مقالات صحفية

“كمين” غراهام وتشدد بارو” بقلم الكاتب السياسي جوني منيّر

كل الأنظار شاخصة على المفاوضات الأميركية_الإيرانية، فهي التي ستحدد ليس فقط الوجهة التي ستسلكها المنطقة بل ربما أيضا الصورة المستقبلية لها. صحيح أن المواقف الأولية من كلا العاصمتين جاءت إيجابية عقب انتهاء الجولة التفاوضية الأولى، وأن الأعلان عن جولة ثانية يعزز الإنطباع التفاؤلي، لكن الواقعية والتجارب السابقة والملفات الصعبة المطروحة للتفاوض، كلها تحتم التمهل في إصدار الأحكام المبكرة. فالدخول الجدي الى عمق النقاط الخلافية لم يبدأ بعد.
المعروف عن فنون التفاوض بأن الجلسة الأولى بين بلدين متحاربين وخاضا مواجهة عسكرية منذ أشهر معدودة، تكون عادة بمثابة إدارة للتوقعات أكثر منها لحسم البنود والملفات الخلافية. أو بمعنى آخر، فهي تكون لجس النبض وإجراء تقييم متبادل لأفق التفاوض والخلفيات الحقيقية للطرف المقابل. ولذلك يسعى كل طرف لاستكشاف حقيقة نوايا الطرف الآخر وسبر أغواره وتقييم حدود مرونته والخطوط الحمراء التي رسمها. كما أنه يجري تجنب الدخول في إلتزامات عملية أو اتخاذ قرارات حاسمة. في المقابل، يجري تقدير ما مدى هامش التنازلات لدى الفريق الآخر، وذلك من خلال إجراء مقارنة سريعة مع ما حصل في الجولات التفاوضية السابقة، لاسيما تلك التي سبقت الحرب الجوية في حزيران الماضي. وهو ما يعني باختصار أنه كان منطقيا ومفهوما إجتياز المرحلة الأولى من دون ظهور تعقيدات كبيرة. لكن الذهاب الى المرحلة الثانية من المفترض أن يتطلب الدخول الى قرارات سياسية صعبة ومعقدة، وهو ما سيجعل الهامش المتاح أضيق، كونه يتطلب إنزال الفريق الآخر عن المطالب القصوى التي كان أعلنها.
ومن هذا المنطلق عمد كل فريق على إجراء استعراض قوة للضغط على الفريق الآخر. فالحرس الثوري الإيراني كان قد كشف عشية إنطلاق المفاوضات عن صاروخ بالستي متطور من طراز “خرمشهر4” في خطوة حملت رسالة واضحة ومفادها أن الأنخراط في التفاوض لن يعني التخلي عن القدرات العسكرية والبرنامج الصاروخي الذي أثبت قدرته وفاعليته خلال الحرب الجوية الأخيرة. كما توالت المواقف الإيرانية حول الإستعداد الكامل لمواجهة أي حرب تفرض عليهم.
في المقابل فإن الجانب الأميركي عمد بداية، وعلى غير عادة، الى ضم قائد السينتكوم الأميرال براد كوبر الى المحادثات، وهو يرتدي بزته العسكرية للدلالة على الحشد العسكري وحال الجهوزية لدى القوات الأميركية المنتشرة في المنطقة. وفور انتهاء الجولة التفاوضية الأولى إنتقل ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر الى حاملة الطائرات “أبراهام لينكولن” المتمركزة في مقابل إيران، وحيث جدد ويتكوف شعار “السلام من خلال القوة”. مع الإشارة هنا بأن هذا الشعار كان قد أطلقه للمرة الأولى الرئيس رونالد ريغان خلال ولايته الرئاسية، ورسم السلوك السياسي لإدارته وفقه. كذلك عمدت واشنطن على الإعلان عن تحريك حاملة الطائرات “أبراهام لينكولن” في بحر العرب ترافقها سفينتي إمداد وقطعتين بحريتين تابعتين لخفر السواحل الأميركي. وأرفق ذلك بتحليق طائرات من الجناح الجوي لحاملة الطائرات. ومفاد هذا الإستعراض أن البحرية الأميركية جاهزة لأداء دورها في مسار “السلام من خلال القوة”. كما جرى الإعلان عن الزيارة السابعة لرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو الى واشنطن منذ انتخاب ترامب لولاية رئاسية ثانية. ومعروف التوجه العسكري الذي يريده نتنياهو للتعامل مع إيران.
