مقالات صحفية

“لبنان مكمل أو بديل الضربة على إيران” بقلم الكاتب السياسي جوني منيّر

إنتهى الأسبوع على غير ما بدأ عليه، حيث كانت أسهم البدء بتنفيذ الضربة العسكرية الأميركية على إيران في أعلى مستوياتها. لكن تبدل لهجة الرئيس الأميركي دونالد ترامب من اللغة الحربية الى التعابير التفاوضية الحذرة لا تعني أن الوجهة التي ستتخذها إدارة ترامب حيال الملف الإيراني قد حسمت نهائيا، لا بل على العكس. فالإدارة الأميركية تحسب بدقة لتفاصيل الربح والخسارة، وهو ما جعل ترامب يعتذر لعدم إشراك “الحلفاء الخليجيين” في مخططه، خصوصا وأن حسابات واشنطن تنبع من الزاوية الواسعة لمصالحها الدولية على رقعة النفوذ العالمية، وليس فقط من الزاوية الإقليمية الضيقة.
فعلى الرغم من إعلان واشنطن وطهران على السواء الشروع في مفاوضات “جدية” وفق توصيف ترامب، إلا أن التعزيزات العسكرية إستمرت بالتدفق الى المنطقة، في دليل واضح بأن هذه المفاوضات والتي تجري تحت ضغط الحرب، ليست مضمونة النتائج، وقد لا تشكل بديلا عما يمكن فرضه بقوة النار. ففي “منطقة عمليات” الشرق الأوسط أصبح هنالك حشد عسكري هو الأكبر منذ زمن بعيد، وفق ما صرح به الرئيس الأميركي. حاملة الطائرات “أبراهام لينكولن” والمجهزة بقدرات هجومية فتاكة أكان من خلال المقاتلات الحربية أو القوة الصاروخية المدمرة وأجهزة الرصد المتطورة، وخمس مدمرات مزودة بصواريخ توماهوك البعيدة المدى، حيث جرى توزيعهم بين مضيق هرمز وشرق البحر المتوسط، إضافة الى طائرات الإنذار المبكر والمخصصة لرصد الصواريخ والمقاتلات والمسيرات. كما أن هنالك طائرات ال أف 35 الشبحية والى جانبها طائرات ال أف 15، إضافة الى العديد من الأسلحة الهجومية. لكن اللافت ما أعلنته شركة “لوكهيد مارتن” بأنها ستضاعف بمعدل أربع مرات أكثر إنتاجها من صواريخ الدفاع الصاروخي الجوي من نوع “ثاد” والتي تستخدم بشكل أساسي لحماية القواعد العسكرية الأميركية وحلفائها. وهو ما يعني بأن مخازن الجيش الأميركي ستمتلك صواريخ إعتراضية أكثر من أي وقت مضى. وهو ما يعزز المؤشرات حول تحضيرات أميركية جدية لخوض الحرب، مع الإشارة بأن تكلفة صاروخ واحد من نوع “ثاد” مليون دولار أميركي. وخلال الحملة الجوية التي طالت إيران في حزيران الماضي، جرى استخدام نظام الدفاع الصاروخي من نوع “ثاد” لاعتراض الصواريخ البالستية الإيرانية، وظهرت يومها مخاوف بشأن نقص المخزون واستنزافه، ما كان سيعني إنكشاف واسع للأجواء الإسرائيلية والقواعد العسكرية الأميركية. ووفق ما تقدم يظهر أن إدارة ترامب تتحضر كي تكون ظروفها ملائمة لحملة عسكرية طويلة الأمد، من دون إغفال الخسائر التي لحقت بالقوة الصاروخية الإيرانية ما جعلها أضعف قدرة مما كانت عليه سابقا. وثمة مؤشرات أخرى تدعو للقلق من إندفاع ترامب في مغامرته العسكرية ضد إيران وتتعلق بمزاج الشارع الأميركي المؤيد. ذلك أن آخر استطلاعا أجرته صحيفة بوليتيكو الأميركية أظهر رغبة لدى القاعدة التي انتهبت ترامب العام الماضي لشن ضربات ضد إيران بنسبة تجاوزت ال50%.
