
للأسف، هذا الانتحار ليس مجانيًا..
هناك أرواحٌ تُزهق، أطفالٌ يصرخون هلعًا،
آباءٌ وأمهاتٌ مربكون قلقون..
سياراتٌ تتكدّس على الطرقات، المهم أن نهرب من أتون حربٍ عبثيةٍ إلى أماكن إيواءٍ غريبةٍ موحشةٍ تفتقر إلى أدنى مستلزمات الحياة الكريمة..
قلقٌ عارمٌ وذهولٌ..
وكأننا لم نتعلّم من حروبنا المتعددة السابقة منذ حرب ٦٧، وقد خسرنا سيناء والضفة الغربية والقدس والجولان، واعتبرنا خسارتنا نكسةً وليست خسارةً مدوّيةً.
هذا مع احترامي لأول رئيسٍ عربيٍّ تكلم بالقومية العربية، وكان من أهم مهندسي حلف دول عدم الانحياز، إنه جمال عبد الناصر الذي حفظنا خطاباته صغارًا..
ولكن !…..
خسرنا كل حروبنا ونحن نرفع إشارات النصر..
نعم، لم نتعلّم من خسائرنا المتتالية بأن الحروب ليست خطبًا مبهرةً، ولا عنترياتٍ وصراخًا وكلامًا منمّقًا، إنما الحروب في عصرنا هي أولًا حروبٌ ثقافيةٌ حضاريةٌ تكنولوجيةٌ، وخاصةً أننا نواجه عدوًا يخطّط مثقفوه لمستقبل وطنهم المصطنع إلى مئات السنين، ونحن نرتجل…
كفى لهذه الأمة أن تخسر جميع حروبها..
لا تُربَح الحروب إلا بالتخطيط والدراسات والعقل وفنّ الممكن وتشجيع النخب المثقفة في بلادنا والمحصّنة بالمعرفة والأخلاق…
حينئذٍ نكف عن صنع مآسينا والانتحار المجاني ..