لكن من المتوقع أن يستخدم الطرفين أسلوب الوقوف على حافة الهاوية، ولكن مع وجوب المحاذرة من احتمال انتقال ترامب فجأة الى خانة المواجهة العسكرية، وهو ما جرى مع إيران نفسها. ما يعني أن اعتماد المناورة والوقوف عند حافة الهاوية قد تكون لعبة محفوفة بالمخاطر. فإمكانية السقوط ممكنة بسبب الملفات المعقدة والحساسة والخطيرة والمصيرية وطبيعة ترامب نفسه. أضف الى ذلك أن هذه المفاوضات تدور وسط أوضاع ضاغطة داخليا لكلا الطرفين. فترامب وأدارته الجمهورية يواجهان أزمات وفضائح داخلية تهدد بخسارة الجمهوريين للإنتخابات النصفية. وخامنئي وتياره المحافظ يعانيان من معارضة داخلية واسعة واحتجاجات في الشارع جرى قمعها بالرصاص، ومن الممكن تحددها كل لحظة.
يضع ترامب أمام خامنئي ملفات ثلاث، وهي النووي بشقيه التخصيب والبرنامج، والقدرات الصاروخية والنفوذ الإقليمي. لذلك حاولت طهران إختبار جدية النوايا الحربية الأميركية ومعرفة ما إذا كانت تسعى فعلا للمواجهة العسكرية أم أنها تكتفي بالحشد العسكري كورقة ضغط لتعزيز موقفها التفاوضي. وقد تكون أعطت إشارات مرونة تجاه الملف النووي، لكن البرنامج الصاروخي أضحى بالنسبة لإسرائيل أكثر إلحاحا من التهديد النووي، لاسيما بعدما تلقى ضربات قوية في حزيران الماضي حيث ما عاد يشكل خطرا داهما، بعكس القدرات الصاروخية التي أثبتت تطورها وخطورتها. تجدر الإشارة هنا بأن إسرائيل لم تكشف أبدا عن كامل الأضرار التي أحدثتها الضربات الصاروخية الإيرانية خلال المواجهة الجوية، رغم أنها اعترفت بإصابة معهد وايزمان للعلوم ومصفاة حيفا، وقد كلفا وحدهما مئات الملايين من الدولارات لإعادة إصلاحهما. كما أن أصحاب المنازل المتضررة كليا أو جزئيا قدموا طلبات تعويض تقارب المليار ونصف المليار دولار.
وفي وقت كرر فيه ترامب تحذيره للخامنئي “يجب عليه أن يقلق” في إطار الضغوط النفسية، عمد في المقابل على إجراء إتصال بالرئيس الصيني شي جي بينغ، وهو ما جرى تفسيره بأنه دعوة لممارسة بكين تأثيرا إيجابيا على طهران. مع الإشارة هنا بأن الصين لم تتخذ سابقا موقفا صلبا وحازما لصالح إيران، بل مواقف أقرب الى رفع العتب الديبلوماسي، وذلك رغم العلاقات التي تربطهما. والمعروف أن أولوية بكين قد تكون في إبقاء تدفق الخام الإيراني مفتوحا اليها. كما قد يكون رهان ترامب بالتلويح بأبقاء التعرفة الجمركية منخفضة في حال التعاون، كما في خفض التسليح لتايوان.
ومع إنطلاق هذه المفاوضات يجد لبنان نفسه في وسطها وتحديدا من خلال الملف المتعلق بنفوذ إيران الإقليمي، والصواريخ البالستية الموجودة في لبنان. ومن هذه الزاوية يزداد الضغط الحاصل على لبنان لإنجاز الحلول الذاتية. من هنا تركز الإهتمام على الزيارة الرسمية الأولى لقائد الجيش العماد رودولف هيكل الى واشنطن. ولكن ورغم “إجهاض” الموعد السابق للزيارة، فإن الزيارة ( والتي صودف تزامنها مع مفاوضات مسقط) حملت مفاجأة مدوية كان بطلها السيناتور المثير للجدل ليندسي غراهام. فهو لم يكتفي باستقبال العماد هيكل بثياب الرياضة رغم الطابع الرسمي للإجتماع ومن ثم قطعه بعد ثلاث دقائق من بدئه، لا بل أنه كتب على منصة X “سأمه” من إزدواجية الخطاب في الشرق الأوسط. وعدا الإمتعاض اللبناني عن هذا التصرف المهين، ألا أن السؤال الأبرز يبقى ما إذا كان ما حصل جاء من “عنديات” غراهام المشهور بسلوكه الحاد والمنحاز بشدة لصالح إسرائيل، أم أن في الخلفية رسالة أميركية ما. بداية بدا واضحا أن ما حصل كان قد دبره وخطط له السيناتور الأميركي سلفا. بدليل لباسه الرياضي. وهو ما يعني أن ما حصل كان كمينا جرى الإعداد له مسبقا. وهذا