لكن السؤال الأبرز يبقى في الأهداف الحقيقية التي تريدها واشنطن من طهران. فإذا كان المطلوب ضرب مواقع ركائز القوة للنظام القائم مثل الحرس الثوري أو حتى مواقع عسكرية فإن تجهيز القوة النارية الأميركية الهائلة تصبح مفهومة، أما إذا كان الهدف تغيير النظام الديني القائم كما تطالب إسرائيل يصبح أكثر صعوبة بكثير، كي لا نقول بأن الحملات الجوية لا تؤدي الى تغيير أنظمة في أغلب الأحيان. وبعيدا عن التهديدات الإعلامية والسياسية في بعض الأحيان فإن الإدارة الأميركية لم تظهر سابقا وجود نوايا جدية لديها للسعي لتغيير النظام الديني القائم، بل تركزت ضغوطها باتجاه تعديل سلوك هذا النظام أو ربما إحداث انقلاب في داخله يؤدي الى إمساك شخصيات معتدلة بمقاليد السلطة مكان الوجوه المتشددة. ذلك أن واشنطن التي تتحاشى دفع إيران باتجاه الفوضى الكاملة خشية فقدان سيطرتها على كامل المنطقة، تنظر الى سعيها لترويض السلوك الإيراني من زاوية إعادة ترتيب المعادلات الدولية تحت عنوان صراعها مع الصين التي يستفيد نموها الإقتصادي والصناعي السريع من الخام الإيراني الرخيص، إضافة الى ميزات أخرى يوفرها الموقع الجغرافي الإستثنائي لإيران. وفي وقت إنطلقت فيه إيران في مسعاها الديبلوماسي عبر تركيا التي زارها وزير خارجيتها عدنان عرقجي، وروسيا التي قصدها أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني، بدا أنها دورت بعض الزوايا ما دفع ترامب لوصف “الحديث” الإيراني بالجدي. ولتركيا مصلحة بتحاشي دفع إيران الى الفوضى. كما أنها ستصغي جيدا الى الدور المساعد الذي يمكن أن تلعبه إيران لصالح تركيا في النزاع المتوقع للمرحلة المقبلة بين أنقرة وتل أبيب على كيفية تقاسم النفوذ في المنطقة. لكن في الوقت نفسه فإن لتركيا مصلحة أيضا بنزع مخالب إيران القوية ودفعها الى خسارة جزئية وليس كاملة، كونها “الوريث” الطبيعي لأمبراطوريتها الإقليمية بدءا من سوريا. ومن هنا قد تبدو واشنطن أكثر تجاوبا مع مساعي دفع طهران لإنتاج اتفاق يلائم المصالح الأميركية في صراعها الدولي العريض. وهو ما عبر عنه بطريقة أو بأخرى وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في شهادته أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، عندما قال بأن أحدا لا يدري ما قد يحدث إذا سقط النظام الإيراني. وكلام روبيو ينطوي على إقرار ضمني بأن واشنطن ليست في وارد لعبة التغيير حتى ولو كانت قادرة على تحقيقه عسكريا. فتبعاته خطيرة وهائلة.
لكن إسرائيل تنظر الى إيران من زاوية مختلفة من تلك التي تنظر إليها واشنطن، وتتعلق حصرا بالنفوذ الإقليمي والمخاطر المنبثقة عنه. فهي لا تمانع لا بل تدفع باتجاه إسقاط النظام، والفوضى بالنسبة لها تشكل الممر السريع لتفكيك إيران، وبعدها العراق وسوريا والحبل على الجرار. ونتنياهو الذي ينتهج سلوكا صامتا وقليل الضوضاء، وهو ما طلبه من وزراء حكومته، يعتبر أن الحشد العسكري الأميركي ضد إيران فرصة ذهبية لا يجب إهدارها. ويمكن تفسير صمته هنا بأنه لتجنب اقتراف الأخطاء ومنح مادة سجالية لمعارضي الضربة إن في الشرق الأوسط أو في الداخل الأميركي. ولكن، ومع ارتفاع حظوظ المفاوضات، نقلت الإذاعة الإسرائيلية بأن الرسالة التي وجهتها تل أبيب الى واشنطن تمسكت بالمطالب الأربع التي يجب أن يتضمنها أي اتفاق: اليورانيوم، البرنامج النووي، الصواريخ البالستية والأذرع في المنطقة.
صحيح أن خط التفاوض بدأ يعمل بجدية وسرية، لكن المهلة ليست مفتوحة ولو أن ترامب رفض الإعلان عنها مكتفيا بالإشارة الى أن طهران وحدها تعرفها. ولكنه وصف ما وصله من طهران بالجدي.
