
نحن أمام مواجهة لا تُدار على خطوط تماس تقليدية، بل على حافة الهاوية. كل طرف يضغط إلى أقصى حدّ ممكن، ثم يتوقّف قبل السقوط، منتظرًا أن يتعثّر الآخر.
أولًا: الاستراتيجية الأميركية
* الاستدراج بدل المبادرة
الولايات المتحدة تدرك حقيقة أساسية:
أي ضربة استباقية مباشرة منها على إيران ستُدخلها في حرب إقليمية مفتوحة، لا يمكن التحكّم بمساراتها ولا بكلفتها، لا عسكريًا ولا اقتصاديًا ولا سياسيًا.
لذلك تعتمد واشنطن على:
الضغط الإعلامي: شيطنة إيران، تضخيم الخطر النووي، وصناعة رأي عام يبرّر أي تصعيد لاحق.
الضغط العسكري غير المباشر: حشود، مناورات، حاملات طائرات، وضربات عبر أطراف ثالثة.
الضغط الأمني والادراكي: اغتيالات، تخريب، حرب سيبرانية، ورسائل مبطّنة هدفها واحد:
دفع إيران إلى ارتكاب “ *الخطأ الأول”.*
المنطق الأميركي بسيط وقاسٍ:
*دَع خصمك يطلق الرصاصة الأولى، وستحصل على شرعية تدميره.*
ثانيًا: الاستراتيجية الإيرانية
*الصبر كعقيدة لا كتكتيك
وهنا مربط الفرس. إيران لا تتعامل مع الصبر بوصفه ضعفًا أو انتظارًا سلبيًا، بل كـ منهج متراكم:
صبر طويل النفس أمام العقوبات الخانقة
*صبر على الضربات الأمنية دون الانجرار إلى حرب شاملة
صبر في تطوير القدرات*: *من السجاد فعلًا*… *إلى الصواريخ الثقيلة… إلى العتبة النووية*
هذا الصبر ليس عاطفيًا، بل محسوب ببرود.
إيران تراهن على:
تغيّر موازين القوى عالميًا
تآكل الإرادة الأميركية داخليًا
تعب الحلفاء الإقليميين لواشنطن من حروب الاستنزاف
والرسالة الإيرانية الضمنية:
*نحن لا نستعجل النصر، يكفينا ألّا نخسر* … فالزمن يعمل لصالحنا.
ثالثًا: المفارقة القاتلة – كلاهما أسير استراتيجيته
المشهد الأشد خطورة أن الطرفين محكومان بخياراتهما:
أميركا لا تستطيع الضرب دون ذريعة
إيران لا تستطيع الضرب مخافة أن تخسر مكاسب الصبر
وهكذا تستمر لعبة عضّ الأصابع:
الضغط يتصاعد
الخط الأحمر يقترب
لكن أحدًا لا يريد أن يكون “الأول”
إلى أن يقع:
خطأ حسابي
ضربة زائدة
أو حادث لا يريدُه أحد… فيشعل ما لم يكن مخططًا له
ومن هنا نستطيع الاستنتاج ان
هذه ليست حربًا بين شجاع وجبان، بل بين:
قوة تخشى التورّط
ودولة أتقنت فنّ الانتظار
وفي مثل هذه الحروب، لا ينتصر من يضرب أولًا…
بل من يصمد أطول دون أن يفقد أعصابه…..


