مقالات صحفية

إستياء الخماسية من قرار الحكومة

عنوان

جوني منير

تراقب الأوساط اللبنانية، وخصوصا الرسمية منها، الإشارات المتناقضة الصادرة عن التطورات المتعلقة بالمفاوضات بين واشنطن وطهران. ذلك لإدراكها بأن المأزق الصعب الذي يمر به لبنان، والمتعلق باستكمال خطة الجيش عبر الإنتقال الى المرحلة الأصعب والأخطر والمحددة بالمرحلة الثانية، قد يكون مفتاح الفرج موجود في ما ستؤول اليه نتائج هذه المفاوضات. مع الإشارة هنا بأن الرسائل التي تعمل إيران على توزيعها بكثرة وعلى عدة مستويات، تشمل الساحة اللبنانية من خلال المواقف المتلاحقة لأمين عام حزب الله الشيخ نعيم قاسم.
تتضارب القراءات المتعلقة بالمسار التفاوضي بين واشنطن وطهران. ففي الوقت الذي يعلن فيه وزير الخارجية الإيراني عباس عرقجي عن تحقيق تقدم مهم إثر الجولة الثانية من المفاوضات وهو ما يوافق عليه الجانب الأميركي، تتصاعد لغة الرسائل الحربية والتهديدات المتبادلة والحديث عن اقتراب ساعة الصفر لإطلاق العملية العسكرية. وتعتمد واشنطن كما طهران أسلوب المزج بين التمسك بالمسار التفاوضي الشائك وبين التلويح بأدوات الضغط العسكري. وإذا كانت الجلسة الأولى والتي عقدت في مسقط هدفت الى جس نبض الفريق المقابل فإن الجلسة الثانية في جنيف جاءت لتثبيت الخطوط الحمر لكلا الجانبين. ولكن الى جانب الحركة التفاوضية كانت الرسائل العسكرية تتطاير في كل الإتجاهات، ربما بهدف تعزيز الموقع التفاوضي لكلا الجانبين.
وإلى جانب المناورات المنفردة التي نفذتها إيران خلال اليومين الماضيين في مضيق هرمز والذي يمر عبره يوميا حوالي 20% من حركة النفط العالمية، عملت طهران على تكثيف تنسيقها العسكري مع موسكو وبكين عبر مناورات مشتركة وصفقات تسليحية واستلام شحنات عسكرية، في رسالة واضحة الى واشنطن وتل أبيب. لكن هذه الرسائل لا تعني نية الصين وروسيا الدخول مباشرة في أي مواجهة عسكرية الى جانب إيران، فهذا اعتقاد غير واقعي، بقدر ما هي إشارات ترمز الى وقوفهما الى جانب إيران، وعدم رغبتهما رؤية إيران تتعرض للإضعاف أو الإنهيار. مع الإشارة الى أن المناورة العسكرية الإيرانية_الروسية تحصل في خليج عمان حيث تتمركز حاملة الطائرات الأميركية “أبراهام لينكولن” مع مجموعتها الحربية. كذلك فإن التلويح الإيراني بورقة مضيق هرمز هو بمثابة استعداد إيران للعب على حافة الهاوية، وهي رسالة ليست موجهة فقط باتجاه واشنطن وإنما أيضا باتجاه دول الخليج العربي ومفادها أن الحرب ستطال مباشرة إقتصاد واستقرار دول هذه المنطقة. وهو ما يعني أن تستخدم هذه الدول نفوذها لدى واشنطن لمنع أي تحرك حربي أميركي. أي زيادة أوراق الضغط التفاوضية على الجانب الأميركي. ووفق الكواليس الديبلوماسية فإن طهران كانت قد رفضت الإقتراح الأميركي بعقد الجلسة الثانية من المفاوضات في إيطاليا بسبب “المواقف العدائية للإتحاد الأوروبي، وإدراجه الحرس الثوري على لائحة الإرهاب” واقترحت سويسرا باعتبارها دولة أوروبية خارج عضوية الإتحاد الأوروبي، كما أنها وسيط رسمي بين طهران وواشنطن، وهي تتولى أيضا رعاية المصالح الأميركية في إيران.
في المقابل فإن واشنطن استمرت في عملية تحشيد قواتها العسكرية في المنطقة، وهي أرسلت حاملة الطائرات الثانية والأكثر تطورا في العالم الى المنطقة. وارفقت ذلك برفع مستوى التهديدات. فخلال وجوده في تل أبيب إعتبر السيناتور الأميركي ليندسي غراهام والمعروف بقربه الشديد من الرئيس الأميركي، بأن قرار ضرب إيران بات وشيكا، وعلى بعد أسابيع وليس أشهر. وعلل ذلك بقوله بأنه إذا لم يتم الإطاحة بخامنئي فسيشكل ذلك إنتصارا إستراتيجيا للجمهورية الإسلامية. وأضاف بأن هنالك مساران واضحان، واحد ديبلوماسي وآخر عسكري، وكلاهما يهدفان لإيجاد سبيل لإنهاء هذا النظام.
وفي هذا الوقت نفذ الجيش الأميركي حركة غامضة تمثلت بتخفيض عديد قواته في سوريا والعراق، وإنسحابه الكامل من قواعد كانت تصنف في خانة الأهمية الإستراتيجية. فبعد إخلاء قاعدة التنف عند المثلث السوري_الأردني_العراقي، عمدت قيادة السينتكوم على تخفيض عديدها في العراق الى أكثر. من النصف، وسحب المعدات والأسلحة الهجومية والإبقاء على المعدات الدفاعية. وسجل إخلاء القوات الأميركية لقاعدة عين الأسد أكبر القواعد في العراق وحيث حل مكانها الحيش العراقي. وبات الحضور العسكري في العراق يقارب حوالي الألف جندي فقط موزعين بين أربيل وفي السفارة الأميركية في المنطقة الخضراء في بغداد وبالقرب من المطار. مع التذكير هنا بأن الإنتقام الصاروخي الذي نفذته إيران إنتقاما لإغتيال قاسم سليماني في كانونةالثاني 2020 طال يومها قاعدة عين الأسد. وفي تقييم أولي، فإن الإنسحابات الأميركية شملت مناطق تعتبر رخوة أو سهلة الإستهداف، وهي تقع ضمن مدى الرد الإيراني. وهو ما يؤشر في قراءة أولية بأن قيادة السينتكوم تعمل على تحضير الساحة لاستيعاب الرد الإيراني على الضربة العسكرية التي تلوح بها واشنطن. وهو ما يرجح فرضية حصول الضربة، أو ربما الإيحاء بذلك لأغراض تعزيز الموقع التفاوضي.
لكن هنالك من يعتبر أن التفاؤل الذي صدر بعد إنتهاء الجولة الثانية من المفاوضات مضلل، وقد يقود الى قراءات خاطئة للمسار الفعلي للتطورات. فصحيح أن التحشيد الأميركي الضخم يجري توظيفه في الملعب التفاوضي، لكن انفلات الوضع باتجاه الحرب بات قابلا للحصول في لحظة مفاجئة. وتدرك طهران كما واشنطن أن الضربة المواجهة ستكون شاملة، ولن تقتصر على الضربات الجوية فقط، بل ستكون مزيجا من عمليات جوية وبحرية وبرية وأيضا إستخباراتية، الى جانب إثارة تمرد داخلي قد يكون مسلحا هذه المرة، وما حصل الشهر الماضي في إيران قد يشكل مؤشرا مبكرا في هذا الإتجاه.
ووسط هذا التضارب في الرؤيا فإن أوساطا ديبلوماسية مراقبة تقرأ في رسائل التصعيد العسكري مؤشرات تسوية. فهي ترى أن صورة التحدي الجاري إبرازها تهدف لمنح الشارع “إنتصارا” شكليا بهدف تأمين مناخ مساعد لتنازلات في الجوهر لاحقا. ووفق هذه الأوساط الديبلوماسية الأوروبية الواسعة الإطلاع، فإن الخلافات حول الملف النووي باتت ضيقة، بحيث قبول واشنطن بتخصيب إيران لنسبة منخفضة من اليورانيوم تستخدم للأغراض السلمية، في مقابل قبول طهران برقابة أميركية دائمة على عملية التخصيب. وفي وقت ترفض فيه إيران أي تراجع في ملف الصواريخ، جرى طرح إقتراح ما يزال غير واضح التفاصيل ويقضي بالمقايضة بين ملفي الصواريخ والنفوذ الإيراني في المنطقة أو ما بات يعرف بالأذرع. ولفت في هذا المجال ما بدأ يتسرب من العراق حول وجود بوادر لإجهاض ترشيح نوري المالكي لرئاسة الحكومة.
وسط هذا المناخ الإقليمي المتشابك والمعقد يعمد لبنان على محاولة تمرير المرحلة. ولا بد أن تكون واشنطن قد قرأت جيدا الرسائل الإيرانية التصعيدية من خلال إطلالات أمين عام حزب الله الشيخ نعيم قاسم المتلاحقة. وفي وقت كرر فيه قاسم عدم استعداد حزب الله لتسليم السلاح، كانت قيادة الحزب تبلغ المسؤولين اللبنانيين على المستويين السياسي والعسكري وقف التعاون في موضوع المرحلة الثانية من خطة الجيش، وأن الخطة انتهت مع إنتهاء مرحلتها الأولى، وأن حزب الله لن يقبل بتسليم أي قطعة سلاح بعد الآن. وبموازاة ذلك جرى تجميد عملية التواصل التي كانت قائمة على المستوى المركزي، ولو أنها بقيت قائمة على مستوى مسؤولي المناطق. وهذا الموقف وضع الحكومة في موقع حرج وهي التي تعول على مؤتمر باريس والمخصص لدعم الجيش. بالدول المشاركة كانت إشترطت وإن بشكل غير معلن على نتائج ملموسة حول موضوع السلاح من خلال تحديد الحكومة لبرنامج زمني واضح يتعلق بالمرحلة الثانية. ولذلك عمد مجلس الوزراء الى الخروج بحل على الطريقة اللبنانية. أي ما جرى إعلانه عن تنفيذ خلال أربعة أشهر قد تتمدد الى الثمانية وربما أكثر من ذلك. في الواقع هذا القرار هو على الطريقة “اللبنانية” لكن العواصم المعنية بملف مؤتمر دعم الجيش لم تأخذ به، لا بل استاءت منه.