في المقابل فإن إيران المنشغلة بالتحضير لدفاعها العسكري، ولتجهيز أماكن لجوء المواطنين من القصف الجوي، باتت ترى بأن لعبتها المفضلة باستهلاك الوقت والرهان عليه لم تعد صالحة كما كان حاصلا. قد تكون راهنت على تمرير الوقت وصولا الى تفاقم مشاكل ومتاعب ترامب الداخلية وصولا الى خسارة حزبه الإنتخابات النصفية ما سيجعله ينكفىء الى الداخل لمعالجة أزماته. كما أن إعتماد “استراتيجية الصبر” قد تسمح بتسلل التعب الى الشارع الإسرائيلي الذي يخوض حربا مفتوحة منذ أكثر من سنتين وأربعة أشهر، أضف الى ذلك دنو موعد الأنتخابات العامة. لكن ترامب الذي يبحث عن “خبطة” كبيرة تعوض له خسائره الداخلية والتي كان آخرها في مينيابوليس، وضع حدا زمنيا صارما في موازاة استمرار تحشيده العسكري ليكون جاهزا في اللحظة المناسبة. أي أنه يريد تحقيق مكاسب سياسية في إيران إما بالتفاوض أو بالقوة. مع الإشارة هنا الى الإعراب عن أمله بأن تفاوض إيران “على شيء مقبول”.
ولا بد من الإلتفات الى حدثين غامضين واكبا التحرك الإيراني باتجاه تركيا وروسيا. الأول ويتعلق بتلك الإنفجارات الغامضة التي حصلت في اليوم نفسه وتنقلت بين بندر بن عباس والأهواز وقم. والثاني، تلك الزيارة التي قام بها مرشد الثورة الإيرانية خامنئي الى قبر مؤسس النظام الإيراني الديني الخميني، والتي جرى تغطيتها إعلاميا في خطوة نادرة. وفي حين أدرج البعض هذه الزيارة في إطار الإيحاء بأن خامنئي ليس خائفا أو قلقا من محاولة إغتياله بهدف ضرب النظام، فإن البعض الآخر قرأ فيها محاكاة للتعبير الشهير للخميني بتجرع السم إثر قبوله باتفاق وقف الحرب التي كانت قائمة مع العراق. خصوصا وأن زيارة خامنئي حصلت في اليوم نفسه لانطلاق موفديه باتجاه تركيا وروسيا.
ولكن كلام رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير والذي نقلته الإذاعة الإسرائيلية حول أن الضربة الأميركية ستنفذ ما بين أسبوعين الى شهرين، أعطى الإنطباع بأن مدة التفاوض التي يريدها ترامب هي أسبوعين في وقت رشح أن طهران طلبت مهلة الشهرين لإنهاء المفاوضات.
ولكن أيا يكن المسار الذي ستسلكه الأحداث، فإن الخشية من أن يكون لبنان مكملا أو بديلا للضربة العسكرية على إيران. ففي حال الخيار العسكري فإن قيام إسرائيل باستهداف قواعد وصواريخ حزب الله يصبح من ضمن سياق المشهد الواحد في المنطقة. أما في حال نجاح المفاوضات فالخشية تبقى قائمة من “قبة باط” أميركية لنتنياهو بالتعويض في لبنان وبذريعة إنهاء الصواريخ البالستية والمسيرات النوعية والمصانع العسكرية المخصصة لهما.
ومن هنا أهمية الزيارة الرسمية الأولى التي يقوم بها قائد الجيش العماد رودولف هيكل الى واشنطن. فعلى برنامج المباحثات ما حققه الجيش خلال السنة الفائتة إضافة الى برنامج عمله للسنة المقبلة. ولا حاجة للتذكير بأن ملف “إحتكار” الدولة اللبنانية للسلاح سيكون في صلب مباحثاته وسط انتقادات أميركية للتباطوء اللبناني وعدم وضع برنامج تحرك جدي وفق روزنامة زمنية للشروع في المرحلة الثانية والتي أعلن حزب الله بوضوح رفضه لها. ورغم انعقاد مجلس الوزراء قبل يوم من سفره إلا أنه لم يتطرق الى هذا الملف، ما يوحي بنقطتين: الأولى أن هيكل لن يكون قادرا على إعطاء أجوبة حاسمة هي في الأساس من مسؤولية السلطة التنفيذية. والثانية، أن اجتماع مجلس الوزراء المقبل والمخصص لبحث خطة الجيش والمرحلة الثانية والذي من المفترض أن يحصل بعد العاشر من هذا الشهر لن يتطرق الى أي برنامج زمني، وإلا لكان إتخذ القرار قبل سفر قائد الجيش ليحمله بيده ويتحصن به.
وقد تكون السلطة اللبنانية تراقب وتنتظر ما ستؤول إليه التطورات الإيرانية سلبا أم إيجابا. لكن انتظار الوقت هو أسوأ الخيارات التي تواجهها، كون ذلك يعني استمرار الإستنزاف اليومي مترافقا مع الضغط الأميركي، وهو ما يحصل حاليا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى