
من يتابع الأخبار المتلاحقة عن الحشد العسكري الأميركي الأضخم في الشرق الأوسط منذ حرب العراق عام 2003، يخرج باستنتاج واضح بأن قرار حصول الضربة الأميركية على إيران متخذ والمسألة باتت تتعلق بتوقيت لم يعد بعيدا. ولكن من تابع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في خطاب “حال الإتحاد” خرج باستنتاج آخر ومفاده أن أبواب التسوية السياسية ما يزال مفتوحا. هي الميزة التي صبغت دائما سلوك ترامب، بحيث أن أحدا غير قادر على توقع خطوة ترامب التالية. وترامب يتمسك بغموض قراراته، ويوظفه في سياق إنهاك أعصاب خصمه، وفق الحرب النفسية التي يتلذذ بخوضها.
ففي الخطاب السنوي الأهم للرؤساء الأميركيين، تعمد ترامب تحطيم الرقم القياسي كصاحب أطول خطاب رئاسي أمام الكونغرس. فهو صاحب شخصية تستهويها هذه “الميزات”. لكن اللافت أن السواد الأعظم من خطابه الطويل كان مخصصا للشأن الداخلي رغم الملفات الخارجية الصعبة والدقيقة والتي تخوض غمارها الولايات المتحدة الأمريكية بشكل مباشر، وفي طليعتها الأزمة المفتوحة مع إيران. رغم ذلك فإن ترامب إكتفى بتخصيص جزء صغير من خطابه للنزاعات الخارجية الحاصلة. ووفق ذلك يبدو واضحا أن القلق الأكبر الذي يلاحق إدارة ترامب والحزب الجمهوري يتركز حول الخشية من تلقي صفعة إنتخابية مدوية في الإنتخابات النصفية في تشرين الثاني المقبل، وسط تراجع واضح في شعبية ترامب وفق ما تظهره جميع الإستطلاعات. وعدا أن النتائج أظهرت أن شعبية ترامب باتت تتراوح ما بين 37% و39%، فإن شكاوى الأميركيين تركزت حول فشل البيت الأبيض في صياغة سياسة إقتصادية سليمة، وهو ما رفع الأصوات المعترضة حيال سياسة ترامب الجمركية وارتفاع أسعار السلع وضعف النمو الإقتصادي. وتراوحت نسبة المعارضين للمقاربة التي يعتمدها ترامب إزاء الملف الإقتصادي ما بين 62% الى 64%. وهي نسبة عالية باتت تهدد بانقلاب واسع في المزاج السياسي الأميركي. ولعل أخطر الإشارات جاءت مع ما أظهرته الإستطلاعات بأن حوالي 20% من شريحة المستقلين والذين إنتخبوا ترامب إنتقلوا الآن الى الضفة الأخرى. لذلك إحتل الشق الداخلي الجزء الأكبر من خطاب ترامب، حيث جهد في عرض إنجازاته، وفي الوقت نفسه عمد على التصويب على سلبيات الإدارة السابقة.
لكن ترامب المحشور داخليا، قد يصبح أكثر شراسة لالتقاط أوراقا خارجية، خصوصا إذا كانت تحمل إغراءات ومكاسب إقتصادية. ولذلك يصبح الملف الإيراني في غاية الأهمية بالنسبة لإدارة ترامب. صحيح أن ترامب وصف النظام الحاكم في إيران بأنه راعي الإرهاب الأول، لكنه تحدث في الوقت نفسه عن تفضيله الوصول الى حل عبر التفاوض. هو لم يحدد الوجهة الفعلية التي سيتخذها، لكنه مصمم على اقتناص أوراق رابحة يمكن استثمارها إنتخابيا في الداخل الأميركي. هو يحشد عسكريا الى الحد الأقصى، ولكنه يجلس في الوقت نفسه حول طاولة المفاوضات بشكل جدي وليس صوري.
لكن ترامب الذي يفتح أبواب التفاوض يريد الصفقة المناسبة له. ففي خطابه وضع السلاح الصاروخي الإيراني في خانة التهديد المباشر على أمن المناطق والمدن الأميركية. وهو ما معناه تمهيد الطريق وتعبيدها أمام استخدام القوة العسكرية. ففي منطقة الشرق الأوسط باتت تتواجد مئات الطائرات الى جانب قوة بحرية هي الأضخم منذ أكثر من عقدين من الزمن. فعدد الطائرات تجاوز ال250 طائرة مقاتلة، ومن بينها عشرات الطائرات الشبحية. ووفق استطلاع أجرته مجلة الإيكونوميست تبين أن 52% من الأميركيين يرون أن مكانة بلادهم في العالم تراجعت في ظل ولاية ترامب الثانية، في مقابل 29% إعتبروا أنها تحسنت، و12% قالوا أنها بقيت على حالها. وهو ما يزيد من الواقع الضاغط على فريق ترامب لتحقيق الإنجاز المطلوب مع إيران.
ولم يعد سرا أن الفريق المحيط بترامب والمتحمس لإسرائيل يدفع باتجاه تحقيق الضربة العسكرية، مثل السيناتور البارز تيد كروز وهو جمهوري ومقرب من ترامب، والذي أعلن أنه من المرجح أن تشن القوات الأميركية ضربات “محددة” ضد إيران، وربما خلال أيام معدودة. واعتبر أن النظام الإيراني بات أضعف من أي يوم مضى. وجاء كلام زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ تشاك شومر ليعزز خيار الضربة. فهو تحدث عن “أمر خطير” إثر إحاطة سرية قدمها وزير الخارجية ماركو روبيو لقادة الكونغرس ورؤساء لجان الإستخبارات في مجلسي النواب والشيوخ، وأضاف بأن على الإدارة أن تشرح سياستها للرأي العام. وكلام شومر يوحي بتحرك عسكري قريب.
لكن، ما الفرق بين ضربة واسعة أو ضربة محدودة وفق توصيف تيد كروز؟ لا شك بأن الفرق كبير والمنطلقات مختلفة. فالضربة الواسعة والتي تتمناها إسرائيل، تهدف الى إحداث تغيير داخل بنية النظام الإيراني، وربما دفع الأمور باتجاه نشر الفوضى الداخلية والذهاب الى واقع آخر جديد. لكن الأمثلة والتجارب التاريخية تثبت بأن الحروب الجوية قادرة على تدمير القدرات العسكرية للطرف الآخر، وتساعد على تأمين مظلة حماية للقوات البرية. لكنها محدودة التأثير في حال كان الهدف إسقاط السلطة القائمة. وعلى سبيل المثال، فإن القصف الجوي الأميركي على جيش صدام عام 1991، لم ينتج عنه إسقاط النظام. وحده الإجتياح البري عام 2003 أنتج ذلك. والقرار بعدم التورط برا بات واضحا ونهائيا في واشنطن.
أما الضربة المحدودة أو المدروسة فقد تأتي كمخرج يلائم الطرفين للذهاب الى تسوية سياسية صعبة. أي ضربة مدروسة تساهم في ترتيب وإنجاز التسوية. وهنا تصبح الحسابات مختلفة.
ووفق ما تقدم فلقد لفت الموقف الذي أعطاه حزب الله حول إمكانية مشاركته في حال الضربة على إيران. في السابق كانت الرسالة التي حملها أمين عام حزب الله الشيخ نعيم قاسم بأن حزب الله معني في حال استهداف إيران. وبعدها رفض،حزب الله إعطاء أي موقف جديد، رغم الطلب الأميركي عبر الرئيس نبيه بري. وبالأمس أعلن حزب الله بشيء من التفصيل بأنه في حال الضربة المحدودة فهو سيبقى واقفا جانبا. أما في حال استهداف المرشد، أو ربما ما قصده أنه في حال الضربة الواسعة التي تستهدف ركائز النظام القائم، فالمسألة مختلفة. وبات معروفا أن قرار إطلاق الصواريخ البالستية الموجودة في لبنان، هو بيد إيران.
ووفق ما تقدم، فهل أن الصورة باتت أقرب لتسوية تستوجب ولادتها الذهاب الى حماوة مدروسة؟
من الصعب الإجابة على هذا السؤال ولو أنه يبقى احتمالا واردا. لكن المشكلة تبقى مع إسرائيل ومصاعب نتنياهو الإنتخابية. وهو ما يدفع للحذر أكثر على الساحة اللبنانية. ألم يصف ترامب الوضع في لبنان بالمشكلة الصغيرة والمتفرعة عن الملف الأساس أي الملف الإيراني؟ ومن هنا السؤال ما إذا كانت النار التي تحتاجها التسوية العريضة مع إيران ستلفح بحماوتها الساحة اللبنانية، بحيث يجري ترتيب العديد من الأمور على الساخن.
خلال اجتماع القاهرة التمهيدي لمؤتمر دعم الجيش والذي سيعقد في باريس، أمطرت الوفود المشاركة الوفد اللبناني بالأسئلة المتعلقة بكيفية الإنتقال الى تطبيق المرحلة الثانية من خطة الجيش. واستفاض قائد الجيش في شرح الصعوبات اللوجستية والتقنية التي تعترض مهمته، مع التأكيد على أن لبنان إتخذ قراره ببسط قواه الشرعية على كامل الساحة اللبنانية. وطالب بالمساعدات التي تحتاجها القوى العسكرية اللبنانية لاستكمال مهمته. لكن الوفود المشاركة والتي أبدت تشكيكها بجدية المهل الزمنية التي صدرت عن جلسة مجلس الوزراء طالبت بتحرك جدي وعملي للجيش على مستوى المرحلة الثانية للبدء بفتح أبواب المساعدات المطلوبة. وهي مقاربة تخفي في طياتها تشكيك بجدية النوايا المتبادلة أكثر منه تحديد الآلية التطبيقية.