السلوك جاء معاكسا لكل لقاءات واجتماعات الزيارة، وحيث جرى الأشادة بالجيش وسلوكه والمهام الملقاة على عاتقه، وخصوصا من جانب كبار المسؤولين العسكريين الأميركيين، ومع التأكيد على المحافظة على الدعم العسكري القائم للجيش اللبناني. أضف الى ذلك أن توضيحات عدة حصلت من الجانب الأميركي وتمحورت كلها حول السلوك المعروف لغراهام وانحيازه الأعمى لإسرائيل وهو ما أدى الى اصطدامه أكثر من مرة بإدارة ترامب نفسها. ووفق هذه المعطيات إعتبرت الأوساط اللبنانية المعنية أن “قنبلة” غراهام لا تحمل أبعادا أو رسائل مشفرة. لكن البعض المشكك قرأها بطريقة مختلفة. فهو رأى بمجمل الزيارة تأكيد على العلاقة المتينة بالجيش كمؤسسة عسكرية، وذلك توضيحا للإلتباس الناجم عن إجهاض الموعد الأول للزيارة الرسمية لقائد الجيش الى واشنطن. لكن ثمة رسالة سياسية لا علاقة لها بالمؤسسة العسكرية جرى توجيهها في المرة الأولى عبر إجهاض الزيارة، وفي المرة الثانية عبر غراهام نفسه ولكن بعد توضيح الصورة بالفصل بين المؤسسة العسكرية والمستوى السياسي. ووفق وجهة النظر هذه، أن غراهام ما كان ليذهب الى هذا الحد وأيضا التحضير النسبق لكمينه لولا وجود على الأقل مناخ مؤات داخل إدارة ترامب. ويدعم هؤلاء وجهة نظرهم بالإشارة الى الصورة التي نشرها غراهام على منصة X بعد يومين من الحادثة والتي جمعت بينه وبين ترامب في ملعب الغولف في مارالاغو. وكأن به يريد إظهار مدى “تطابق” مواقفه مع مواقف الرئيس في هذه المرحلة بالذات. ويشير هؤلاء الى البيان الذي صدر لاحقا عن وزارة الخارجية الأميركية والذي أشار الى موضوع السلاح. ويرى أصحاب وجهة النظر هذه أنه من المنطقي والطبيعي أن تعمد القنوات الديبلوماسية المعنية لاحتواء ما حصل لاحقا.
وما عزز فرضية هؤلاء السقف المرتفع الذي حمله معه وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو خلال زيارته لبيروت. فهو تحدث بما يشبه التأنيب أنه ليس صائبا ولا حكيما إستهلاك كل هذا الوقت في المراوحة وإدارة الأزمة بدل الشروع في حلول جدية لملف السلاح، خصوصا وأن مستقبل لبنان على المحك.وأضاف بأن إنجاز هذا الملف واستكمال المرحلة الثانية شمال الليطاني له علاقة عضوية مع تقديم الدعم للجيش، وهذه مسألة لا تحتاج الى نقاش. ورغم أن الموقف الفرنسي كان في العادة أكثر مرونة من الموقف الأميركي، إلا أن كلام بارو هنا جاء ليدحض النفي اللبناني لأي ربط بين المرحلة الثانية ودعم الجيش. لكن الأوساط اللبنانية المعنية وضعت كلام بارو في سياق توفير الأجواء لإنجاح مؤتمر دعم الجيش ورفع مستوى المشاركين والتقديمات المطلوبة، أكثر منه كسياسة فرنسية يجري تركيزها. أي أن باريس تريد من اعتمادها سقفا مرتفعا لخطابها أن تمهد الطريق أمام مشاركة أميركية وسعودية فاعلة ومميزة، خصوصا وأن واشنطن والرياض تتمسكان بهذه العناوين.
وبعيدا عن التفسيرات المتناقضة والتي قد يختلط بعضها بالرغبات أكثر منه القراءة الموضوعية والصحيحة، إلا أن ثمة توقعات متشائمة حيال مسار المفاوضات الأميركية_الإيرانية، وهو ما عبر عنه مستشار الأمن القومي الأميركي السابق خلال ولاية ترامب الأولى جون بولتن، والذي لم يعط نسبة نجاح أكثر من 5% فقط. كما أنه أيا كانت نتيجة هذه المفاوضات إلا أنه لم يظهر أي دليل على وجود نية إيرانية جدية بالإنسحاب من الساحة اللبنانية، لا بل ظهرت إشارات معاكسة. ومن هذه الزاوية يصبح الإنتظار اللبناني لمآل مفاوضات مسقط إهدار لما تبقى في الرصيد اللبناني، أكثر منه استهلاك الوقت والرهان على مفاجآت “مفرحة”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى