
في الوقت الذي جرى فيه الكشف عن عودة واشنطن وطهران الى التفاوض، كانت الإدارة الأميركية توزع عبر الإعلام عن إرسال المزيد من القطع البحرية العسكرية الى منطقة العمليات المواجهة لإيران. وكانت الإشارة الأميركية واضحة بأنها لم تضع جانبا الخيار العسكري ولو أنه جرى خفض مستوى التصعيد لدى القوات الأميركية بعض الشيء. وفي المقابل إستمرت التصريحات الإيرانية حول جاهزية قواتها للتعامل مع أي اعتداء يطال الأراضي الإيرانية. ورغم ذلك فإنه من الواضح أن الإعلان عن العودة الى التفاوض ما كان ليحصل لولا وجود معطيات ملموسة تشجع على هذه الخطوة، وهو ما وصفه الرئيس الأميركي بالجدية.
الإشارة الأبرز لجدية المفاوضات النتظرة تتعلق بما نشر حول طلب طهران نقل مكان التفاوض من تركيا الى سلطنة عمان وموافقة واشنطن عليه. فهذا يؤشر بوضوح الى أن إيران التي اختبرت مرات عدة في السابق حرص والتزام سلطنة عمان بالسرية المطلقة لكل ما دار على أراضيها، تريد خوض مفاوضات حساسة ودقيقة، وتريد في الوقت نفسه إبقاءها بعيدة عن أي “خطأ” قد يؤدي الى إفشاء تفاصيلها. فالنظام القائم في إيران هو من النوع الذي يحرص على إبقاء صورته ضمن مواصفات تتوافق مع الأفكار والعناوين العقائدية التي تشكل ركائز خطابه السياسي، والذي قد لا تتلاءم كثيرا مع السياق التفاوضي المطروح. كما أن المحافظة على الظهور بمظهر القوة يبقى شرطا أساسيا لحماية النظام من سهام معارضيه في الداخل، خصوصا بعد كل ما حصل. من هنا يمكن تفسير معنى إطلاق الحرس الثوري لمسيرة من “شاهين 139” والتي أسقطتها طائرة حربية أميركية بعد اقترابها من حاملة الطائرات “أبراهام لينكولن”. وهذا “التحرش” الإيراني الذي حصل بعد الكشف عن الذهاب الى المفاوضات لم يكن ليشكل خطرا حقيقيا على حاملة الطائرات الأكثر فتكا في العالم. ما يعني أن من أرسلها كان يعلم سلفا المصير الذي ستلاقيه، وأن ما أراده كان الظهور بصورة القادر على التحدي، ما يجعله يدخل للتفاوض مع “الشيطان الأكبر” بأقل قدر من الإحراج الداخلي. وهنالك إشارة أخرى حصلت قبل أن يتوجه وزير الخارجية عدنان عرقجي الى اسطنبول حاملا معه ملفا دسما أدى لنجاح الوساطة التركية مع البيت الأبيض والتوافق على التفاوض. ففي خطوة غير معهودة إعلاميا، جرى توزيع صورة لمرشد الثورة الإيرانية وهو يزور مرقد الإمام الخميني مؤسس الجمهورية الإسلامية. مع التذكير بأن الخميني كان قد أطلق عبارته الشهيرة حول “تجرع السم” عند إعلان قبوله بقرار إنهاء الحرب التي كانت دائرة مع عراق صدام حسين.
إلا أن المفاوضات المتوقعة بين واشنطن وطهران لا تشبه أبدا ما سبقها من تفاوض بين الطرفين. فلا هي مشابهة للمفاوضات المضنية التي سبقت ولادة الإتفاق النووي عام 2015، ولا أيضا تلك التي حصلت قبل الحرب الجوية في حزيران الماضي. هي مفاوضات تجري وفق معادلات جديدة إن على المستوى الإيراني الداخلي إثر نتائج الحرب الجوية التي حصلت والواقع الداخلي الصعب إقتصاديا وشعبيا، أو على المستوى الإقليمي مع خسارة إيران لنفوذها داخل حماس وفي سوريا وتراجع القدرات العسكرية لحزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن. وفي الوقت عينه يدخل ترامب هذه المفاوضات وهو يعاني من ضربات وفضائح متلاحقة على المستوى الأميركي الداخلي. وطهران التي لا بد أن تكون تراقب التعثر الداخلي لترامب وبداية تشكل تحالف غير منظور يضم مختلف أخصامه خصوصا داخل المؤسسات الأميركية، تدرك جيدا أن شخصية كترامب تصبح أكثر خطورة مع حشرها في الزاوية. فهذا ما دلت عليه ردة فعله الفورية عند نجاته من محاولة إغتياله خلال حملته الإنتخابية، حيث اندفع هائجا الى الأمام في وقت كانت فيه أذنه تنزف دما. وهذا التحالف السري بين مختلف أخصام ترامب داخل المؤسسات الأميركية من المرجح أن يكون هو من يقف وراء فضائح وثائق جيفري إبستين الصادمة. وقيل أن هذه الوثائق أشارت حوالي 38 ألف مرة اليه والى زوجته والى ناديه الخاص. وهو ما يعني أن ترامب بات بحاجة ماسة الى إنجاز قادر على حجب ما يحصل، وهو ما يضع الملف الإيراني في المقدمة. وكانت الإستطلاعات تشير الى وجود تأييد أميركي لتوجيه ضربة لإيران ولكن من دون التورط في حرب مفتوحة معها. ما يعني أن ترامب الذي كان وعد خلال حملته الإنتخابية بتحقيق اتفاق ملائم مع إيران، بات يشعر بالحاجة الى إنجاز مع طهران إما بالضربة العسكرية أو بالتفاوض. ولأن وضع ترامب المحشور يجعله أكثر تهورا وبالتالي أشد خطرا، فلا بد عندها التعامل بحذر وتعقل. أضف الى ذلك أن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو يدفع بقوة وخبث للذهاب الى الحل العسكري.