وخلال اجتماع سفراء الخماسية في السفارة المصرية جرى التعاطي من قبل الجميع بسلبية مع ما صدر، وكان الأكثر سلبية وتشددا الموقفين الأميركي السعودي. فالإنطباع الغالب كان بأن السلطة اللبنانية ومن خلال سلوكها، تمنح الوقت الثمين لحزب الله ليتابع عملية إعادة بناء قدراته العسكرية، وأن إسرائيل لن تقبل بالإنسحاب من أي موقع في ظل عمل حزب الله على استعادة قوته العسكرية. وتم التوافق على لقاء قائد الجيش للوقوف على الخلفية الحقيقية للقرار. لكنه بات واضحا أن مؤتمر دعم الجيش في باريس في الخامس من الشهر المقبل لن يشهد نتائج مهمة. لا بل فإن مستوى المشاركة سيكون منخفضا. وكانت هنالك مساع لتأجيل إنعقاده، لكن تمسك الرئيس الفرنسي به حتم إنعقاده ولو مستوى منخفض. وسبب إصرار ماكرون يعود في أحد جوانبه لتأمين ما يمكن تأمينه للجيش ولو بالحد الأدنى، لكن الجانب الأهم له يعود للتمسك بموقع ودور فرنسا في لبنان وفي لجنة الميكانيزم تحديدا، بعد ظهور مخاوف من سعي واشنطن لإخراج باريس من اللجنة. وبذلك يشكل الدور الفرنسي من خلال المؤتمر عاملا مساعدا لمنع إخراجها من الملعب اللبناني. والإجتماع التحضيري لمؤتمر باريس والذي سيعقد في القاهرة سيكون محدودا بعض الشيء مع مشاركة أقل من عشر دول. فإضافة الى دول الخماسية ستحضر ألمانيا وبريطانيا وإيطاليا إضافة الى ممثل عن الإتحاد الأوروبي. وهو ما يعطي صورة مسبقة عن النتائج التي سيخرج بها مؤتمر دعم الجيش في باريس، في وقت كانت الترجيحات تتحدث سابقا عن حوالي مليار دولار سنويا، كما أوحى مؤتمر روما سابقا.
ولكن ثمة ما هو أسوأ. ففي إطار الموقف الأميركي المتشدد، جرى إدراج اقتراح يقضي بالإنتظار حتى مطلع الصيف، أي مع انقضاء مهلة الأربعة أشهر التي أشار إليها مجلس الوزراء اللبناني، وإذا لم تحصل خطوات جدية فهنالك من يدعو لخفض مستوى المساعدات القائمة حاليا والجاري تقديمها للجيش، والتي مصدرها الولايات المتحدة بشكل رئيسي إضافة الى قطر. صحيح أم المروحيات الأميركية وعددها 8 والمقدمة من ضمن المساعدات الأميركية للجيش قد وصلت الى لبنان، ويجري العمل على تركيبها ودهنها وتحضيرها تمهيدا للإعلان رسميا عن تسلمها وإدخالها مجال العمل، إلا أنها تدخل في إطار البرمجة المسبقة. وتتمسك واشنطن بالمرحلة الثانية لاعتبارها أنها المرحلة الأهم، خصوصا وأن المنطقة المعنية تختزن قدرا هجومية كبيرة ومهمة وقادرة على إعادة قلب كامل الوضع جنوب الليطاني في مدة زمنية قصيرة جدا. كما أنها تعتبر خزان دعم ورفد دائمين للمنطقة الجنوبية.
ولأن السلطة اللبنانية رسمت خطا أحمر لها ويقضي بعدم الذهاب الى أي صدام داخلي وسط إصرار حزب الله على مواجهة أي محاولة للإقتراب من سلاحه شمال الليطاني، فإن واشنطن والتي تخوض مفاوضات صعبة مع إيران حول نفوذها العسكري الإقليمي وخصوصا في لبنان، تعمل على الضغط أكثر باتجاه بيروت لإضعاف ورقة إيران التفاوضية في لبنان، خصوصا تحت ضغوط نتنياهو المحشور داخليا والداعي لحلول حربية مع إيران تؤدي الى تغيير وجه المنطقة الى الأبد، وهو ما دأب على التبشير به منذ عملية السابع من أوكتوبر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى