. وتفسير ذلك أن إسرائيل التي تتمسك بحزام أمني خالي من البشر وهو ما جعلها تمنع أي محاولة لإعادة الأهالي الى الشريط، تريد في الوقت نفسه الإمساك أمنيا ومباشرة بكامل المنطقة حتى الليطاني، وفرض قوتها النارية حتى الأولي. وهو ما يوحي ضمنا بترسيخ خارطة جغرافية جديدة جنوبا. وكان معبرا ما قامت به إسرائيل عبر ادعائها لدى واشنطن والعواصم المهتمة بلبنان بأن صلية الصواريخ الأولى والتي أدت الى نسف حال وقف النار إنما انطلقت من جنوب الليطاني، وهو ما تكذبه قيادة الجيش اللبناني. والهدف الإسرائيلي واضح وهو القول بأن الجيش لم يقم بمهمته بشكل كامل وصحيح، أو ربما الإيحاء بوجود تواطوء ضمني بينه وبين حزب الله، وكذلك لتحضير المبررات التي تسمح لها بتنفيذ اجتياحها حتى الليطاني بذريعة تأمين أمنها وإكمال العمل الذي لم ينفذه الجيش اللبناني.
في هذا الوقت باشرت دمشق بحشد قوات لها عند الحدود مع لبنان، خصوصا في منطقة البقاع الشمالي. وعندما سأل الجيش اللبناني القوات السورية وفق آلية التنسيق المتبعة حول أسباب هذا الحشد العسكري، كان الجواب أنه لضمان الأمن عند الحدود بسبب الحرب الدائرة. طبعا لم يعط هذا الجواب الإطمئنان المطلوب، خصوصا مع التنسيق الأمني والعسكري العالي القائم بين دمشق وواشنطن، كما أن دمشق تحظى بمظلة سعودية واسعة، في وقت تتعرض فيه المملكة لاستهداف صاروخي إيراني. هذا في وقت تبدو فيه ترجمة قرارات مجلس الوزراء حول دفع الجيش للبدء بتطبيق المرحلة الثانية من خطة نزع السلاح غير واقعية وغير قابلة للتطبيق، نظرا للواقع الحربي القائم. فما لم يحصل في المرحلة السابقة والتي كانت شروطها وظروفها أفضل فمن الصعب جدا حصوله في أجواء الحرب والمواجهات.
في الداخل الأميركي خشية من استعادة مشهد الحرب على العراق. وإعلان البنتاغون عن إرسال قوات إضافية الى المنطقة عزز الإنطباع بوجود قرار بتدخل أميركي بري مباشر لتغيير النظام الإيراني. لكن ترامب يرفض هذا الخيار ويعتبره إنتحارا سياسيا له ولحزبه، وهدية يقدمها للحرس الثوري. ولذلك أبدى 52% من الأميركيين المستطلعين معارضتهم لهذه الحرب. وهو الضغط الذي تعول عليه طهران لدفع البيت الأبيض للتراجع. لكن ما يزال هامش المناورة واسعا أمام ترامب وفريقه، والأهم رهانه على تحرك الأكراد والبلوش وجميع المجموعات المعارضة للقيام برا بالقتال الصعب مقابل الحكم الذاتي مستقبلا. هو باختصار ما يعرف بإعادة تشكيل الشرق الأوسط.



