
ليس أكثر ما يربك هذا العصر ضجيجه،بل منطقه.
فالضجيج عابر ،،أمّا حين يتحوّل إلى مبدأ،فذلك إعلان غير مكتوب عن تبدّل المعايير .
هناك لحظة دقيقة لا تُرى لكنّها حاسمة :
حين تكّف الكلمة عن أن تكون وسيلة للفهم ،وتتحوّل إلى أداة سيطرة .
حين يتقدّم الصوت عن المعنى ،وتتراجع الفكرة أمام حدّة النبرة .
في تلك اللّحظة ،لا ينهار حوار ،بل يختّل تعريف الإنسان لذاته.
يُقال أنّ الأزمنة تتغيّر ،،،
غير أنّ الأزمنة لا تفعل شيئاً وحدها ،الذين يتغيّرون هم البشر .
ومعهم تتغيّر الخرائط الخفيّة لما بسمّى قوّة .
وما يُسمّى حقاً
وما يّسمى كرامة ،
كان يُقال :
الصوت المنخفض علامة رسوخ
ويُقال اليوم :
الظهور يحتاج ضجيجاً
كان يُقال الإحترام لا يُساوم عليه
ويُقال اليوم :
الإحترام يُنتزع .
وكانت الكلمة وزناً أخلاقيّاً ،فصارت وزناً صوتيّاً .
وبين التعريفين ،لم تتبدّل اللغة فقط ،بل تبدّلت علاقة الإنسان بحدوده .
لم يعد الغضب حادثة نفسيّة ،بل أداة تواصل .
ولم تعد القسوة انحرافاً ،بل أسلوب حضور .
كأنّ العالم إعتاد ترتيب الفضائل ،فوضع الحدّة قبل الحكمة .
والأثر قبل المعنى .
الإحترام ليس تنازلاً ،بل شكلاً راقياً من أشكال السيادة على الذات ،
إنّه دستور …
هو أن يكون الإنسان قادراً على أن يعلو صوته …
فيختار أن يعلو وعيه .
وفي العمق ،
لا أحد ينجو من مواجهة واحدة على الأقل مع نفسه :
تلك التي تأتي بعد انطفاء الغضب ،
وبعد أن تستقّر الكلمات في أماكنها الخطأ ،
وحين يظهر سؤال بلا صوت :
هل كنت قويّاً …
أم كنت فقط عالياً ؟
الإحترام ،لا ينتمي إلى زمن ،ولا إلى جيل ،ولا إلى منظومة إجتماعيّة بعينها.
إنّه ينتمي إلى فكرة أقدم :
أنّ الإنسان لا يُقاس بما يستطيع فعله ،بل بما يختار الاّ يفعله .
ولهذا…
لا يقف هذا المقال ضدّ أحد .
ولا مع أحد
إنّه يقف في تلك المسافة الهشّة ،بين القدرة ،والفعل ،وبين الغضب ،والقرار .
بين الصوت ……والقيمة
وهناك تماماً
يتحدّد الفرق ،بين كائن ٍ يتكلّم
وإنسانٍ يفهم معنى أن يتكلّم