فالزيارة التي قام بها رئيس الأركان في الجيش الإسرائيلي إيال زامير الى واشنطن الأسبوع الماضي، كانت معبرة خصوصا لناحية الوفد المرافق. فهو ضم رئيس هيئة التخطيط اللواء هادي زيليرمان وهو الذي كان يشغل حتى وقت قصير منصب الملحق العسكري الإسرائيلي في واشنطن، وهو موقع شديد الحساسية إستطاع من خلاله نسج علاقات مهمة وقوية داخل البنتاغون. كذلك ضم الوفد قائد سلاح الجو ورئيس شعبة العمليات. وتشكيلة الوفد تبرز الأهمية القصوى التي توليها إسرائيل لدفع الجيش الأميركي نحو توجيه ضربات عسكرية ضد إيران عبر رفع مستوى التنسيق المباشر بين الجيشين الأميركي والإسرائيلي.
صحيح أن ما سبق يدفع باتجاه الرهان أكثر على المسار التفاوضي، لكن إحتمالات الخيار العسكري تبقى واردة بقوة، لاسيما وأن الملفات صعبة وشائكة ويشكل التفاهم حولها الذهاب ناحية مرحلة جديدة على أنقاض المراحل الماضية، والمقصود هنا الدور الإيراني الجديد على مستوى كامل المنطقة، في وقت يستمر فيه التحريض الإسرائيلي بأن طهران تراهن على الوقت لتقطيع المرحلة. وهذا ما يجعل عامل الوقت محددا ومحدودا بخلاف كل ما سبق من تفاوض بين البلدين.
لكن ثمة ما هو أبعد من الملفات المطروحة من جوانبها التقنية. فهنالك الخلفية السياسية وهو ما يهم مراكز صنع القرار في واشنطن. فالإدارة الأميركية تنظر من خلال الملف الإيراني الى صراعها مع الصين، وكيفية إعادة رسم معادلات دولية جديدة. وهو ما يعني هنا التفاهم مع إيران على دور جديد مختلف بالكامل عن ذلك الذي ظهرت فيه خلال العقود الماضية. فعدا الخام الإيراني كمصدر للطاقة التي تحتاج لها الآلة الصناعية الصينية الضخمة، هنالك كنوز المواد الأولية والتي تزخر بها الطبيعة الإيرانية. وهنالك أيضا الموقع الجيوسياسي لإيران ما يجعلها صاحبة دور محوري وأساسي، ولكن شمالا وشرقا وجنوبا، ولكن ليس أبدا غربا أي باتجاه الشاطىء الشرقي للمتوسط.
في معهد ميلكن في كاليفورنيا وفي محاضرة ألقاها السفير الأميركي لدى تركيا والمبعوث الخاص لترامب الى سوريا جدد توم براك كلامه حول شرق أوسط جديد تتجه إليه المنطقة. فبعد أن جدد إنتقاده لاتفاق سايكس_بيكو قال بأن تدخلات الغرب منذ سايكس_بيكو وحتى وعد بلفور لم تقدم للمنطقة سوى الكوارث، وأضاف أن خطأ الغرب الكبير كان بفرضه لنموذجه على كيانات العشائر في المنطقة، والتي يمتد تاريخها وثقافتها لآلاف السنين. وتابع براك بأن الغرب رسم الحدود بمحيط مناطق وعشائر ما كان ينبغي جمعها في بلد واحد ومنطقة واحدة أبدا. ووصف العراق بالدولة المحورية في أصعب منطقة في العالم، وأن الأنظمة الفدرالية أو المركزية التي تم فرضها من الخارج على العراق كما هو الحال في مصر وتونس واليمن، لم تتوافق مع البنية المجتمعية العشائرية والمتعددة العناصر، وفق قوله. وتابع كلامه قائلا بأن إستراتيجية ترامب هي بالسماح للمنطقة أن تكون نفسها. ومن الواضح أن براك الذي ردد كلامه هذا في السابق أكثر من مرة وبطرق مختلفة، يستند الى فكرة واحدة بأن الحدود الجغرافية لدول الشرق الأوسط هي مصطنعة وأنه لا بد من إعادة النظر في كيفية رسمها. ولكنه يقول ضمنا بأن هذه العملية تشكل مسارا طويلا وهي بحاجة لأحداث ولوقت ولظروف.
أما بالنسبة للبنان فجدد براك وصفه له بالدولة الفاشلة. وتابع، بأن النظام المذهبي منهار، وأن نهضة لبنان تكمن في الحوار المباشر مع إسرائيل، قائلا: “أنظروا الى الإمارات، أنظروا كيف تغيرت معايير المعيشة بالإتفاق والثقة”.
كلام براك ليس جديدا، وهنا أهمية ما يردده، وهو ما يعني بأنه يرتكز على مشروع موجود وجاري الدفع باتجاهه. وهو يعطي إشارة الى المسار الذي ينتظر لبنان، إن لناحية الحوار المباشر مع إسرائيل، أو لناحية الصيغة التي قد تشكل بديلا للدستور الحالي.
ومن هذه الزاوية تصبح المفاوضات بين إدارة ترامب وطهران بأبعاد أوسع بكثير من ملفات النووي والصواريخ البالستية، ولو أنها ستشكل المدخل المطلوب باتجاهها.



